ليست سيرة ذاتية تلك التي يكتبها شهيد ومناضل ومفكر على غرار وليد دقة عن حياته، بل ربما كتب حياته على شكل سيرة للجرح، وحكاية للإنسان. إنما هي ذاكرة كانت وقودًا لحياته وستصبح شمسًا تضيء قلوب الأجيال القادمة. ففي كل مفصل من مفاصل قصته سنعثر على سردية فلسطين، وكأنه حين قرر أن يكون ذلك الثائر، ووجد سر الزيت في الأرض، فكأنما كتب سيرة نضالية لمعنى أن تكون فلسطينيًا حقيقيًا، أو معنى أن تكون خالد، لا خلدون ولا دوف كما في رواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا".
وهو الذي أحب الأرض والوطن ليس من قصيدة قرأها كما يقول، ولم يكره الغزاة فقط من كتب التاريخ، إنما كان جده وأبوه الرائع وأمه المناضلة بالمعاني الأخلاقية لمعنى النضال، هم النص والمنصوص.
هكذا نرى الشهيد القائد والمفكر يكتب سيرته التي تكشف تلك المنعطفات الهامة التي شكلته كمناضل وإنسان، في رواية نُشرت مؤخرًا عن دار الآداب في بيروت بعنوان: "بائع التذاكر".
ففي هذه الرواية، نشعر كم هي مكلفة تلك الحياة التي عاشها كمناضل من الداخل المحتل، وكيف شكّل هويته من خلال التزامه الحقيقي والإنساني بقضيته الفلسطينية، حيث لعبت الهوية الملتبسة كفلسطيني يعيش في تل أبيب وعمل فيها، لتصبح محرضًا له للنضال الحقيقي. فيأتي الكتاب على شكل محطات من حياة وليد التي كوّنته وكوّنت ثقافته ورؤيته للعالم، في حياة عاشها بين جغرافيات كثيرة ابتداءً من قريته باقة الغربية ثم تل أبيب التي وجد فيها فردانيته ومجهوليته وعمل فيها داخل مطعم، إلى حياته في السجن.
يسمي وليد نفسه بائع التذاكر في القسم الأخير من السيرة الروائية لأنه يقرأ لغة جسد المسافرين ويميز بين المسافرين هربًا وبين المسافرين فعلًا فيقول لنا: أنا بائع التذاكر بدأت عملي مجانًا في زمن حركات التحرر. فهذا الفارق بين سفرين، إنما فارق جوهري، بين أن تكون مستلبًا وأن تكون حرًا حقيقيًا، حيث بحث في العمق عن معاني الالتزام وجوهره، ومعنى أن ينتمي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بعد أن عرف أن هذا اليسار الذي ينتمي إليه الكثير من الجنسيات والقوميات يتقاطع مع فكرته وبحثه عن العدالة والمساواة، فقد فهم مبكرًا معنى أن يكون إنسانًا قبل كل شيء، ولقد شكلت مجزرة صبرا وشاتيلا منعطفًا هامًا، جعلته ينتقل من العمل في مطعم في تل أبيب، التي كانت تمثل المركز الاستعماري، إلى مطعم في طولكرم. فقد شعر يومها باللاجدوى، وأنه يجب أن يفعل شيئًا تجاه عدو غاصب ومتوحش لكن الإحساس بألم الناس هو جوهر الحضارة كما يقول، وفي هذا المنعطف، نقرأ سيرة نضالية لفلسطيني الداخل المحتل، حيث يسرد وليد كيف كانت تلك الهوية الملتبسة تُفهم أحيانًا خطأً من قبل الكثيرين خصوصًا أنه يجيد اللغة العبرية والثقافة اليهودية.
وهنا نعثر على رؤى وليد دقة النقدية لمسألة اللغة والاستعمار، فهو لا يعتبر اللغة سلاحًا فقط نستخدمه كأداة ضد الآخر، والتواصل معه فقط، إنما هي أداة لمعرفته واستكشافه، حيث يقول وليد عن اللغة: "لطالما شعرت أن اللغة تموضعني في موقع الندية مع السجان". ويصف ذلك بالمقارنة مع الكثير ممن كانوا في السجن، وهم يجيدون اللغة العبرية ويتواصلون مع السجان لكن كان من السهل تضليلهم لأنهم لا يعرفون ثقافة الآخر. فالاطلاع على الثقافة العبرية هو ما يحسّن الندية مع السجان.
إن أهمية مسألة اللغة جعلته ندًا للعدو، يعرف الصحف العبرية ويترجم المقالات والكتب. والأهم أيضًا أنه كان ممثلًا للأسرى في السجن، ويتابع قضاياهم. هكذا أصبحت اللغة بالنسبة لوليد، معرفة حقيقية للجرح ومعرفة أساسية للتزييف الإسرائيلي.
هكذا أصبح وليد دقة كما وصف تمامًا: "مفسرًا لأحلام رفاقه"، حيث يقول إنك حين تكتب من داخل الجرح فأنت بالضرورة لا تصف الواقع، بل ستغدو بحكم التجربة مفسرًا لأحلام رفاقك. فقد تعلم خلال سنوات الاعتقال كيف يتعامل مع العزل كمكان وزمان، فلا بد أن يرتب الزمان والمكان داخل السجن، فقد كانت صورة ابنته ميلاد طوطمه في ساعات العزل الانفرادي التي عوقب فيها وليد على ولادة ابنته التي ولدت من نطفة هُرّبت من السجن.
يتحدث وليد عن أمه التي كانت تحمل وتنقل الرسائل في السجن، إلى أي مكان يريد، وهي التي كانت المساهمة في تكوينه وعن علاقته بسناء، التي شكلت صلته بالواقع وبالعالم الخارجي وعن وجودها الهام في حياته وعن مواجهته لأسئلة كثيرة إنسانية حول الارتباط بها مثل سؤال: هل يمكن أن يورط معه إنسانة حرة لها الحرية في اختيار شريك حياتها؟
وعن ميلاد، الطفلة التي ملأت حياته وعالمه، فقد كتب قسمًا من روايته بصوت ميلاد التي ولدت من رحم ذلك الزمن الموازي الذي وصفه وليد بأنه زمن لا توجد فيه دقائق ولا ساعات. فيقول لنا وليد: "نحن في الزمن الموازي نراكم ولا تروننا، نسمعكم ولا تسمعوننا، نحن الزمن الذي يتصارع مع المكان".
وعودة إلى كتابه صهر الوعي، الذي يشكل بحثًا في آليات أسر الزمن وإذابة القيم الوطنية الجامعة التي يقوم بها العدو، نقرأ فكر وليد دقة وهو يقارب السجن الصغير والسجن الكبير، انطلاقًا مما يسميه المفكر زيغمونت باومان بالحداثة السائلة، هذه الحداثة التي تذيب القيم وتسيّلها للسيطرة على زمن الأسير وخاصة المستقبل، وبهذا يدرك وليد دقة بندية فكر هذا السجان الذي يسخر منه ويغيظه ذلك الوعي الفكري والروحي للأسير. فقد قاوم أيضًا بالإضافة لمحاولات صهر الوعي، النظام الذي شكله الأسرى بأنفسهم، موضحًا أن الفكرة حين تكون منمّطة ومعلّبة إنما تنتج أشخاصًا نمطيين وسيتحول أي نظام في هذه الحالة إلى شمولي، لذلك قاوم وليد دقة كل أنواع السجون وخاض حربه الحقيقية لينقذ روحه.
لا بد أيضًا أن نرى في هذه الرواية أن وليد دقة شكلت بحوثه وكتبه ليس فقط توثيقًا لحياة مناضل وقراءة لفكره، إنما أيضًا سردية فلسطين الطالعة من جرح الأرض العميق، تمامًا كما يقول الشاعر ابن حزم الأندلسي: من صغير النوى ترى الشجر، فمن حياة المفكر والشهيد والأسير يمكن معرفة جوانب أساسية من نضال الحركة الأسيرة، ومقاومة أبناء الداخل المحتل، ونرى رؤية ثقافية نقدية للواقع الفلسطيني تحت الاحتلال وفي الأسر وباختصار يوجه وليد نقده أيضًا لحركات التحرر الفلسطينية وتوصياته من أجل المستقبل.
هكذا تصبح سيرة "بائع التذاكر" بمثابة شجرة فلسطينية تضاف لحدائق الأرض، فهنا لا نقرأ سر الزيت وسر الطيف والسيف، بل نقرأ سر وليد وسناء وميلاد، وسر فلسطين المشتتة في جغرافياتها. وهكذا يُحتجز جثمانه الآن في مستقبل يأسره المحتل لقناعة زائفة لديه بأنه يستطيع صهر الوعي واحتجاز الذاكرة، الذاكرة التي هي أيضًا جرح يقظ من جروح الجسد الفلسطيني المثخن بالألم والأمل.
إنه "بائع تذاكر" لا يشبه أحدًا، وحين نحصل على تذكرة لعوالمه، ستنفتح بوابات كانت مقفلة يومًا ما داخلنا، بوابات تفضي إلى عالم الحرية وإلى معنى التحرر الحقيقي من احتلال الروح ومن استلاب الوعي والعقل والقلب، وهو بحق بائع تذاكر عرف كيف يقرأنا بلغة الحلم والحب والحزن وأيضًا بلغة الانتماء للهوية الإنسانية الأوسع.


تحميل المقال التالي...