}
عروض

"حديقة" رنا حايك: ذاتٌ تفيضُ بمشاعر الهباء

جورج كعدي

21 أبريل 2026


تنتمي رواية رنا حايك "أشواك حديقة تورينغ" بامتياز إلى تيار الوعي في الرواية الغربية، حيث التداعي الحر والسرد الداخليّ للأفكار، ومن أبرز ممثلاته (طالما أننا أمام امرأة تروي) فرجينيا وولف، سيدة السرد الذاتيّ المتشظّي وعيًا وإدراكًا وقلقًا ممزّقًا، وكلاريس ليسبكتور التي يكاد ينعدم الحدث الخارجيّ لديها مقابل انفجار داخليّ للأفكار وفوضى الوعي، وناتالي ساروت في ما دعته هي نفسها "الحركات الدقيقة" (Tropisms) أو الاهتزازات النفسية شبه الواعية، الأقرب إلى ما يحدث في الذهن قبل أن يصبح فكرة مكتملة، وغرترود شتاين التي تفكك اللغة نفسها عبر التكرار والانزياح والتفكير بصوتٍ عالٍ قبل ترتيب المعنى، وإلين سيكسوس التي يتدفق النص لديها بين التداعي الشعوريّ والفكر الفلسفيّ. شيءٌ من جميع هذه الأساليب الروائية الحديثة موجود في رواية حايك الأولى هذه (منشورات نوفل/ هاشيت أنطوان، بيروت، طبعة أولى 2026) المدهشة الكثافة، حتى تبدو نصًّا مضغوطًا/Compact مثل الأقراص الرقمية، بدفق هائل من الأفكار والتداعيات والتأملات المنطوية على بوح ذاتيّ شجاع، جريء، صادق، مفجوع بعبث الوجود وقسوته وهبائه وتناقضاته وشرطه البشري البائس.

تكتب رنا حايك ما ينبع من طبعها وشخصيتها عند "الدرجة صفر" من الوجود، مثلما فعل رولان بارت في "الكتابة عند الدرجة صفر"، ولكن بمعنى تصادم الأفكار وتناقضها الجدليّ الذي يجعل محصلتها النهائية صفرًا، أو عدمًا. فلعمري، ما الحقيقة؟ وما الحقيقيّ؟ بالسؤال الإبستمولوجيّ السقراطيّ تفتتح روايتها، فعنوان الفصل الأول "الراوية العليمة التي هي أيضًا لا تعلم شيئًا" تعبيرٌ عن شكّ معرفيّ يصلح لفحوى تداعيات الراوية بأصوات متعددة التي لا يقين لديها في أي مسألة أو قضية وجودية تقلق كينونتها الهشّة. هي نفسها تتحدث عن "قوة الهشاشة وسحرها"، كأنها تمجّدها مثلما تمجّد تناقضاتها الفكرية. عقل الروائية مرهقٌ ومرهِقٌ في آن معًا. كثيرة الشكوى هي من كل شيء، تبغي التخفف بنصها السرديّ المتداعي من حمولة نفس وعقل تنوء بها ("أنا كثيرة عليّ... أريد أن أخلعني... أن أتخفف مني"). تخاف العالم الكبير الواسع الذي قد يلتهمها. تُنهكها الأفكار بشأنه. إنها فيلسوفة بطبعها، وبفكرها وثقافتها، كثيرة الأسئلة والحيرة والشكوى. هل نكون، مثلًا، ذئابًا أم حملانًا في هذه الحياة؟ من يقدر على إعطائها جوابًا حاسمًا؟ من يسعه تهدئة ذاتها المضطرمة، الزئبقية المتبعثرة؟ حتى عدم الاتساق يفتنها وتراه ثراءً روحيًا، على طريقة بيسوا في "اللامنتمي". تبالغ في الإمحاء حين تقول إنها "بطلة في حياة الآخرين وكومبارس في حياتها". تطاول تساؤلاتها وشكوكها جدوى الكتابة، كيف لا وهي تبلغ حدّ السؤال عن جدوى الحياة نفسها، بل الوجود. تبلغ ذروة اليقين صوب النهاية قائلة: "خلف كل حركة نقوم بها كبشر، كل حركة وأيّ حركة، شبح متربّص ينتظر استسلامنا: شبح اللاجدوى، شبح اللامعنى الأخير، شبح اللاشيء. لم أعرفني يومًا. الآن تأكدت أنني يومًا لن أفعل. لم يغلب يقينٌ ما في داخلي عبث الوجود وما يدور فيه من حركة يائسة للتخلص من شبكة عنكبوت عالقون بها نحن البشر. الآن ترسخ يقيني باللايقين. حلقةٌ مفرغةٌ وجودنا. عبثٌ لن يُكشف كنهه إلا بعد الموت. فوضى تعجز يد العاشق عن ترتيبها، وحضن الأم عن طمأنة قلقها، وكتفا الأب عن حمايتنا منها. فوضى لا حل لها". فات الروائية هنا في تداعيها العبثي أن عبث الوجود الذي "لن ينكشف كنهه إلا بعد الموت" لن ينكشف حتى بعد الموت لأننا سنكون في ظلمة العدم ولن نكنه شيئًا، بل سيموت اللغز بموتنا وسنحرم معرفته أيضًا.

مثلما حاول ألن تورينغ، عالم الكمبيوتر والرياضيات البريطانيّ الرائد، تنقية حديقته من الأشواك، هكذا تحاول رنا حايك تنقية حديقة روحها القلقة من أشواك الشك والحيرة واللايقين والشعور العارم بالعبث. تحاول تشذيب شجرة الحياة وعشبها ولا تفلح كثيرًا لأن أشواكها كثيرة. تروي تناقضات روحها بصوتين أساسيين، يارا وعلياء، وهما مثل Persona يونغ، ثم برغمان، وجها امرأة واحدة في جدال وتناقض مستمرين قبل اتحادهما في مرآة المصعد صوب النهاية، مثلما اتحد وجها ليف أولمان وبيبي أندرسون لدى المعلم السويديّ. تتشاحنان وتتبادلان الانتقاد والسخرية والغيرة والاختلاف في مقاربة أمور الحياة وشؤون المرأة وشجونها والعلاقة المأزومة مع الأم، كأننا حيال اضطراب ثنائيّ القطب (Bipolar) أو اضطراب الشخصية الحدّية (BPD) اللذين تلمح إليهما الروائية نفسها كأنها تشك في أنها تعانيهما من فرط تأرجحها الحدّي بين التناقضات الفكرية. وتمضي إلى درجة تعيير الآخرين بعدم امتلاك حساسية عالية (ص 30). أما الذكاء الاصطناعي (AI)، الصوت الروائيّ الثالث، فهو يصف يارا بالتمزق المعرفيّ والوجدانيّ الحديث، وعلياء بالضعف المغلف باستكبار القوة (ص 43). يتحدى الوجهين النسائيين معًا ويروم إذلالهما.

أما "عين الأخ الأكبر" فليست سوى الأنا العليا (Super ego) وفقًا لفرويد، العاملة كرقيب داخليّ يسعى إلى الكمال. تُوازن هذه "الأنا العليا" هنا بين غرائز علياء السطحية والبدائية، أو لنقل البراغماتية، وقلق يارا الوجوديّ العميق. تتبادل كلٌّ من يارا وعلياء الاتهامات والانتقادات الحادة. تقمع علياء يارا وتعيّرها، ساخرةً من اليساريين "على حواف البارات" الذين "تؤرقهم معاقبة فتاة في أفغانستان لأنها ارتدت بنطالًا" (ص 28). ينطوي خطاب علياء على سخرية لئيمة، فيما خطاب يارا منشغل بالهموم والأسئلة، حاملة معها "الأصل الكربلائي" والإرث العربيّ الرومانسيّ. يؤرقها الموت الذي يرافقها دومًا، في كل لحظة، على ما تبوح (ص 12)، مؤثرةً الصمت على الكلام: "فلتصمتي قليلًا، قلت لنفسي، الموتى لا يحبون الضجيج، فلتكفي عن قضّ مضاجعهم. الضحايا يكرهون التعاطف، فيه مصادرة لوجعهم. في كلامك إهانة لمأساتهم وتسويف لمشاعرك (...)" (ص 14).

ابنة الحرب رنا حايك، بل الحروب المستمرة، وصولًا إلى إبادة غزة الأخيرة، مرورًا بالحرب الأهلية اللبنانية وخطوط تماسها، وقد طاولتها مرة رصاصة قناص نجت منها بأعجوبة، على ما تبوح: "لكنني على ما يبدو حملتُ خط التماس ذلك معي أينما ذهبت. خط التماس: المسافة الصفر بين عدوين، بين ضدين". "غير المحظوظة في الحب... عمدًا ربما"، غير محظوظة أيضًا بأنها مولودة في أزمنة الحروب، وإن دفعتني قارئًا معجبًا إلى مخالفتها قولها: "لكلّ من يخوضون حروبًا: الأرض ليست لكم". ولا يغيب عن الروائية تسجيل موقف تعاطفيّ مع شعب غزة حيث "الإبادة الجماعية على الهواء مباشرة لكوكب عليه أن يشعر بالعار لو أنه لم يدفن وعيه منذ زمن بين ردفيّ كيم كارداشيان وتفاهات تلفزيون الواقع وتضليل الأخ الأكبر"، وأبعد من غزة إلى ذاك "المجنون" (دونالد ترامب، من غير أن تسميه لأن الجنون عنوانه) "الذي يحلم بضم بلدان مستقلة إلى ولاياته المتحدة ويطرد منها المهاجرين بينما مجتمعه لم يتكوّن إلا من مهاجرين، لكن طبعًا، الـ WASP الأوائل، الخزفيو البشرة لهم الحق في أرض السكان الأصليين كما لإسرائيل، تلميذهم النجيب، في فلسطين" (ص 59).

وإن انسحبت مؤرّقات رنا حايك علينا جميعًا في شرطنا الوجوديّ البائس، إلا أن صوت المرأة يظل طاغيًا بهواجسه الخاصة المتصلة بالحب والجسد وعلامات التقدم في العمر والعلاقات السامة مع النساء والرجال على السواء ومختلف شؤون المرأة وشجونها في مجتمع ذكوريّ حيث لا تجدي النضالات النسوية، إذ تهجو مزاعم "عصبة المرأة المتوحشة": "كيف أتعاطف مع صديقتي التي تشهّر بأحد معارفنا أنه اغتصبها ثلاث مرات في منزله؟ كيف يمكن لامرأة أن تُغتصب ثلاث مرات في بيت أحدهم؟ لمَ رافقته إليه أساسًا في المرة الثانية؟ هههه. وماذا عن تلك التي تجلس إلى البار وتطلب مشروبًا متمثلةً بقوة مارغريت دوراس أو سيمون دو بوفوار وتلهو بجذب انتباه الساقي، ثم تدّعي أنه حاول اغتصابها بعد أن تفاعل مع ملاطفاتها وإيحاءاتها الجنسية؟ أنا أرفض هذا. إذا أُغويتُ، فأرحب بالغواية المقابلة. وإذا لم أكن على قدر اللعبة، فلا ألعبها من الأساس (...)" (ص 80).

مفاجئة، مدهشة، كثيفة المعاني والتداعيات رواية رنا حايك، فتحٌ جديد في الرواية العربية الناهضة على التداعي الداخليّ الحرّ، الوجوديّ، الفلسفيّ، اللاأدريّ، المشوب بيأس من العثور على المعنى واليقين لكينونتنا الإنسانية الهشّة. تنقص روايتها فقط فتحات وفسحات مهوّاة قليلًا، لإراحة القارئ من ضغط المعاني وكثافتها الشديدة.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.