في عالم يكرّر النسيان، ويجرد الإنسان من قيمته من خلال الصمت، وتخزين الصور، لا أكثر، تصبح مهمة التوثيق ضرورة، تشبه استعادة للمفقودين خلال الحروب، وحماية لأثرهم، حتى بعد غيابهم القسري.
في مجموعته الشعرية "ورود يوم القيامة" الصادرة حديثًا عن دار الأهلية للنشر والتوزيع، 2026، يحاول الشاعر حسين جلعاد صناعة ذاكرة لضحايا حرب غزة بطريقته الخاصة، عبر ملامسة المشهد ببصمة شعرية قد لا تسترجع الإنسان، لكنها تعيد تدوير الصورة، كي تقال بصيغ أخرى، بحثًا عن صوت الضحية.
ينتهج جلعاد الابتعاد عن الصخب ملاحقًا الأثر. تلك الدعسة الشعرية التي تصنع فارقًا في تذكر قصة الغائب، بما يجعله بيننا مرة أخرى. فلطالما تحقق جزء من جوهر الفن والأدب عبر خلق محاكاة مع أي شيء في طور السكوت التام.
في لحظة ما، يمكن ملاحظة انتقال الصراع مع العدو، إلى صراع مع الغياب. فبطريقته يعمد جلعاد إلى تسمية الجرح باسمه، كي لا يتحول إلى قائمة المفقودات هو الآخر.
رجوع إلى الخلف
"ثَمَّةَ بقِيَّةٌ مِن صَلَاة... فِي غُبارِ البيوت الَّتي رحل أَصْحابُها".
في هذا التصوير حركة، كأن ترجع خطوة للخلف لتبحث عن شيء مرّ عنه الجميع بصمت. فدومًا تأتي صرخة الشاعر في وجه العالم عبر ملامسة الهامش.
ثم إن التمسك بميتافيزيقا الأشياء البسيطة يضع للصورة مسندًا خاصًا، ويضع الفكرة في زاوية التقديس. فالمقدس عند جلعاد، كالغبار مثلًا، يمكن البناء عليه لاستعادة حركة الغائب.
كما أن الصورة تحمل نبرة البقاء والمواصلة. ففي واقع غزة، أشياء جمة تم محوها، لكن بقاء أثرها عزز من وجودها، هكذا يريد جلعاد أن يرى.
تنطلق رحلة الشاعر من العبث بالبديهي. الموت في الحرب حالة بديهية، حدث متكرر فردي وجماعي، لكن يمكن اختزاله في صورة واحدة مفادها، رحل من رحل وانتهى الحدث. لكن رؤية جلعاد اختارت اللعب بالمكونات، فمن رحل أراد لربما أن يقول شيئًا أخيرًا، فمن يستطيع حمل صوته ولو للحظة وهو يستدير إلى مصيره؟
الشعر والتذكر
"يَذهَبُ إِلى الله في عرباتِ الملائِكة... ويَعُودُ إِلى الأَرضِ في حَبّاتِ المَطَر". يرجع الشاعر هنا بالصورة للخلف، كأي مونتير فكّر بطريقة أخرى بعد أن أتم عمله. الرجوع يعني أن الفكرة نضجت وأخذت مساحة أكبر في العالم. فمن مهام الشاعر تحريك الذاكرة الذاتية، وبالتالي الذاكرة الجمعية، فترتفع حرارة النص، وتنمو قيمته، وهل يكون للشعر قيمة من دون التذكر؟
كما أن الشاعر يرفض فكرة الفناء، عبر تركيب المشهد مرتبطًا بالعودة. فكما أن المطر يعود، يعود الراحلون بصيغة أخرى، ليست بالضرورة أن تكون جسدية، فالخيال يرفض أن يكون نمطيًا، يكرر ويتكرر.
لغة جلعاد مكثفة في اللحظة الحاسمة، سردية في الطريق إلى التأجيج. يصنع نصًا متوازنًا، يضع خلاله لحظات بكاء وشيكة، كمن يمسك عصاه بأطراف أصابعه.
كما قدّم نصوصه عبر أربع باقات شعرية، كل منها بعنوان مستقل، متخليًا عن عنونة كل نص بمفرده. وقدم خلالها صيغًا متعددة الأشكال والموضوعات. ولربما تلك الفواصل تعبر عن حالات شعورية متباينة، لكنها تبحث كلها عن الإنسان في فلسطين.
مفارقات
ينتقل جلعاد تدريجيًا ليرصد لحظة ما قبل الانفجار، أو تلك التي تلي الصمت الجنائزي. الإيقاع هنا يعمل كنقرات، تجعل المكان المفرغ من الحياة يتشكل من جديد.
"وقف التاريخ منذ دهر على حافة النفق، ينصت لصوت خشن". تلك الأنسنة للتاريخ تجعله يقف على أرضنا، يراقب مثلنا ما يحدث، يصرخ ويندهش.
تبدو الخشونة لغة مستقلة في النص، إيقاعًا منسجمًا مع الموقف الصارم للقنبلة ضد الأحياء. فلا يمكن للجسد الضعيف أن يستمر طويلًا أمام صلابة بليدة كصلابة الحرب.
ويصبح الشعر في هذه اللحظة إصبع يد، يشير إلى خسارات فادحة، إصبعًا يخترق المشهد بالكامل، ليكسره عبر التفكيك والتأمل.
فيما يقارن جلعاد بين الصورة النمطية للكون، والصورة الطارئة. ففي نصه يمكن الركوز إلى لحظة تغير الصوت، وتسارع الأنفاس، تلك اللحظة التي تفعل بها الصدمة فعلتها، فيصبح الوجود مسألة مختلفة عما سبق.
التغير يعني أن حركة ما خرجت عن السياق، أو سارت عكسها. ومنذ أن بدأت نكبة فلسطين كل الأمور تسير في اتجاه عكسي.
كما وفي شعر جلعاد مفارقات لاذعة حول الحب والحرب. كيف تنتهي قصة اللذة بفعل البارود وبراميل النار التي تسقط على كينونة الإنسان الآمن في منزله؟
هنا رصد للعجز، وتجميع للحزن الذي يستطيع الإنسان قوله في تلك اللحظة، فمن يستطيع نطق كلمة: أنا ميت، بعد أن يموت؟
يتصاعد النص في وجه العالم ليطرح على الشاشة صورة إنسان يجبر على إخلاء منزله، أو سرير مرضه، أو حتى إعاقته. وكل ما يفعله المشاهد أن يقوم بإخلاء ذاته من أمام الشاشة التي تعرض ذلك. "يخونك الشعر، تخونك الموسيقى، وحتى الحب يخونك". لعل الشاعر رأى الحياة في تلك اللحظة تخلع معطفها بينما العاصفة تشتد، إنها عربة الحياة تقذف البعض خارجها في مشيها السريع.
ثم يتجه الشاعر من لحظة تعميم، إلى تبئير للنص. إضاءة على حدث خاص، وتعميق للحس. ذلك تحقق عبر توصيف لمشهد الأمر والملاحقة لمن بترت قدميه بأن يخلى مشفاه، فتحولت لحظة العلاج في المشفى إلى حرب جديدة ضد وجوده.
يكمل النص:
"يناديك الجنود أن تخلي سرير المستشفى
قبل أن يفتحوا النيران.
تقفز على باطن كفّيك
أقدامك قطعها قصف قديم
عندما كانوا يبحثون عن شاليط".
خروج من إطار الصورة
ويعمد الشاعر إلى دمج مفردات الهوية والإرث التراثي الفلسطيني في النص، "يحيى دكّ الجدار، بحث عن بارودة جدي ولجام الحصان". وكأنه بذلك يربط نكبة عام 1948، بما يحدث اليوم، أو أراد القول بأن قافلة الشر لم تتوقف منذ تلك اللحظة.
لكنه يعود لتوصيف لحظة أن يتخطى الزمن جسدًا ما، كيف يخرجه من إطار الصورة، ليضع بدلًا منه رسمًا جديدًا، يجعل الأمر أقرب لفراغ المعنى الأصلي للوجود.
ويمكن اعتبارالصدمة الشعرية، الكف اللغوي الذي يقدمه جلعاد في ختام بعض نصوصه، طريقة متعمدة لخلق هزة شعورية، لربما لم يكن المشهد كافيًا لإحداث ذلك.
فورود الساق المقطوعة في نهاية النص، أتت بمثابة قطع للحلم، للخيال، وللحياة برمتها. حيث تتوقف عند تلك اللحظة رحلة ما لطائر من الأرض نفسها، لطالما سافر للسماء. ويمكن ملاحظة انقطاع النص عند تلك الصورة، توقفه، وكأن الشاعر كان القارئ الأول لنصه، شعر بالصدمة فتوقف عن الكتابة.
يقول الشاعر:
"عندما كنت نائمًا
تغير العالم
طرقوا الباب عليّ وقالوا: يحيى دكّ الجدار
بحثت عن بارودة جدي
ولجام الحصان
لألحق بهم.
أنسى دائمًا أن ساقيّ قُطعتا في الحرب الماضية".


تحميل المقال التالي...