}
عروض

لماذا أخفقت الحداثة العربيّة؟

فدوى العبود

29 أبريل 2026


لا يخفى على المتأمل في الحاضر العربي إخفاقُ مقولات الحداثة، ونكوصُ المثقف الحداثي كنبتةٍ سريعة العطب، في واقعٍ بدا حتى طرحُ الأسئلة فيه عرضةً لسوء الفهم والتأويل وللاغتيال أحيانًا.

وتعدّ شهادتي كتلميذةٍ في أستاذي جرحًا مضاعفًا، إذ تحكم التلميذ رغبةُ قتل الأب من جهة ورغبة إحيائه من جهة أخرى. والكتابة عن يوسف سلامة تعني في منحى آخر، رنينَ صوته الذي يحافظ على وقعه حتى في الغياب من جهة، والفهمَ المتأخر لرؤاه التي تبدو كالثمار الناضجة في الغصن البعيد عن المتناول من جهة أخرى.
ولعلّ أهم سؤال هو الحداثة، التي بدت كنبتةٍ غريبة، إذ إن عزلها عن السياق الغربي الذي نمت فيه، ونقلها إلى الواقع العربي دفعةً واحدة جعلها أشبه بـ "ديكورٍ مبهر لكن عرضةً للتلف". فاستعارة حاضر الآخر/ الغربي معزولًا عن مناخه الطبيعي هناك، جعلها كبضاعةٍ مقلّدة تقاوم الرفض من دعاة القدامة والتراث وتسهم ببراعةٍ في خلق نقيضها الشرس.

وصار السؤال، هل تستطيع الحداثة أن تقاوم سوء استخدامها، وهل العائق في هذه الحال مرتبط بالبنية الثقافية للواقع العربي، أم لأن استعارة حاضر الغير تعني فيما تعنيه ضياع حاضر الذات؟

هل وقعنا في جاذبية التقليد ففقدنا حساسية التمييز؟ وما الحدود بين الحي والميت من ماضينا؟ هل نعلّق الحكم تجاهه فنراه بعيونٍ متجددة أم نتابع جرّه معنا؟ وهذا يستدعي "ظاهراتية هوسرل" التي تحتفي بشعورنا إزاء الأشياء والوقائع لتترك للفردانية فرصة جعل الذات منبع كل قيمة بدل أن تُملَى عليها القيم مما يقهرها.

وهل تساعدنا الفلسفة في أن نصنع حاضرنا على مقاس الحرية لا مقاس الماضي؟.
وإذا كان الفيلسوف اليوناني هيراقليطس رأى "أننا لا نستطيع أن نستحم في مياه النهر مرتين" فهل تجمدنا في ماضينا وهتكنا مناعة قانون التغيير "وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا" (1)، فبادت وعوقب بانهيارها كما ورد في الآيات الكريمة.

لنعد إلى الحداثة، هل حققت الأخيرة وعودها، وما هي هذه الوعود؟، وكيف للقارئ أن يعرفها؟ انظروا إلى البناء والعمران، إلى الميديا، والتطورات المتسارعة أليست حداثة؟ ولكن، ألم تفقد وجهها الإنساني مع تغوّل الميديا؟ ثم في ظل تهاوي الإيمان بالعقل والقيم هل أصبحت من نافل القول؟

ثم ما سر اغتراب المثقف الحداثي العربي عن واقعه، وشعوره أنه عجز عن تنبيه الجموع؟ لماذا أخفقت أدواته، ولماذا فقدت الحداثة في الغرب والشرق أهم سماتها: الأنسنة وانتهت إلى عدمية مواطني وادي السيليكون؟

هذه وغيرها من الأسئلة يطرحها المفكر يوسف سلامة في كتابه عن الحداثة، الذي صدر حديثًا بعد وفاته عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات "الحداثة في فكر يوسف سلامة"، والذي قررت عائلته وتلاميذه نشره مع مجموعة من مخطوطاته التي لم ترَ النور في حياته، وقام بتقديمه ومراجعته لغويًا الزميل والباحث خلدون النبواني (2).

يفكك سلامة تجليات الحداثة ورؤاها السياسية والاجتماعية والمعرفية في السياق الغربي، ويتتبع تجلياتها في الراهن العربي لتشكيل رؤية كاملة حول سبب إخفاقها في الواقعين (الغرب والشرق).

وعبر فصوله المتعددة: "الحداثة الفلسفية"، "تعزيزًا للوعي بقيم الحداثة"، "الدولة والحداثة في فكر طه حسين"، "إشكالية الدولة في فكر طه حسين"، "من تضاد النهضة إلى تركيب الحداثة"، و"اكتشاف الحداثة في التراث تزييف للتراث والحداثة معًا"، يرصد بداية هذا المفهوم ونشوءه كحركةٍ مجددة داخل الكنيسة الرومانية أو الكاثوليكية. فقد ظهر المصطلح في المجلات اللاهوتية عام 1892، فالبابا ليو الثالث عشر كشف عنه في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 1893، واعتبر "أن الكتب المقدسة قد كُتبت بإلهام من "الروح القدس" وإن الله قد منح العصمة لمؤلفيها من الخطأ". وقد لقي هذا التصور مقاومة من مجموعة من المثقفين الأوروبيين المسيحيين في فرنسا وإنكلترا وإيطاليا "ورأوا ضرورة انفتاح الكاثوليكية على معطيات العلم والسيكولوجيا الحديثة حتى لا تتحول إلى دوغمائية مغلقة".

هذا الارتباط بينها وبين العقلانية، لم يكن ممكنًا برأي سلامة لولا اقتران العقل بالتحديث لينعطف من هذه المقدمة إلى نقد التحديث العربي على يد محمد علي في مصر في مطلع القرن التاسع عشر بكونه يفتقد لتحديث العقل من الداخل؛ "فالحقيقة تستمد قيمتها من كونها نتاجًا للعقل الإنساني ذاته وليست مفروضة من أي قوة خارجية مفارقة للإنسان ومتعالية عليه".

ويرى مؤلف "من السلب إلى اليوتوبيا: دراسة في هيجل وماركيوز" (3)، أن القيم التي تأتي من قوة مفارقة سواء كانت دينية أو سياسية متعالية على الإنسان، كالحداثة الآتية من تجربة الغير متعالية على عالمنا العربي، وهذا خلق رد فعل لأصحاب من يطلق عليهم "النية السيئة"، الذين يختفون وراء الحديث عن الأصالة والتراث والماضي التليد "في موقفٍ معادٍ لها بصورة صريحة أو مبطنة".

وفق هذا الفهم، تصبح الحداثة ميتافيزيقا، والماضي ميتافيزيقا، والاستلاب التاريخي أيضًا ميتافيزيقا، فكل ما يأتي من قوة خارجية عنا ينسف الحاضر، المفروضة دون عقلانية لا تختلف عن فكرة ماضٍ تليد أو تاريخٍ مجيد.

ويعتقد سلامة أن فهم الطريق الذي سار عليه غير ضروري لاختراع طريقنا، إذ ليس من الضرورة أن نجد طريقًا مرصوفًا، لذلك فهو يفكك مقوماتها ونقاط قوتها وضعفها. ويرى أن أهم تحوّلاتها ماثلة في ارتباطها بالعلمانية، إذ إن فكرة "إلغاء الغائية من قبل العلمانية مهمة، فإلغاء الغائية الميتافيزيقية والغايات اللاهوتية تعيد الغائية لجاذبية الإنساني". فالهدف أن "يخدم الإنسان الغايات التي وضعها لنفسه بدلًا من غايات تُفرض عليه".

يدعو سلامة لتفعيل العقل النقدي لحماية الإنسان من أي شكل من أشكال الدعاية والأيديولوجيا


ولا يخفي في هذا الخصوص إعجابه بفلسفة التنوير الفرنسية، حيث تحول معناها إلى أسلوب حياة، يعيشه الإنسان بحرية واختيار لوجوده "فالإنسان لا حدّ لغناه ولا لحريته، وفرض أي غائية مسبقة على مسار حياته هو ضرب من الإفقار والتعسف".

وإلى جانب الصيرورة والتغيير، يدعو سلامة لتفعيل العقل النقدي لحماية الإنسان من أي شكل من أشكال الدعاية والأيديولوجيا، ويطاول انتقاده الحداثة ذاتها وقد انتهت إلى ميتافيزيقا جديدة إذ إن القيم التي شكلت بنيانها من "الذاتية، والعقلانية، ونفي كل غائية خارجية" تحولت إلى استلاب جديد. فالذات التي يفترض أن تصبح مرجعًا لكل قيمة وأن تستمد وجودها من حريتها ويقينها من أعماق عقلانيتها قد انهارت. والذاتية بالمعنى الديكارتي "تشير إلى أن الإنسان قد أصبح يستمد يقينه من ذاته فهو حارس العالم الوحيد وراعيه الأمين". لكن في الوقت ذاته، فنسبية القيم ومحدودية الأصل الذي تنشأ عنه، أدتا للعدمية التي افترست الأخلاق والدين وهذا ما تسبب به التنوير فهو "وبمهاجمته لميتافيزيقا الدين والأخلاق أسقط السند القيمي من الأساس".

وابتداءً من النصف الثاني من القرن العشرين دُحضت العقلانية والذاتية عبر خطابات ما بعد البنيوية والتفكيكية والفلسفة ما بعد التحليلية والبراغماتية الجديدة، التي "تسعى إلى تجاوز التصورات العقلية والذات العاقلة"، لتلوح العدمية في الأفق. لكن هل هذه هي النهاية؟

يرفض سلامة أيّ تزوير للواقع، ويرى في الحياة تجاوزًا، وأن الإنسان بالمعنى النيتشوي "تجاوز دائم لذاته" لا بمعنى النسك والتزهد، بل من خلال البناء من جديد. ويرى أن المشروع الغربي نجح في تعزيز الفردية، كما أن ثورة الاتصالات تبشّر بتحول جديد للبشرية نحو منظومة جديدة أو شكل ثقافي راهن و"على العرب أن يعيدوا النظر في مسلماتهم الثقافية والتربوية والأخلاقية انطلاقًا من الحقائق الراهنة للعالم، لا بقصد التكيف معها فحسب، وإنما أيضًا بقصد المشاركة في إنتاجها". وقبول الواقع العولمي الذي يفرض حقائق جديدة، يحتم على التربية أن تتلاءم مع العالم الجديد لتجاوز ثنائية تصورات قديمة وعالم جديد، وهي لا تُحل إلا "بروح نقدية يتجاوز التقليد والتلقين إلى ابتكار الحلول وطرح المشكلات"، وعبر خلق روح متحررة من الموروث ومحمية من الانبهار في الوقت ذاته. ويرى في الفلسفة فرصة لخلق إنسان ذي قدرة على التفكير المستقل، إنسان يفكر بوصفه فردًا لا جماعة. لذا يستدعي طه حسين ويناقش مؤلفيه "مستقبل الثقافة في مصر"، و"في الأدب الجاهلي" والذي جمع إلى جانب "حساسيته الجمالية، الرؤية السياسية والوعي التاريخي وموقفه النقدي تجاه الماضي حيث الاعتراف بأن كل شيء من خلق فعالية الإنسان".

لقد اعتقد الكتاب العرب الذين تبنّوا منهج الحداثة في الفن- وهي "نزعة تأثرت ببودلير وأصبح أدونيس ترجمة حرفية لها"- بضرورة فصل الفن عن قاعدته الاجتماعية، وأنه في ظل بنية متخلفة اقتصاديًا واجتماعيًا، فالثورة هي عن طريق الفعل الجمالي للتأثير في مخيلة الناس وحساسيتهم، فانتهوا لخلق ميتافيزيقا جديدة.
أما مفكرو النهضة العربية فقد انقسموا، بين من "اعتقد أن الخلل مماثل في العالم الذي اغترب عن الذات وفريق يرى أنه يجب إخضاع الذات للعالم الجديد وتصورات العالم الغربية".
ولم يستطع أي منهم برأيه "أن يتجاوز مرحلة الفهم، التي يكون الفكر بموجبها مجبرًا على الاختيار بين ضدين أو بين إحدى قضيتين متناقضتين. أي أن الفكر العربي ما يزال مرغمًا على أن يتخذ صيغة (إما أو)".

يدعو سلامة، وعبر رؤية هيغلية، إلى "بنية جدلية" توحد بين الأضداد المتعارضة والمتناقضة والمتعاندة في "مركّب أكثر حيوية من ذينك الحدّين اللذين يظلان في مرحلة الفهم متمسكين بهويتهما الفقيرة والمجردة".

في حوار مع حسن سلمان يقول "إن الطريق يبدأ بنقد الحاضر الذي هو في صميمه ماضٍ، في سبيل إنتاج إنسان من نوع جديد"؛ إنسان تكون الحرية هي الشرط الأول له، ولا يخفي المنزع الروحي في تحديده للعلمانية "والحرية الإنسانية لا تخلق نظامًا سياسيًا وإنما قيمًا روحية في الدين وهذا بعد آخر للكينونة". فإذا كانت السياسة صراعًا وحوارًا وشأنًا حياتيًا يوميًا، فالدين قيمة روحية "فمن الخير له ألا يتدخل في السياسة ومن الخير للسياسة ألا تتدخل في شؤون الدين".

يريد سلامة تحويل الفلسفة إلى أداة للنقد، ونقل جفافها من لغة النخبة إلى لغة اليومي بإعادتها إلى مصدرها الأول: الإنسان، لتتحول المكابدة إلى دافع، والعلاقة مع العدم إلى مواجهة خالقة. لذلك ينحاز إلى إنسان الحاضر فقط والأخير "إما أن يكون مع الحاضر، أو يكون ماضويًا وهذه مشكلة، تتجاهل أن الزمن تقدّم وانقطاع".

وما دام المجتمع العربي يعيش في "حاضر زائف إذ إن حاضره هو ماضيه"، فإن أزمة العقل النقلي واضحة، سواء باتجاه الماضي أو نحو ما يغايره؛ الحداثة الغربية. وعوضًا عن استيراد نظريات جاهزة "فنحن محتاجون لأن نبدع أسلوبنا وتصوراتنا الخاصة بعملنا الفلسفي".

فأن يكون العالم إنسانيًا والإنسان حاضرًا يعني أن يعيش في السؤال، فالسؤال في الفلسفة باب مفتوح على القلق، لكنه ينتمي إلى الراهن ويحترم إنسانية الإنسان الذي نظر إليه سلامة "كمشروع نقدي يجب استكماله على الدوام".

هوامش:

(1) سورة الكهف، 35.
(2) الحداثة في فكر يوسف سلامة، إعداد وتقديم خلدون النبواني، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات- الدوحة، 2026.
(3) يوسف سلامة، من السلب إلى اليوتوبيا: دراسة في هيجل وماركيوز، دار حوران، 2006.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.