لماذا لم تؤتِ ما نتوخاه منها، وهل تتناسب البوليفونية مع تربتنا التي انتقلت إليها من السياق الغربي؟ وفي حال كان الجواب بالنفي، فهل الأسباب ذاتيّة كامنة في الروائي العربي ونزعته الوثوقيّة، أم تعود إلى جذور أعمق، وهل يحتمل الروائي العربي في نصه وجود شخصيات مختلفة عن نمط تفكيره، تهدد رؤيته للعالم وتهدم قناعاته أو تضعضع أسسها؟
هذه وغيرها من الأسئلة يطرحها الروائي والناقد المغربي محمد سعيد احجيوج في كتابه "البوليفونيّة الزائفة في الرواية العربية: محاولات في التفكير النقدي" (القاهرة، دار العين، 2026) إذ يقلّب التربة العميقة للرواية العربية، في منهج يجمع بين التشريح الثقافي والحفر المعرفي والتفسير البنيويّ، وتقنية "تقشير البصلة" عند غونتر غراس.
للوصول إلى طبقات الواقع الأدبي والثقافي والديني، لتحرّي جذور الأحاديّة التي تتّسم بها الرواية العربية، وعلى امتداد عشرة أقسام منها "محاولة في تعريف البوليفونية الزائفة، إشكاليات الراوي والمروي له في رواية الكرنك"، "ظلال القرآن وإرث الشفاهية"، "القراءة الكسولة"، "سلطة الحكاية"، ينقب في جذور الحقيقة الواحدة والصوت الواحد والسلطة الواحدة ويشرّح "التشكيل اللاواعي للعقل الثقافيّ".
فإذا كانت البوليفونية تحدّيًا لكل نزعة أحاديّة، كما صكّ هذا المفهوم الناقد الروسي ميخائيل باختين، فإن تعدّد الشخصيات والضمائر والرواة ليست علامة على التنوع، بل يكشف تعدد الشخصيات في الرواية العربية عن أحادية تلغي وجهات النظر ورؤية مطلقة تتعارض مع تعدد المنظورات، والأهمّ، تمحو التعدّد اللغويّ. وهي تتعارض مع البوليفونية التي "يتنازل فيها المؤلف عن دوره التقليدي ويسمح للشخصيات بأن تتكلم بأصواتها الفردية وتتحدى رؤى مبدعها".
ويثير الكتاب سؤال الرواية في علاقتها بالحقيقة والحريّة، وصلاتهما بالإرث الشفاهيّ الذي تنهل منه ثقافة الروائي العربي بوعي أو بدونه. "الحكواتي في المقاهي، الرواة في الأسواق، الكتاتيب، المساجد"، فالقيمة العليا هنا لصوت الحاكي "وللتلقي الجماعي على الانعزال الفردي، وللحضور الآني على التأمل البطيء".
كما أن من أهم الشروط التي تساعد على كتابة رواية بوليفونيّة: النضج الفكري والشجاعة الأدبية، ومغادرة منطقة الأمان واحتكار الحقيقة؛ وهي مفقودة في السياق الثقافي، ما يجعل الانفتاح صعبًا. و"تصير الأصوات المتعددة مجرد أقنعة مختلفة، لأسماء يرتديها ممثل واحد".
كما أن الرواية العربية تركز جهدها الأساسي على "ماذا تريد أن تقول بدل التفكير في كيف تقول"، أي على حساب التقنيّات الفنيّة والأساليب السرديّة والطرق الإبداعيّة التي تتطلب "تحكّمًا تقنيًّا عاليًّا، وفهمًا عميقًا لآليات البناء السرديّ، والتطوير النفسي الدقيق للشخصيات واللعب بمستويات الزمن".
أما "الأميّة الروائيّة" فهي "تكمن في الاعتماد الساذج على الموهبة، وهي استخفاف بالجوانب التقنية والحرفية للكتابة الروائية"، لتضيع الأصوات الأخرى. فيخلق "الروائي العربي شخصيات كاملة مكتملة تنطق بما يريد هو". تثير هذه الجزئية مسألة الحرية، أو السؤال الوجودي: أيهما أسبق، الوجود أم الماهية؟ إذ يخلق الروائي شخصيات منجزة ولا يغامر بشخصيات حرّة.
والكاتب ليس الملام الوحيد، فالقارئ الكسول يلعب دورًا في هذا التراجع، فهو يقيني، يطلق أحكامه بلا تبصر، و"يحوّل توقعاته المبنية على العناوين إلى يقينيّات مطلقة". يعود هذا في جزء منه للسوشيال ميديا، ونمط الاستهلاك السريع الذي يدمّر التفكير النقدي.
وفي هذه الحالة تُدفع العناصر الجوهرية إلى الهامش، ما يؤثر على التلقي العالمي للرواية العربية إذ يواجه المتلقي الغربي "بنية سردية مترهلة، وبدائية لا تنسجم مع المستوى الذي وصلت له تقنيات الرواية الغربية المعاصرة".
يتجاوز التحليل في هذا الكتاب البنية الذهنية للروائي العربي إلى البنية الدينيّة، إذ يبحث في الأسباب الدينية والسياسية والاجتماعية لشيوع الصوت الواحد، ويحفر في أسبابها الغائبة عميقًا في اللاوعي وهيمنة التقليد الشفاهي، وسلطة الحكاية وهيمنتها على السرد، و"اختزال عناصرها الفنية لملحقات لا قيمة لها" ويرفض تحويلها إلى وسيلة لتمرير الأفكار أو اعتمادها على جاذبية الحكاية فقط.
كما أن "اللغة المقدسة"، "تتحول من أداة في خدمة الفن، إلى سيد مطلق يُخضع الفن لأهوائه". حيث تُفرض على النص نبرة صوتية واحدة، مع تجاهل تنويع الأصوات، وهذا يعود إلى هيمنة الشعر على المشهد الأدبي العربي، "إذ يجري تطويع الحكاية لتخدم لغة الكاتب مع أن العكس يجب أن يحدث".
يطبق المؤلف مثالًا عمليًا على روايتي "صلاة القلق" للروائي محمد سمير ندا و"أفراح القبّة" للروائي نجيب محفوظ؛ ليكشف التحديات الفنية، إذ تطمح كلتاهما بأن تكون رواية عن تعدد الرواة لكن بأسلوب لغوي موحّد، ورغم وجود عدة رواة في العملين فإن "هذا وهم تقني معلن" تطلّ من خلفه لغة الكاتبين الأنيقة والفلسفية.
إن الرؤية الأحادية الضاربة بجذورها في الفكر السياسي الذي ينظر للآخر بأنه على خطأ فادح، وفي المستوى الاجتماعي - حيث توجد وفق هذا الفهم طريقة واحدة للعيش والتصرف والتفكير "وأي انحراف هو شذوذ اجتماعي يجب تصحيحه أو قمعه" - تحفر في البنية اللاواعية للكاتب الذي يعتقد أنه يملك إجابات جاهزة ونهائية. ويعجز عن القيام بدور الباحث والمستكشف، مؤمنًا أن الحقيقة واحدة وأي تأويل مغاير تحريفٌ لها.
أما علامات البوليفونية الزائفة فأهمها "السعي لتقديم إجابات أكثر من الأسئلة والسعي للإقناع أكثر من الاستكشاف، وهي تطمئن القارئ بدل أن تقلقه، وتؤكد له ما يعرفه مسبقًا"؛ يضاف لذلك "النبرة اللغوية التي تبقى دون تمايز حقيقي والبناء العقلي والمنطقي الذي يبقى ذاته دون اختلاف جوهري والأسلوب في التفكير والتعامل مع العالم يبقى نفسه". إذ لا يكفي تقسيم الرواية إلى فصول وكل فصل يرويه راوٍ مختلف، إذ كان جميع هؤلاء الرواة يتكلمون بذات الأسلوب وذات المفردات وذات الحساسية. كما أن تنويع ضمائر اللغة والتفنن في الحوارات بين الشخصيات لا يخفي أنها مجرد مونولوج يجريه الكاتب مع نفسه. وهي ليست أكثر من "حلية أسلوبية وقناع يتوارى خلفه المؤلف ليمرّر خطابه المقدّس"، وفي هذه الكتابة ينوء الروائي بحمل هذا الإرث ويتحرك بضغط منه؛ والأهم أنه يفشل في التمييز بين تنزيل النص الديني وصناعة النص الروائي، "بين الوحي الذي يحمل حقيقة نهائية وبين المغامرة"، بين الاستكشاف وبين التلقي، بين منطق الخطاب الواحد وبين السياق الفني الذي يشترط التعدد، في كتابة "تخاف التأويل، وتخشى الغموض، وتحاول إحكام قبضتها على المعنى، مما يقضي على واحدة من أهم خصائص الرواية: الإيحاء والإيهام".
وفي الفصل المعنون بـ "استراتيجيات التحرر: نحو بوليفونية حقيقية" نعثر على خارطة لإعادة تأهيل الحساسية الفنيّة، وأهمها "الإصغاء الحقيقي للناس من قبل الكاتب، وأن يطور قدرته على تقمص مشاعر الآخرين"، و"يتطلب نوعًا من الموت للذات الكاتبة، والولادة المؤقتة في جسد شخصية أخرى مختلفة عنه تمامًا" وهذا لا يوجب عليه أن يغير قناعاته حين يخلق شخصية مضادّة له، بل "أن يطور قدرته على فهم قناعات الآخرين من الداخل".
هذا التشريح للموروث الديني والثقافي وأثره يمتد إلى الحاضر الأدبي، حيث تلعب الجوائز دورًا كبيرًا في الرقابة على الإبداع، إذ إنّ "هندسة لجان التحكيم" تكشف أن الأخيرة وفي أغلب الحالات تنتقى وفق معايير مدروسة لتصل إلى نتائج مرغوبة.
كما أن الدول الراعية للكاتب والمؤسسات المانحة للجوائز تلعب دورًا في الرقابة على ضمير الكاتب وتمارس التحكم والهيمنة الناعمة على الأخير، الذي يعاني بين ضرورات العيش وبين الكلمة الحرّة فيجد نفسه إزاء عبودية طوعية ومختارة؛ لينتج نصًا هزيلًا، نصًا يتجنب المخاطرة الحقيقيّة ويلعب في منطقة الأمان، لتبقى الكتابة "محكومة بالضحالة والسطحيّة، مهما كانت براعة كاتبها، لأنها تخون الوظيفة الأساسية للأدب: وهي استكشاف التعقيد الإنساني في كل أبعاده وتناقضاته".
إن السؤال عن الرواية البوليفونية هو سؤال الحرية، والسؤال عن الشروط التي تنتج نصًا حرًّا وهي شروط ضاربة في جذور الوعي الإنساني؛ إذ ليس من الضرورة أن تبنى الجدران حول الكاتب، فقد يبنيها بنفسه. وهي سؤال عن الكتابة التي تفترض كاتبًا "يجمع بين الموهبة والوعي، بين الحساسية الفنيّة والفهم النقديّ، بين انتمائه للتراث والانفتاح على المستقبل" ويدرك أن "العمل الأدبي حوار لا خطبة"، روائي يحتاج أولًا وقبل كل شيء إلى أن يتموضع في مسافة آمنة بعيدًا من البنية الوثوقية، والواقع اليقينيّ والأحكام الجاهزة، وهذا الكاتب يمكن تمييزه "من الطريقة التي ينظر بها إلى العالم، ونوعيّة الأسئلة التي يطرحها، ومن طبيعة الشخصيّات التي يختارها"...
هذه وغيرها من الأسئلة يطرحها الروائي والناقد المغربي محمد سعيد احجيوج في كتابه "البوليفونيّة الزائفة في الرواية العربية: محاولات في التفكير النقدي" (القاهرة، دار العين، 2026) إذ يقلّب التربة العميقة للرواية العربية، في منهج يجمع بين التشريح الثقافي والحفر المعرفي والتفسير البنيويّ، وتقنية "تقشير البصلة" عند غونتر غراس.
للوصول إلى طبقات الواقع الأدبي والثقافي والديني، لتحرّي جذور الأحاديّة التي تتّسم بها الرواية العربية، وعلى امتداد عشرة أقسام منها "محاولة في تعريف البوليفونية الزائفة، إشكاليات الراوي والمروي له في رواية الكرنك"، "ظلال القرآن وإرث الشفاهية"، "القراءة الكسولة"، "سلطة الحكاية"، ينقب في جذور الحقيقة الواحدة والصوت الواحد والسلطة الواحدة ويشرّح "التشكيل اللاواعي للعقل الثقافيّ".
فإذا كانت البوليفونية تحدّيًا لكل نزعة أحاديّة، كما صكّ هذا المفهوم الناقد الروسي ميخائيل باختين، فإن تعدّد الشخصيات والضمائر والرواة ليست علامة على التنوع، بل يكشف تعدد الشخصيات في الرواية العربية عن أحادية تلغي وجهات النظر ورؤية مطلقة تتعارض مع تعدد المنظورات، والأهمّ، تمحو التعدّد اللغويّ. وهي تتعارض مع البوليفونية التي "يتنازل فيها المؤلف عن دوره التقليدي ويسمح للشخصيات بأن تتكلم بأصواتها الفردية وتتحدى رؤى مبدعها".
ويثير الكتاب سؤال الرواية في علاقتها بالحقيقة والحريّة، وصلاتهما بالإرث الشفاهيّ الذي تنهل منه ثقافة الروائي العربي بوعي أو بدونه. "الحكواتي في المقاهي، الرواة في الأسواق، الكتاتيب، المساجد"، فالقيمة العليا هنا لصوت الحاكي "وللتلقي الجماعي على الانعزال الفردي، وللحضور الآني على التأمل البطيء".
كما أن من أهم الشروط التي تساعد على كتابة رواية بوليفونيّة: النضج الفكري والشجاعة الأدبية، ومغادرة منطقة الأمان واحتكار الحقيقة؛ وهي مفقودة في السياق الثقافي، ما يجعل الانفتاح صعبًا. و"تصير الأصوات المتعددة مجرد أقنعة مختلفة، لأسماء يرتديها ممثل واحد".
كما أن الرواية العربية تركز جهدها الأساسي على "ماذا تريد أن تقول بدل التفكير في كيف تقول"، أي على حساب التقنيّات الفنيّة والأساليب السرديّة والطرق الإبداعيّة التي تتطلب "تحكّمًا تقنيًّا عاليًّا، وفهمًا عميقًا لآليات البناء السرديّ، والتطوير النفسي الدقيق للشخصيات واللعب بمستويات الزمن".
أما "الأميّة الروائيّة" فهي "تكمن في الاعتماد الساذج على الموهبة، وهي استخفاف بالجوانب التقنية والحرفية للكتابة الروائية"، لتضيع الأصوات الأخرى. فيخلق "الروائي العربي شخصيات كاملة مكتملة تنطق بما يريد هو". تثير هذه الجزئية مسألة الحرية، أو السؤال الوجودي: أيهما أسبق، الوجود أم الماهية؟ إذ يخلق الروائي شخصيات منجزة ولا يغامر بشخصيات حرّة.
والكاتب ليس الملام الوحيد، فالقارئ الكسول يلعب دورًا في هذا التراجع، فهو يقيني، يطلق أحكامه بلا تبصر، و"يحوّل توقعاته المبنية على العناوين إلى يقينيّات مطلقة". يعود هذا في جزء منه للسوشيال ميديا، ونمط الاستهلاك السريع الذي يدمّر التفكير النقدي.
وفي هذه الحالة تُدفع العناصر الجوهرية إلى الهامش، ما يؤثر على التلقي العالمي للرواية العربية إذ يواجه المتلقي الغربي "بنية سردية مترهلة، وبدائية لا تنسجم مع المستوى الذي وصلت له تقنيات الرواية الغربية المعاصرة".
يتجاوز التحليل في هذا الكتاب البنية الذهنية للروائي العربي إلى البنية الدينيّة، إذ يبحث في الأسباب الدينية والسياسية والاجتماعية لشيوع الصوت الواحد، ويحفر في أسبابها الغائبة عميقًا في اللاوعي وهيمنة التقليد الشفاهي، وسلطة الحكاية وهيمنتها على السرد، و"اختزال عناصرها الفنية لملحقات لا قيمة لها" ويرفض تحويلها إلى وسيلة لتمرير الأفكار أو اعتمادها على جاذبية الحكاية فقط.
كما أن "اللغة المقدسة"، "تتحول من أداة في خدمة الفن، إلى سيد مطلق يُخضع الفن لأهوائه". حيث تُفرض على النص نبرة صوتية واحدة، مع تجاهل تنويع الأصوات، وهذا يعود إلى هيمنة الشعر على المشهد الأدبي العربي، "إذ يجري تطويع الحكاية لتخدم لغة الكاتب مع أن العكس يجب أن يحدث".
يطبق المؤلف مثالًا عمليًا على روايتي "صلاة القلق" للروائي محمد سمير ندا و"أفراح القبّة" للروائي نجيب محفوظ؛ ليكشف التحديات الفنية، إذ تطمح كلتاهما بأن تكون رواية عن تعدد الرواة لكن بأسلوب لغوي موحّد، ورغم وجود عدة رواة في العملين فإن "هذا وهم تقني معلن" تطلّ من خلفه لغة الكاتبين الأنيقة والفلسفية.
إن الرؤية الأحادية الضاربة بجذورها في الفكر السياسي الذي ينظر للآخر بأنه على خطأ فادح، وفي المستوى الاجتماعي - حيث توجد وفق هذا الفهم طريقة واحدة للعيش والتصرف والتفكير "وأي انحراف هو شذوذ اجتماعي يجب تصحيحه أو قمعه" - تحفر في البنية اللاواعية للكاتب الذي يعتقد أنه يملك إجابات جاهزة ونهائية. ويعجز عن القيام بدور الباحث والمستكشف، مؤمنًا أن الحقيقة واحدة وأي تأويل مغاير تحريفٌ لها.
أما علامات البوليفونية الزائفة فأهمها "السعي لتقديم إجابات أكثر من الأسئلة والسعي للإقناع أكثر من الاستكشاف، وهي تطمئن القارئ بدل أن تقلقه، وتؤكد له ما يعرفه مسبقًا"؛ يضاف لذلك "النبرة اللغوية التي تبقى دون تمايز حقيقي والبناء العقلي والمنطقي الذي يبقى ذاته دون اختلاف جوهري والأسلوب في التفكير والتعامل مع العالم يبقى نفسه". إذ لا يكفي تقسيم الرواية إلى فصول وكل فصل يرويه راوٍ مختلف، إذ كان جميع هؤلاء الرواة يتكلمون بذات الأسلوب وذات المفردات وذات الحساسية. كما أن تنويع ضمائر اللغة والتفنن في الحوارات بين الشخصيات لا يخفي أنها مجرد مونولوج يجريه الكاتب مع نفسه. وهي ليست أكثر من "حلية أسلوبية وقناع يتوارى خلفه المؤلف ليمرّر خطابه المقدّس"، وفي هذه الكتابة ينوء الروائي بحمل هذا الإرث ويتحرك بضغط منه؛ والأهم أنه يفشل في التمييز بين تنزيل النص الديني وصناعة النص الروائي، "بين الوحي الذي يحمل حقيقة نهائية وبين المغامرة"، بين الاستكشاف وبين التلقي، بين منطق الخطاب الواحد وبين السياق الفني الذي يشترط التعدد، في كتابة "تخاف التأويل، وتخشى الغموض، وتحاول إحكام قبضتها على المعنى، مما يقضي على واحدة من أهم خصائص الرواية: الإيحاء والإيهام".
وفي الفصل المعنون بـ "استراتيجيات التحرر: نحو بوليفونية حقيقية" نعثر على خارطة لإعادة تأهيل الحساسية الفنيّة، وأهمها "الإصغاء الحقيقي للناس من قبل الكاتب، وأن يطور قدرته على تقمص مشاعر الآخرين"، و"يتطلب نوعًا من الموت للذات الكاتبة، والولادة المؤقتة في جسد شخصية أخرى مختلفة عنه تمامًا" وهذا لا يوجب عليه أن يغير قناعاته حين يخلق شخصية مضادّة له، بل "أن يطور قدرته على فهم قناعات الآخرين من الداخل".
هذا التشريح للموروث الديني والثقافي وأثره يمتد إلى الحاضر الأدبي، حيث تلعب الجوائز دورًا كبيرًا في الرقابة على الإبداع، إذ إنّ "هندسة لجان التحكيم" تكشف أن الأخيرة وفي أغلب الحالات تنتقى وفق معايير مدروسة لتصل إلى نتائج مرغوبة.
كما أن الدول الراعية للكاتب والمؤسسات المانحة للجوائز تلعب دورًا في الرقابة على ضمير الكاتب وتمارس التحكم والهيمنة الناعمة على الأخير، الذي يعاني بين ضرورات العيش وبين الكلمة الحرّة فيجد نفسه إزاء عبودية طوعية ومختارة؛ لينتج نصًا هزيلًا، نصًا يتجنب المخاطرة الحقيقيّة ويلعب في منطقة الأمان، لتبقى الكتابة "محكومة بالضحالة والسطحيّة، مهما كانت براعة كاتبها، لأنها تخون الوظيفة الأساسية للأدب: وهي استكشاف التعقيد الإنساني في كل أبعاده وتناقضاته".
إن السؤال عن الرواية البوليفونية هو سؤال الحرية، والسؤال عن الشروط التي تنتج نصًا حرًّا وهي شروط ضاربة في جذور الوعي الإنساني؛ إذ ليس من الضرورة أن تبنى الجدران حول الكاتب، فقد يبنيها بنفسه. وهي سؤال عن الكتابة التي تفترض كاتبًا "يجمع بين الموهبة والوعي، بين الحساسية الفنيّة والفهم النقديّ، بين انتمائه للتراث والانفتاح على المستقبل" ويدرك أن "العمل الأدبي حوار لا خطبة"، روائي يحتاج أولًا وقبل كل شيء إلى أن يتموضع في مسافة آمنة بعيدًا من البنية الوثوقية، والواقع اليقينيّ والأحكام الجاهزة، وهذا الكاتب يمكن تمييزه "من الطريقة التي ينظر بها إلى العالم، ونوعيّة الأسئلة التي يطرحها، ومن طبيعة الشخصيّات التي يختارها"...
* كاتبة سورية.


تحميل المقال التالي...