تتميّز كتابات الكاتب العربيّ السوريّ خليل النعيمي الروائية وأدب الرحلة وغيرها، بوقوفها و"نبشها" معمّقًا في مقولات فكرية وفلسفية من واقع الحياة وحياة الواقع، مقولات تنهل من مفاهيم الحرية والعدالة والمساواة، في مقابل جذور ومقولات التسلّط والاستبداد والديكتاتوريّات وفاعليّات ومآلات ممارستها القمعيّة، التي تسحق الإنسان وطموحاته نحو حياة كريمة. وهذه السّمة هي الأبرز في كثير ممّا قرأنا له من روايات ورحلات عربية وعالمية، تكشف كلّها عن امتلاء برغبة الحفر في أرض الحرية بوصفها الحلم الأوّل للكائن، والتمرّد ودفع الثمن من أجل بلوغ هذا الحلم صعب المنال! في روايته "مديح الهرب" (دار نينوى- سورية، شباط/ فبراير 2026)، وهي برأيي رواية فكريّة- فلسفيّة بامتياز، يشكّل "الهرب" ثيمة أساسية في السرد، حيث يهرب البطل/ الراوي (وهو، طوال الرواية، يبقى بلا اسم) من أصناف شتّى من محاولات الاستعباد والهيمنة والإذلال. يهرب أساسًا، ذهنيًّا وعقليًّا، من وقائع استعباد السلطة السياسية والعسكرية، لكنه يهرب أيضًا من محاولات هيمنة المرأة على الرجل، في صورة من صور الاستعباد، حين يكون هو، الرجل/ الذكر غير مهيّأ للعلاقة غير المتوازنة، أو المتماثلة، فتجعله في وضع المتردّد الذي يكرّ، شكليًّا وذهنيًّا، ثمّ يفرّ، بل يهرب. فهو بين الجنّة والنار. وكما يحاول الهرب من قادته العسكريّين، هو الطبيب الضابط الذي يخضع لـ"خدمة العلم"، فهو يبدو شديد "الهرب" من مجموعة أصدقائه- شلّته (أنور، أسعد، ورشاد)، الهرب الفكري والروحيّ؛ يختلف ويتّفق معهم، وهم يختلفون في ما بينهم، أيضًا.
الكائن والمكان
يحضر المكان في الرواية، بقدر حضور الكائن. تحضر الجزيرة أو البادية السورية- الحسكة تحديدًا- بوصفها مسقط رأس الراوي، وبعض أصدقائه في الرواية، المتخرّجين في كليّة الطب الدمشقيّة، الضبّاط في معسكر للجيش السوريّ على الجبهة، في زمن الحرب التي لا تحدث أبدًا، وتحضر حلب ودمشق وحوران والجولان المحتلّ بمعالمها ونسائها، والصور الشهوانية لهذه النسوة. يحضر العقيد والمقدّم في صور كاريكاتورية، ساخرة تلك السخرية السوداء، من خلال علاقتهم بـ"البطل/ الراوي"، علاقة توتّر وصدامات دائمة. كما تحضر المريضات الإناث، وليس المرضى الذكور، لتكشف عن ذكورية البطل وشبقه من جهة، وعن اضطراب شخصيّته وتردّده، بل هروبه، في علاقته مع المرأة، من جهة أخرى، وفوق ذلك وقبله محاولات هروبه من المعسكر والقادة ذوي الشخصيّات التافهة، الهزيلة والسطحية. تردّد وهروب وتمرّد تحمل أبعادًا فكريّة، تحمل بدورها أسئلة عن طبيعة الشخصية المأزومة، والمهزومة أيضًا، أي أنها الشخصية "الهاربة" من الحياة، الهاربة نحو الأفكار والأوهام والتهويمات، رغم عشق الطبيب- الملازم في المعسكر لهذه الحياة البائسة. في تفاصيل ويوميّات الطبيب- الملازم، نساء كُثر، يأتين بدعوى المرض/ التمارُض، يطلبنه بصراحة ووقاحة شديدتين، يعيش لحظات التشنّج، الكرّ الذي يتلوه الفرّ. يدخل ويخرج. يقتحم ويهرب. يستمتع لكنه يتعذّب فيتلاشى. وفيما هو يحاذر التقرب من الفتاة السمراء، تدعوه "أنا نازحة من الجولان، لا تخف"، وكذلك مع المرأة الحامل تريد علاجًا جنسيًّا غالبًا. يخوض في هذياناته بدخول القائد إلى غرفة العلاج، غرفة الجنس المُشتهى والمحرّم. وتتكرّر مشاهد النساء والجنس والشهوات المقموعة. هذا بدون أن تغيب عن المشهد قراءة علم نفسية واجتماعية. ففي أحد المشاهد المثيرة، ثمة امرأة تدعو الطبيب الملازم (البطل) لـ"يأخذ" ابنتها التي تحبّه، فيردّ بأنه لا يحبّها!
مقولات ونقاشات... بلا حوادث
وعبر فصولها- مقطوعاتها الأربعين، وثلاثمائة وستّ وثلاثين صفحة، تفتقد الرواية للحوادث الكبرى، باستثناء الحدث الكبير في نهايتها المفاجئة. لكنها، في المقابل، تحفل بالحوارات والنقاشات الفكرية بين شخوصها، وخصوصًا بين الشخصيات الأربع الرئيسة. وعبر هذه النقاشات، نقرأ الاتهامات في ما بين هذه الشخصيّات، بل الشكوك في سلوكيّاتها... وخصوصًا النقاشات والاتهامات بين شخصيتين تنتميان إلى الحزب نفسه، حزب (البعث)، أعني أنور وأسعد، وهما شخصيّتان تعبّران عن الموقف من الحزب، لجهة مصلحة كلّ منهما وامتيازاته، ونهاية كلّ منهما، إذ ينتهي أسعد منتحرًا بطلقة في الرأس، فهو الأقلّ إخلاصًا للحزب وإيمانًا به، فيما ينتهي أنور معطوبًا عقليًّا، يدور ويهذي في الشوارع. أنور، هذه الشخصية الكاريكاتورية، أو الهزلية، يكرر وصف أصدقائه، وخصوصًا صديقه بطل الرواية بـ"الغبي، الغراب"، ويدافع بشدّة عن الحزب، لكنه يتكشّف عن شخصية وصولية انتهازية، كما يصفه صديقه ورفيقه الحزبيّ أسعد، وتنقّله من الحزب القومي الاجتماعي السوري إلى حزب البعث الاشتراكي. أمّا الصديق رشاد فسوف نرى مصيره المأساويّ لاحقًا.
المقولات والنقاشات تنطوي على أبعاد من فلسفة الحياة، فلسفة تنهل من تجارب الحياة وكوارثها. لكنها لا تقتصر على ذلك، بل تمتدّ وتغدو فلسفة وجودية لتقول لنا في السؤال "أيّ معنى للهرب إن كان الوقوع في شرك الموت لا مفرَّ منه!". أو أن يسمّي "سنوات الدراسة"، بأنها كانت محض "سنوات للتدجين"، يتبعها تدجين سنوات "خدمة العلم" في جيش ليس جيشًا للوطن، وأين الوطن؟ ولا للتحرير، فأين التحرير إن كان الجندي عبدًا للسيّد القائد؟ وهذا في ما يتعلّق بطبيب الوحدة المرابطة على الحدود، عضو نقابة أطبَّاء دمشق، وهو يَتذوَّق "حلاوة تلك المرارة" التي يعيشها في ظلّ حرب متوقَّعة. هي إذًا تجربة الطبيب المتخرّج حديثًا، في خدمته للعلم، أيّ علم؟ يتنقل بين ماضيه العميق في قريته، وبين لقاءاته وأصدقائه في مقاهي دمشق، في مقهى "الهافانا" تحديدًا، ومراقبة الشارع والفتيات العابرات، بقدر كبير من الشهوانية تبلغ حدود الهلوسة. وفيما هو يحدّق في المرأة/ الأنثى، لا ينسى تحوّلات المجتمع في ظل الحزب و"أنّ الحزب سيقود مسيرة المجتمع، وأنّ السلطة المنبثقة منه هي التي ستوجّه الحياة". وفي هذه الأجواء مَن سيضمن "نزاهة الحاكمين بأمرهم؟"، بالنسبة إلى شابّ يقول "كنت غرًّا، وتخلّصت من الاندماج النهائيّ به (يعني الفكر الجامد) بعد قراءتي "كفاح طيبة" لنجيب محفوظ"؟ وتتلو ذلك قراءات شتّى تعمّق الشرخ! فهل هذا شكل من أشكال الهرب، من المجتمع والسلطة، إلى ذات الفرد؟
خلاصات المؤلّف
إذا جاز لنا اعتبار المؤلّف، وهو الطبيب الجرّاح، هو نفسه "بطل" الرواية، وهو من يسرد سيرته، مع كثير من الخيالات والأوهام التي حملها ذلك الجيل، جيل الهزيمة والنكسة، وهي نكسة الفرد والمجموع، فإنّ واجب القراءة علينا أن نخلص إلى ما انتهى إليه من نتيجة للقهر والكبت والقمع على المستويات كلّها، المعيشية والفكرية والسلوكية تجاه هذا العالم، حين يكتشف أن أقرب أصدقائه يمارس الخديعة عليه، وعلى أعدائه من قادة العسكر، أعني صديقه الحميم والأقرب (رشاد). فهو لم ينتحر مثل الصديق أسعد، ولم يدخل حالة الهذيانات والعطب النفسيّ كالرفيق أنور، بل عمد إلى "الخديعة" كما يقول الراوي "لقد خدَعنا كلّنا". فما هي الخديعة التي مارسها رشاد؟ هي ببساطة تجسّدت في دعوة القادة والأفراد، بمن فيهم صديقه المقرّب (الراوي)، إلى وليمة تمثّل مقدار سخريته من العالم المحيط به. فبعد تأخير موعد الوليمة من الغداء إلى وقت العَشاء، وبعد الاستمتاع بالوجبة "الشهية" التي جاءت بعد الجوع، يغيب رشاد قليلًا، ويعود وهو يجرّ كيسًا يضعه بين المدعوّين، وبقَدر هائل من التشويق يتأكد أنهم أكلوا وشربوا وانبسطوا، يقوم بفتح الكيس، فإذا به يفاجئهم بأنه رأس حِمار، لكنّ المفاجأة الأكبر تحدث حين يخبرهم أنهم أكلوا لحم هذا الحمار. وهذه مفاجأة مأساويّة، لكن الأشدّ مأساويّة هو أن المقدَّم "كان يسحب مسدَّسه الحربي، وقد صار رشاد الآن، خلال دَوَرانه الطقسيّ الذي استبدَّ به، في مواجهته تمامًا، وأطلق النار وهو يُزْبِد: تُطعمنا حمار، وولو؟ بدّي اخلط دمّك بدمّه". وفي الختام: "خرَّ رشاد بخفَّة على القاع. رأيت فمَه الأشقر الجميل يمتلئ بالتراب، وكأنّه يريد أن يأكل منه، كما قال لي منذ قليل. ألقَيْتُ نفسي عليه بلا جدوى. كان يبتسم وهو يهمس لي بكلام لم أسمع منه شيئًا، مع أني أعرف تمامًا ما يقول.
رشاد! صرختُ. ولم يسمعْ".
وهكذا، بعبثيّة تامّة، ينتهي ثالث الأربعة، ولا يبقى سوى رابعهم، الراوي/ البطل، فلماذا أبقاه المؤلّف؟!
المعنى في بطن الراوي... وفي عقل الروائيّ ولغته، اللغة الطازجة الحارّة بمكوّناتها، مفردات وعبارات منحوتة على نحو متفرّد، لغة تنتمي إلى الكاتب، وإلى عوالمه الموزّعة بين البداوة والمدينة.
الكائن والمكان
يحضر المكان في الرواية، بقدر حضور الكائن. تحضر الجزيرة أو البادية السورية- الحسكة تحديدًا- بوصفها مسقط رأس الراوي، وبعض أصدقائه في الرواية، المتخرّجين في كليّة الطب الدمشقيّة، الضبّاط في معسكر للجيش السوريّ على الجبهة، في زمن الحرب التي لا تحدث أبدًا، وتحضر حلب ودمشق وحوران والجولان المحتلّ بمعالمها ونسائها، والصور الشهوانية لهذه النسوة. يحضر العقيد والمقدّم في صور كاريكاتورية، ساخرة تلك السخرية السوداء، من خلال علاقتهم بـ"البطل/ الراوي"، علاقة توتّر وصدامات دائمة. كما تحضر المريضات الإناث، وليس المرضى الذكور، لتكشف عن ذكورية البطل وشبقه من جهة، وعن اضطراب شخصيّته وتردّده، بل هروبه، في علاقته مع المرأة، من جهة أخرى، وفوق ذلك وقبله محاولات هروبه من المعسكر والقادة ذوي الشخصيّات التافهة، الهزيلة والسطحية. تردّد وهروب وتمرّد تحمل أبعادًا فكريّة، تحمل بدورها أسئلة عن طبيعة الشخصية المأزومة، والمهزومة أيضًا، أي أنها الشخصية "الهاربة" من الحياة، الهاربة نحو الأفكار والأوهام والتهويمات، رغم عشق الطبيب- الملازم في المعسكر لهذه الحياة البائسة. في تفاصيل ويوميّات الطبيب- الملازم، نساء كُثر، يأتين بدعوى المرض/ التمارُض، يطلبنه بصراحة ووقاحة شديدتين، يعيش لحظات التشنّج، الكرّ الذي يتلوه الفرّ. يدخل ويخرج. يقتحم ويهرب. يستمتع لكنه يتعذّب فيتلاشى. وفيما هو يحاذر التقرب من الفتاة السمراء، تدعوه "أنا نازحة من الجولان، لا تخف"، وكذلك مع المرأة الحامل تريد علاجًا جنسيًّا غالبًا. يخوض في هذياناته بدخول القائد إلى غرفة العلاج، غرفة الجنس المُشتهى والمحرّم. وتتكرّر مشاهد النساء والجنس والشهوات المقموعة. هذا بدون أن تغيب عن المشهد قراءة علم نفسية واجتماعية. ففي أحد المشاهد المثيرة، ثمة امرأة تدعو الطبيب الملازم (البطل) لـ"يأخذ" ابنتها التي تحبّه، فيردّ بأنه لا يحبّها!
مقولات ونقاشات... بلا حوادث
وعبر فصولها- مقطوعاتها الأربعين، وثلاثمائة وستّ وثلاثين صفحة، تفتقد الرواية للحوادث الكبرى، باستثناء الحدث الكبير في نهايتها المفاجئة. لكنها، في المقابل، تحفل بالحوارات والنقاشات الفكرية بين شخوصها، وخصوصًا بين الشخصيات الأربع الرئيسة. وعبر هذه النقاشات، نقرأ الاتهامات في ما بين هذه الشخصيّات، بل الشكوك في سلوكيّاتها... وخصوصًا النقاشات والاتهامات بين شخصيتين تنتميان إلى الحزب نفسه، حزب (البعث)، أعني أنور وأسعد، وهما شخصيّتان تعبّران عن الموقف من الحزب، لجهة مصلحة كلّ منهما وامتيازاته، ونهاية كلّ منهما، إذ ينتهي أسعد منتحرًا بطلقة في الرأس، فهو الأقلّ إخلاصًا للحزب وإيمانًا به، فيما ينتهي أنور معطوبًا عقليًّا، يدور ويهذي في الشوارع. أنور، هذه الشخصية الكاريكاتورية، أو الهزلية، يكرر وصف أصدقائه، وخصوصًا صديقه بطل الرواية بـ"الغبي، الغراب"، ويدافع بشدّة عن الحزب، لكنه يتكشّف عن شخصية وصولية انتهازية، كما يصفه صديقه ورفيقه الحزبيّ أسعد، وتنقّله من الحزب القومي الاجتماعي السوري إلى حزب البعث الاشتراكي. أمّا الصديق رشاد فسوف نرى مصيره المأساويّ لاحقًا.
المقولات والنقاشات تنطوي على أبعاد من فلسفة الحياة، فلسفة تنهل من تجارب الحياة وكوارثها. لكنها لا تقتصر على ذلك، بل تمتدّ وتغدو فلسفة وجودية لتقول لنا في السؤال "أيّ معنى للهرب إن كان الوقوع في شرك الموت لا مفرَّ منه!". أو أن يسمّي "سنوات الدراسة"، بأنها كانت محض "سنوات للتدجين"، يتبعها تدجين سنوات "خدمة العلم" في جيش ليس جيشًا للوطن، وأين الوطن؟ ولا للتحرير، فأين التحرير إن كان الجندي عبدًا للسيّد القائد؟ وهذا في ما يتعلّق بطبيب الوحدة المرابطة على الحدود، عضو نقابة أطبَّاء دمشق، وهو يَتذوَّق "حلاوة تلك المرارة" التي يعيشها في ظلّ حرب متوقَّعة. هي إذًا تجربة الطبيب المتخرّج حديثًا، في خدمته للعلم، أيّ علم؟ يتنقل بين ماضيه العميق في قريته، وبين لقاءاته وأصدقائه في مقاهي دمشق، في مقهى "الهافانا" تحديدًا، ومراقبة الشارع والفتيات العابرات، بقدر كبير من الشهوانية تبلغ حدود الهلوسة. وفيما هو يحدّق في المرأة/ الأنثى، لا ينسى تحوّلات المجتمع في ظل الحزب و"أنّ الحزب سيقود مسيرة المجتمع، وأنّ السلطة المنبثقة منه هي التي ستوجّه الحياة". وفي هذه الأجواء مَن سيضمن "نزاهة الحاكمين بأمرهم؟"، بالنسبة إلى شابّ يقول "كنت غرًّا، وتخلّصت من الاندماج النهائيّ به (يعني الفكر الجامد) بعد قراءتي "كفاح طيبة" لنجيب محفوظ"؟ وتتلو ذلك قراءات شتّى تعمّق الشرخ! فهل هذا شكل من أشكال الهرب، من المجتمع والسلطة، إلى ذات الفرد؟
خلاصات المؤلّف
إذا جاز لنا اعتبار المؤلّف، وهو الطبيب الجرّاح، هو نفسه "بطل" الرواية، وهو من يسرد سيرته، مع كثير من الخيالات والأوهام التي حملها ذلك الجيل، جيل الهزيمة والنكسة، وهي نكسة الفرد والمجموع، فإنّ واجب القراءة علينا أن نخلص إلى ما انتهى إليه من نتيجة للقهر والكبت والقمع على المستويات كلّها، المعيشية والفكرية والسلوكية تجاه هذا العالم، حين يكتشف أن أقرب أصدقائه يمارس الخديعة عليه، وعلى أعدائه من قادة العسكر، أعني صديقه الحميم والأقرب (رشاد). فهو لم ينتحر مثل الصديق أسعد، ولم يدخل حالة الهذيانات والعطب النفسيّ كالرفيق أنور، بل عمد إلى "الخديعة" كما يقول الراوي "لقد خدَعنا كلّنا". فما هي الخديعة التي مارسها رشاد؟ هي ببساطة تجسّدت في دعوة القادة والأفراد، بمن فيهم صديقه المقرّب (الراوي)، إلى وليمة تمثّل مقدار سخريته من العالم المحيط به. فبعد تأخير موعد الوليمة من الغداء إلى وقت العَشاء، وبعد الاستمتاع بالوجبة "الشهية" التي جاءت بعد الجوع، يغيب رشاد قليلًا، ويعود وهو يجرّ كيسًا يضعه بين المدعوّين، وبقَدر هائل من التشويق يتأكد أنهم أكلوا وشربوا وانبسطوا، يقوم بفتح الكيس، فإذا به يفاجئهم بأنه رأس حِمار، لكنّ المفاجأة الأكبر تحدث حين يخبرهم أنهم أكلوا لحم هذا الحمار. وهذه مفاجأة مأساويّة، لكن الأشدّ مأساويّة هو أن المقدَّم "كان يسحب مسدَّسه الحربي، وقد صار رشاد الآن، خلال دَوَرانه الطقسيّ الذي استبدَّ به، في مواجهته تمامًا، وأطلق النار وهو يُزْبِد: تُطعمنا حمار، وولو؟ بدّي اخلط دمّك بدمّه". وفي الختام: "خرَّ رشاد بخفَّة على القاع. رأيت فمَه الأشقر الجميل يمتلئ بالتراب، وكأنّه يريد أن يأكل منه، كما قال لي منذ قليل. ألقَيْتُ نفسي عليه بلا جدوى. كان يبتسم وهو يهمس لي بكلام لم أسمع منه شيئًا، مع أني أعرف تمامًا ما يقول.
رشاد! صرختُ. ولم يسمعْ".
وهكذا، بعبثيّة تامّة، ينتهي ثالث الأربعة، ولا يبقى سوى رابعهم، الراوي/ البطل، فلماذا أبقاه المؤلّف؟!
المعنى في بطن الراوي... وفي عقل الروائيّ ولغته، اللغة الطازجة الحارّة بمكوّناتها، مفردات وعبارات منحوتة على نحو متفرّد، لغة تنتمي إلى الكاتب، وإلى عوالمه الموزّعة بين البداوة والمدينة.


تحميل المقال التالي...