}
عروض

"ماذا حدث بمطبخ جون سافوكا؟": عن المكان في الأفلام

محمد النظاري

5 أبريل 2026


بمحض الصدفة، وقع بين يديَّ عمل الكاتبة والناقدة السينمائية اليمنية هدى جعفر: "ماذا حدث في مطبخ جون سافوكا؟: قراءة في المكان السينمائي"؛ فبعنوانه اللافت الذي لا يمر مرور الكرام، استفز فضولي، فأخذت أقلِّب صفحاته لأرى ماذا حدث هناك... في مطبخ جون؟! لأجدني وقد انخرطت في رحلة استكشافية لعالمٍ عرفتُ للتو أنني أحبه، ومتلهف للتعرف على تفاصيله. إنه كتاب جاء كردٍّ على سؤال بسيط تبادر إلى ذهن متقد، استغرقت الإجابة عنه سنوات... كتاب صنعته التجربة الدؤوبة، والمثابرة المستمرة، و"السينيفيلة" الخالصة، وهو في رأيي المتواضع حريٌّ بأي قارئ أن يضمه إلى مكتبته.
"بدأت الكتابة بعمى كامل، كان المجال مفتوحًا أمامي إلى درجة أنني ضعت فيه، ضاقت الأفكار من فرط اتساعها؛ فلم أعرف من أين أبدأ، أو كيف يمكنني البدء، وكل الأفكار تبدو صحيحة، ومناسبة، ومغرية". بهذه العبارات وصفت الناقدة السينمائية هدى جعفر لحظة ولوجها مغامرة تأليف كتاب عن المكان في الأفلام.
ولندرة المراجع والمصادر في هذا الجانب، فكَّرت هدى جعفر خارج الصندوق؛ فلم تحبطها ندرة المصادر، وظلت تبحث عن طريقة لإنجاز الكتاب، ومن فورها وضعت الفكرة حيز التنفيذ.
ومن خلال متابعتها لعشرات الأفلام من مختلف الثقافات والمستويات: الممتعة والمملة، الشهيرة والمجهولة، قضت آلاف الساعات؛ تُحلل، وتُقارن، وتختبر التفاصيل بنظرة ثاقبة وحس متقد.
"وخلال 9 سنوات من العمل المنفصل المتصل، ظل الكتاب يتشكل ويتلون، يكبر ويصغر، يتمدد ويتقلص"، حيث اختبر الأماكن في 468 فيلمًا، منها 146 فيلمًا عربيًا، و322 فيلمًا أجنبيًا؛ ليصل الكتاب أخيرًا إلى يد القراء عبر "منشورات حياة" في تشرين الأول/ أكتوبر 2025 بحلة لافتة، قدمت فيه هدى جعفر تجربة نقدية مميزة في 416 صفحة من القطع المتوسط.
منهجية هدى جعفر قامت على علاقة الأماكن بقصة الفيلم، ورسالته الدرامية، وأجوائه النفسية، وقضاياه الفكرية، ولذلك "التكرار" هو الأرضية الذي قامت عليه اختيار المواضيع.
اعتمدت هدى جعفر ذات الأسلوب في كل فصل، وهو الابتداء بالفكرة العامة، وسبب اختيارها، وتقديم الجانب النظري منها، ثم الاستشهاد بعدد من المشاهد من مختلف الأفلام، ثم الحديث عن كل فكرة جزئية، مع ذكر أمثلة مفصّلة من الأعمال السينمائية، ثم يُختتم الفصل بأكثر فيلم مفضّل لدى الناقدة في ما يخص موضوع الفصل، مثل فيلم "في مزاج للحب" في قسم "أماكن البدايات والنهايات"، و"بيروت اللقاء" في "جدران واشية"، و"رسائل من إيو جيما" في "ماذا في المكان؟"، وغيرها.

المكان بأبوابه السبعة
جاء الفصل الأول من الكتاب تحت عنوان: "لكل مكان سينماه"، حيث تحدث الكتاب عن الحركة وعلاقتها بالسينما، طارحًا سؤالًا جوهريًا حول ارتباط الحركة بالمكان، من خلال أربعة تقديمات هي: "لماذا المكان السينمائي؟"، و "سر النهر"، و"الغلبة للمكان"، وأخيرًا "لكل مكان سينماه".



وفي الفصل الثاني "أماكن البدايات والنهايات"، قدم الكتاب عرضًا عن أماكن مشاهد البداية والختام في عدد من الأفلام، وكيف يتم اختيارها، وإلى أي مدى يؤثر مكانا البداية والنهاية على فهمنا للفيلم، وعلى الانطباع الذي يتركه عند المشاهدين، من المصري "القاهرة 30"، وحتى الأميركي ــ البريطاني "فُل ميتال جاكيت"، ومن الإيطالي "سينما باراديسو"، حتى الإيراني "أين منزل الصديق؟".
أما الفصل الثالث فيتناول في قسمه الأول الأماكن بخصائصها الهندسية المهمة وهي: "الأعلى والأسفل" وعلاقته بالسلطة، والمؤامرات، والأخطار، ثم "المغلق و"المفتوح" الذي أتى في ثلاثة أجزاء، وهي: "من أجل الأشياء المغلقة"، و"المحبوسون"، و"أماكن مغتالة"، وأخيرًا "الفارغ والمزدحم"، مسلطًا الضوء على قدرة السينما من دون غيرها من الفنون على تصوير الفراغ، لكونها فنًا سمعبصريًا عن طريق تفكيك عدد من الأفلام، منها "حصان تورينو" لبيلا تار، و"خارج الحياة" لمارون بغدادي، وأفلام هيتشكوك، وغيرها، بينما يناقش القسم الثاني أفلام المغادرة والوصول: طبيعتها ونماذجها وسماتها، وكيف أنّها تندرج في أربعة أنماط رئيسية. وخصَّص القسم الثالث لـ "المكان مجازًا ومعاني"، عندما يحضر اسم المكان في العنوان، ويختفي في المحتوى.
وفي الفصل الرابع، "أماكن متحركة"، حاول الكتاب مناقشة كل الأماكن ذات الحركة في الأفلام: من القطارات، كأهم مكان متحرك ظهر في فيلم سينمائي، إلى المحركات المقدَّسة، و"شيوخ الطريقة"، وعنهم تقول هدى جعفر: "ما دام هناك أماكن متحركة؛ فهناك طريق، ولكل طريق طريقة لعبوره، ولكل طريقة (شيخ)، وسائقو هذه الأماكن المتحركة هم (شيوخ الطريقة)". وكذلك "الطريق" بمعناه النفسي والمعنوي والروحي والفلسفي والميتافيزيقي والعلمي والبحث عن الذات والآخر، وحتى العوالم الافتراضية.
بينما في الفصل الخامس "الطبيعة الأم... أمنا الغولة"، سلط الكتاب الضوء ــ من خلال ثلاثة أقسام ــ على المسطحات الزراعية، والمسطحات المائية، والصحراء، على علاقة الإنسان بالطبيعة، هاربًا ولائذًا، حيًا وميتًا، فقد ورد في الكتاب بتصرف: لقد انتهك الإنسان الطبيعة الأم، لكنه في السينما، ما زال خائفًا، متسائلًا عن الأسرار المغلقة في الصحاري والبراري، والغابات، والقطب الشمالي والجنوبي، والسهول، والأنهر، وبحور الظلمات.
لقد لعبت الطبيعة في الأفلام دلالات شديدة التباين والاختلاف منها: دورة الحياة، والضياع، والعودة إلى الأصل، والغموض، والروحانيات، والغرائز، والوالدية، والبدائية، والتعافي، وغيرها من المعاني، بل "قد تلعب الطبيعة بديلًا للآلهة نفسها نظرًا إلى احتجابها الأبدي".
فيما خُصص الفصل السادس لـ"المكان مجازًا"؛ وتقاسمت هذا الفصل أربعة أجزاء: "جدران واشية"، و"العمى والإبصار في النوافذ السينمائية"، و"مطابخ عنيفة"، و"ماذا في المكان؟" بأشيائه الضخمة ومتناهية الصغر، وكيف تعكس خصائصها على القصة السينمائية، وتكشف سمات الشخصيات، وكيف أن الأشياء في الأفلام إما أن تحرك السرد، أو تعمق المعنى.
أما الفصل الأخير "ماذا حدث في مطبخ جون سافوكا؟"، الذي حمل عنوان الكتاب، فقد ناقش فرضية أفلام المكان الواحد، وكيف يكون المكان واحدًا بشكل حرفي، وهل يمكن بالفعل تصوير فيلم سينمائي في مكان واحد؟ عبر فيلم "12 رجلًا غاضبًا"، معرجًا على كل الأمكنة الموجودة في هذا الفيلم الذي يعد أحد أهم أفلام المكان الواحد.

ما بين النقدي والأدبي
قدمت هدى جعفر من خلال هذه الكتاب خلاصة تجربتها وقراءاتها في النقد السينمائي؛ فمن خلال جميع فصول الكتاب وأقسامه حاولت أن تجيب عن أهم الأسئلة التي قد تتبادر إلى عقل الأشخاص المهتمين بصناعة السينما عامة، وبالمكان السينمائي بشكل خاص، من خلال تسليط الضوء على أكثرالنقاط تشويشًا وغموضًا.
فالكتاب من خلال كل الأفكار المتنوعة التي ضمها بين دفتيه، هو خلاصة تجربة شخصية وبحثية ثرية لناقدة سينمائية تعي ما تفعل؛ قرأت، وبحثت، وشاهدت، لتخرج بعمل نقديّ سينمائي مهم، وثمين، ويجب أن يُقرأ من الهواة، والمختصين، والمشاهد العادي على حدٍّ سواء.
فبينما أنت تتنقل بين فصول الكتاب، سيستوقفك غير مرة جمال الصياغة، ودقة الاستشهاد، وذكاء الاستدلال، هذا بالإضافة إلى التنوع الكبير في اختيار النماذج الفيلمية.
إنّ تجربة اقتناء هذا الكتاب بلا شك تجربة ممتعة وثرية؛ ستجد أسوارًا كثيرة من الأسئلة تتداعى، لتنكشف عن إجابات طالما بحثت عنها، وأسئلة مهمة لم تسأل نفسك عنها، وقد جمع الكتاب بين الجهد الأكاديمي والبحثي، والأسلوب السردي الشيق كأنّك تقرأ رواية.
جدير بالذكر أنّه صدرت للكاتبة مجموعة قصصية "اليد التي علقت المرآة" عن منشورات "جدل"الكويتية، في أيلول/ سبتمبر 2023، وهي مجموعة في غاية الجمال والدهشة.
وفي "مطبخ جون سافوكا" ستتجول في المكان السينمائي تقودك المفاجأة ودهشة التفسير إلى عمق الفكرة ومقدار الجهد الذي بذلته الكاتبة في إنجاز هذه التحفة القيِّمة؛ لتساندني الرأي بأن هذا الكتاب جهد مضنٍ، أُنجز بإخلاص ومثابرة، فكوّن مصدرًا مهمًا في مجالٍ قلّما التفت إليها المختصون.

 * كاتب من اليمن.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.