}
عروض

"غزة تروي إبادتها (2)": حكايات الناجين من المسافة صفر

يوسف الشايب

6 أبريل 2026


يُعد كتاب "غزة تروي إبادتها: قصص وشهادات (2)" وثيقة إنسانية وتاريخية استثنائية صدرت مؤخرًا عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في كل من بيروت ورام الله مطلع عام 2026، لتُكمل ما بدأه الجزء الأول في تدوين فصول حرب الإبادة التي استهدفت البشر والحجر والشجر والذكريات في قطاع غزة.
يضم الكتاب شهادات حية نُسجت خيوطها تحت الركام، وفي خيام النزوح، لتشكل "كتاب غزة الكبير" الذي لا يقبل المحو.
تتنوع القصص لتشمل "سرديات الفقد والركام"، كما في قصة عايدة أبو لاشين، التي ظلت تحت الأنقاض لثلاثة أيام تسمع رنين هاتفها وأنين طفل محشور بجانبها، بينما كان أهلها يقيمون لها عزاءً من دون جثة. وقصة إسراء المشهراوي، التي اضطرت لحفر قبر ابنتها ميرا بيديها في محيط المستوصف لعدم وجود أكفان، أو مقابر، وما يمكن تسميته بـ"أحجية الاختفاء"، كما في قصة الطفل فؤاد أبو القمصان، الذي انتشله رجل غريب من حضن والده تحت الردم في مجزرة جباليا ثم اختفى، ليتحول مصيره إلى لغز يمزق قلوب عائلته بين الأمل واليقين بالاستشهاد، وكذلك "الحب تحت النار"، كما في قصة "شهد وأحمد" اللذين أصغيا لدقات قلبيهما وسط الانفجارات، وانتهى بهما المطاف بعقد زواج نُقل على "كارة حمار"، وزفاف امتزجت فيه الزغاريد بأصوات الصواريخ، علاوة على "مصيدة الطحين"، تِبعًا لشهادة "عبد الله" عن رحلة الموت للحصول على كيس طحين عند معبر "زيكيم"، حيث يمتزج الدم بالرغيف، ويتحول الحلم بمنقوشة للأطفال إلى مواجهة مباشرة مع القتل العشوائي.
اعتمد الكتاب منهجية السرد المباشر بلسان أصحاب الحكايات، حيث تولى باحثون ميدانيون عاشوا التجربة بأنفسهم كباحثين ونازحين في آن واحد، فيما يتميّز السرد في المعايشة الوجودية، فالحدود بين الباحث والمبحوث كانت هشة؛ حيث أن الباحث يوثق جوع الآخرين وهو جائع، ويكتب عن الهرب وهو يركض من قصف لآخر.
وتبرز قصة "عبد الله" ومأساة "معبر زيكيم" كنموذج صارخ، حيث أن الباحث الذي أجرى المقابلة معه لم يكن يجلس في مكتب مريح؛ بل يذكر الكتاب في الهوامش والمقدمات كيف كانت المقابلات تُجرى في خيام النزوح، حيث يتقاسم الباحث والنازح "نصف رغيف"، أو شربة ماء ملوثة، كما أنه، وفي إحدى الشهادات، يضطر الباحث للتوقف عن التسجيل، لأن الطائرة المسيرة (الكواد كابتر) تقترب من مكان المقابلة، فيركض الباحث والمبحوث إلى المخبأ نفسه.
وعندما يوثق الكتاب قصة عايدة التي قضت ثلاثة أيام تحت الأنقاض، فإن اللغة المستخدمة في السرد تعكس قرب المسافة الوجدانية، حيث أن الباحث الذي نقل قصتها كان يعيش في المربع السكني نفسه الذي تعرض للإبادة، وكان يخشى أن يكون هو "القصة القادمة". وهذا النوع من السرد يسمى "السرد من المسافة صفر"، حيث لا وجود لترف الحياد الأكاديمي.
وتعد أنسنة التفاصيل في كتاب "غزة تروي إبادتها (2)"، بمثابة المشرط الذي يفتت الأرقام الصماء (أعداد الشهداء والجرحى) ليعيدها إلى أصلها الإنساني؛ فهي لا تقدم ضحية مجردة، بل تقدم إنسانًا كان لديه "فردة حذاء مفضلة"، أو "رائحة عطر خاصة".




في إحدى القصص، يبرز التركيز على "حقيبة أدوات الرسم" التي كانت ترافق فتاة صغيرة في كل رحلات نزوحها. لم تكن الحقيبة مجرد غرض مادي، بل كانت مخبأ أحلامها. عندما استهدف القصف خيمتهم، لم يركز السرد على عدد الجرحى بقدر ما ركز على مشهد أقلام الرصاص الملونة وهي ملقاة في الطين، واختلاط لون الأحمر القاني (الدم) بلون الأحمر الخشبي في دفتر الرسم. هذه التفصيلة من شأنها أن تجعل القارئ يبكي الفنانة التي ضاعت، وليس فقط "الطفلة" التي استشهدت.
في قصة مروعة عن المجازر التي طاولت عائلات بأكملها، يذكر الكتاب كيف عجز الأب عن التعرف على ابنه بسبب تشوه الملامح، لكنه عرفه من "شامة صغيرة على إصبع قدمه". هذه الشامة ليست مجرد تفصيلة تشريحية، بل هي صك ملكية وهوية أخيرة في مواجهة المحو... التركيز هنا على الإصبع والشامة ينقل القارئ من مشهد الموت الجماعي إلى خصوصية الفقد الشخصي، حيث لكل إنسان علامة فارقة تجعله غير قابل للاستبدال.
تتكرر في الشهادات تفصيلة "مطرة الماء" (الزمزمية) التي يحملها الأطفال حول أعناقهم. في قصة طفلة نزحت من الشمال إلى الجنوب، كانت تتمسك بزجاجة مياه فارغة لأنها "من ريحة البيت".
يصف الكتاب كيف كانت الطفلة تنام وهي تحتضن الزجاجة البلاستيكية الباردة. هذه التفصيلة الصغيرة تشرح معنى الأمان المفقود أكثر من ألف تقرير إخباري عن عدد النازحين؛ فالأمان هنا اختصرته زجاجة بلاستيكية تافهة القيمة، لكنها عظيمة المعنى.
في شهادة إسراء المشهراوي عن ابنتها "ميرا" لم يغفل السرد ذكر "ربطة شعرها الوردية" التي بقيت عالقة في شعرها حتى وهي تُوارى الثرى في قبر مؤقت. هذه "الربطة" تحول الطفلة من رقم في كشف الضحايا إلى "أميرة صغيرة" كانت تصفف شعرها كل صباح، لذا، فإن السرد هنا يربط بين جمال الحياة اليومي وبشاعة الموت المفاجئ.
ويستعيد الكتاب رمزية "المفتاح"، ليس كشعار سياسي، بل كجسم مادي ثقيل في جيب رجل عجوز أصر على حمله أثناء الهروب، حيث يصف الكتاب ملمس المفتاح الصدئ الذي ترك أثرًا في كف الرجل من كثرة ضغطه عليه أثناء القصف. هذا الضغط على "المفتاح" هو تلخيص بصري لتشبث الإنسان بوجوده المادي وتاريخه في وجه آلة تحاول سحقه.
إحدى الشهادات تتحدث عن فستان خبأته أم لابنتها لعيد الفطر، لكن الحرب سبقت العيد. بقاء الفستان معلقًا على مسمار في جدار منهار، بينما الطفلة تحت الركام، هو قمة أنسنة الألم، فالفستان هنا يمثل المستقبل المصادر والفرح المعلق الذي لن يكتمل.
هذه التفاصيل في سردية حرب الإبادة تصنع ما يمكن وصفه بـ"مقاومة التشييء"، فهي تحمي الضحايا من أن يتحولوا إلى مجرد أشياء، أو إحصائيات يتلقاها المشاهد ببرود، وتنجح في "خلق الروابط"، فهي تجعل القارئ في أي مكان في العالم يتماهى مع القصص؛ فكل أب يعرف معنى "شامة" طفله، وكل أم تعرف قيمة "فستان" ابنتها، علاوة على "توثيق الحقيقة"، حيث يصعب تزييف التفاصيل الصغيرة التي تمنح الشهادة مصداقية تاريخية ووجدانية تجعل من المستحيل إنكار وقوع الجريمة.
إن "تحديات التوثيق" في "غزة تروي إبادتها (2)" لم تكن مجرد صعوبات لوجستية، بل كانت جزءًا من ملحمة البقاء، فالكتاب يوضح أن فعل الكتابة نفسه كان يتم تحت تهديد القتل، وبأدوات بدائية تعود بالبشرية عصورًا إلى الوراء، مما جعل كل نص في هذا الكتاب معجزة تقنية وإنسانية.
يذكر محررا الكتاب (أكرم مسلَّم وعبد الرحمن أبو شمالة) في المقدمة، وتوثيق الشهادات، كيف كان الباحثون يضطرون إلى تدوين الملاحظات ليلًا في مراكز النزوح، ففي قصة الباحث الذي كان يجمع شهادات "النازحين في المدارس" كان يكتب بيده على ورق مهترئ، لأن بطارية هاتفه المحمول والحاسوب قد نفدت منذ أيام. الضوء الوحيد المتاح كان "شمعة"، أو "لدات" ضعيفة تعمل ببطارية سيارة متهالكة. هذه الكتابة اليدوية ليست مجرد وسيلة، بل هي توثيق لرجفة اليد مع كل انفجار قريب، مما يجعل الخط المتعرج على الورق شاهدًا صامتًا على القصف.
وتحوّلت المهمة الصحافية والتوثيقية إلى رحلة شاقة للبحث عن الطاقة (...) إحدى الشهادات تصف كيف كان الباحث يقطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام للوصول إلى مستشفى، أو نقطة يتوفر فيها لوح طاقة شمسية ليشحن هاتفه لدقائق معدودة، فقط ليتمكن من إرسال تسجيل صوتي لشهادة ضحية قبل أن ينقطع الإرسال.
الكلمة هنا لم تعد مجانية، بل كانت تُدفع قيمتها جهدًا بدنيًا وخطر استهداف من الطائرات المسيرة التي تلاحق أي إشارة إرسال.
واجه التوثيق، أيضًا، تحدي فقدان المادة نفسها بسبب القصف، فالكتاب يروي كيف أن بعض الشهادات التي جُمعت في الجزء الأول، أو بداية الجزء الثاني، فُقدت، لأن البيوت التي كانت تضم المسودات، أو الحواسيب، قُصفت، فاضطر الباحثون إلى إعادة مقابلة الناجين مرة أخرى، وهو فعل مؤلم، لأن المبحوث يضطر إلى استعادة صدمته مرتين.
هذا الإصرار على إعادة التدوين هو ما حول الكلمة إلى فعل مقاومة للنسيان؛ فالمحو الذي يمارسه القصف يقابله "إعادة خلق" من الذاكرة.
التحدي الأكبر للتوثيق كان أن الباحث نفسه هو ضحية... يذكر الكتاب أن بعض الذين جمعوا الشهادات فقدوا أفرادًا من عائلاتهم أثناء عملية التوثيق.
الكتابة بأيدٍ ترتجف هنا ليست مجازًا، بل هي حقيقة بيولوجية لباحث يكتب عن فقدان الآخرين، بينما هو لم يدفن أحباءه بعد، وبهذا، تحول التوثيق هنا من وظيفة إلى علاج أو واجب مقدس تجاه الشهداء، لضمان ألا تتحول دماؤهم إلى مجرد خبر عابر.
وتُعد مقدمة الأديب إبراهيم نصر الله لهذا الكتاب بمثابة بيان وجودي يتجاوز كونه مجرد استهلال أدبي، فهو يضع "الفعل التوثيقي" في قلب معركة التحرر الوطني، فهو يرفض حصر ما يحدث في غزة في "لحظة أكتوبر 2023" وما تلاها، بل يراها "الحلقة الأشرس" في سلسلة إبادات بدأت منذ أكثر من 120 عامًا، ويرى أن العدو لا يستهدف الجسد الفلسطيني فحسب، بل يستهدف "الزمن الفلسطيني"؛ أي محاولة قطع الصلة بين الماضي (النكبة) والحاضر (المقاومة) والمستقبل (التحرير)، لذا، فالكتابة هنا تصبح أداة وصل لما يحاول الاحتلال بتره.
يركز نصر الله، الذي اتكأ على عبارة مركزية مفادها: "الحكايات التي لا نكتبها، تصبح ملكًا لأعدائنا"، على أن غزة، على الرغم من الحصار والجوع، تمتلك فائضًا من الكلام الذي يربك العالم، وعلى أن الكتابة تحت القصف هي إعلان عن فشل "سياسة الخرس" التي أراد الاحتلال فرضها.
الحديث عن الكتاب يطول، لكني أختم بأن أهميته هي في كونه يحول عملية التوثيق إلى أمانة إنسانية وواجب أخلاقي تجاه الحقيقة، فهو "شهادة حياة" لمواجهة محاولات المحو والتطهير العرقي.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.