حاول البشر منذ القدم اختراع قصصٍ تعينهم على موضعة حياتهم داخل محيطٍ كونيٍّ أوسع، وتكشف لهم انتظامًا كامنًا فيه، وتعطيهم شعورًا مضادًا ومعاكسًا للشواهد الباعثة على الاكتئاب واليأس، وبأن الحياة لها قيمة ومعنى. ويمتلك الذهن البشري خصائص تتجسد في قدرة الناس على توليد أفكارٍ وتجارب لا يمكن تفسيرها تفسيرًا منطقيًا، حيث تمكّنهم مخيلتهم وقدراتهم الذهنية من التفكير بأشياء غير شاخصة أمامهم؛ فالخيال هو الملكة الإنسانية التي تنتج الدين والميثولوجيا. وقد عُرفت الميثولوجيا بوصفها كلمةً تحيل إلى مجموعة أساطير تشكل في مجموعها نظامًا أو جهازًا أسطوريًا، كانت تستعمله مجتمعات عديدة خلال فتراتٍ من التاريخ، وكان أفرادها يعتقدون بصحة تلك الأساطير في تفسير الطبيعة والكون والإنسان. وعليه، احتلت الأسطورة حيّزًا مهمًا في تاريخ الحضارات الإنسانية المتعاقبة، ورافقت الفكر البشري منذ تشكّلاته الأولى حتى الوقت الراهن، فما من شعبٍ من الشعوب أو أمةٍ من الأمم إلا ولها أساطيرها. وثمة تداخلٌ واضح بين الأساطير، فالأسطورة الواحدة تنمو وتتشعب لتنتقل من حضارةٍ إلى أخرى عبر مثاقفةٍ فكريةٍ وحضارية، لذلك ثمة قواسم مشتركة تجمع بين الأساطير الإنسانية، وتطاول ملامحها وخصائصها وأبعادها ومدلولات رموزها.
تقدّم كارين أرمسترونغ في كتابها "موجز تاريخ الأسطورة" (دار التكوين، ترجمة أسامة إسبر، دمشق، 2025) دراسةً غنية عن الأسطورة ومفهومها المعقد، متناولةً مستوياتها التاريخية ودلالاتها في إطارٍ علميٍّ مكثف، والصيغ والمراحل التي تشكلت فيها، حتى غدت ممارسةً إنسانيةً بعد فتراتٍ طويلة من التطوير والتغيير وفقًا لتطور الحضارات والثقافات الإنسانية. فالأسطورة قديمة جدًا، وسبقت ظهور الإنسان العاقل، وتظهر الحاجة إليها حيث يعجز الإنسان عن تفسير أمرٍ غامض تفسيرًا منطقيًا، وعند مواجهته المصاعب والتحديات، فيقع في اليأس والحزن، الأمر الذي يدفعه إلى اللجوء إلى الخيال واختراع القصص والسرديات بغية تفسيرها. لكن قصصها لا تُروى من أجل الرواية فقط، بل هدفها أن تدل الناس على ما يجب عليهم فعله، لذلك صُمِّمت الأسطورة كي تساعدهم على التعامل مع المآزق البشرية المستعصية، وإعانتهم على تحديد موقعهم في العالم، ومعرفة وجهتهم فيه، وتفسير موقفهم حيال بيئتهم وجيرانهم وعاداتهم، ومعرفة إلى أين يذهبون. وبالتالي، ابتكر الناس قصصًا تتحدث عن وجود عالم ما بعد الموت، وذلك على الرغم من أن العديد من الأساطير لا تتضمن صورًا عن خلود البشرية، لكنهم اجترحوا فكرة الآلهة كي تساعدهم على تفسير تجربة التعالي والتسامي.
ترى المؤلفة أن الأسطورة، بمعنى ما، تروي قصة حدثٍ حصل في زمانٍ ما، وتجعله ممكن الحدوث في كل الأزمنة. لذا، وبالنظر إلى صرامة الرؤية التعاقبية حول أحداث التاريخ، لا يملك البشر كلمات يعبّرون بها عن مثل هذا النوع من الحدوث الدائم، في حين أن الميثولوجيا، باعتبارها صياغةً فنية، قادرة على الإشارة إلى ما وراء التاريخ، وإلى ما هو غير زمني في الوجود البشري، وتساعد البشر على التعرّف إلى ما وراء التدافع الفوضوي للأحداث العشوائية، وفي تبصّر جوهر الحقيقة. لكن الأسطورة تُستخدم اليوم في معظم الأحيان من أجل وصف شيء غير واقعي وغير صحيح. وكل شخصٍ يُتهم بارتكاب زلاتٍ وعثرات يُقال عنها بأنها أسطورة لم تحدث مطلقًا. وحين يسمع الناس عن آلهةٍ تمشي على الأرض، وعن أمواتٍ يخرجون من قبورهم، أو عن انشقاق البحر، فإنهم ينبذون هذه القصص، معتبرين أنها أمور لا تُصدق ولا يمكن البرهان على صحتها. ويعود سبب ذلك إلى أنه مع بداية القرن الثامن عشر بلور المجتمع الحديث رؤيةً علميةً في فهم التاريخ، وبات الناس يهتمون فقط بما حصل بالفعل، وذلك بعكس العالم ما قبل الحديث، حيث كانت الميثولوجيا تُعدّ البشر للحالة الروحية والنفسية الصحيحة لاتخاذ الموقف المناسب في هذا العالم أو في العالم الآخر. إضافةً إلى أنها شكلت أمرًا لا يمكن الاستغناء عنه في العالم ما قبل الحديث، ليس لأنها ساعدت الناس على إيجاد معنى لحياتهم فقط، بل لأنها كشفت عن مناطق في العقل البشري كان يتعذر الوصول إليها من دونها. فالقصص التي تخبر الناس عن ذهاب الآلهة والأبطال إلى أعماق العالم السفلي، وقطعهم طرقًا موحشة وقتالهم الوحوش، هي في الحقيقة تضيء لهم نشاطات النفس الغامضة، وترشدهم إلى كيفية التعامل مع أزماتهم الباطنية. ولم تكن الميثولوجيا مريحةً لهم فقط، بل إنها أرغمت الرجال والنساء على مواجهة وقائع الحياة والموت التي لا ترحم.
تظهر الأسطورة بوصفها نسخةً غير مكتملة تعكس وعي البشر وتفكيرهم، ولعل أهم ما يميزها هو إمكانية المشاركة، فضلًا عن أنها تدفعهم إلى تغيير أنظمة سلوكهم وقيمهم بغية تسهيل فهم ما يبدو عصيًا على التفسير، كما أنها تمنح الناس أملًا جديدًا كي يستمروا في الحياة. لذلك تحدد الأسطورة التحول الذي يميز توجهاتهم، وبالتالي تتضمن الأسطورة معارف مقدسة لا تكمن في جعلها ضمن مناخٍ مستقل عن التجربة الدنيوية، بل في فهمها في سياق التحول الروحي، أو من حاجة البشر إليها حين يفكرون في مغزى النهايات.
ترى المؤلفة أن معظم الحضارات لديها التصور نفسه عن الجنة المفقودة، حيث كان البشر يعيشون بانسجامٍ في كنف الإله، لكنهم فقدوه عندما انتقلوا إلى الأرض ليواجهوا الغموض، ووقتها بدأوا ينظرون إلى الطبيعة وأشياء العالم بوصفها تجلياتٍ لقوةٍ خفية. وبدأت الأسطورة بالتطور مع تطور البشر من مرحلة الصيد والتقاط الثمار إلى مرحلة الزراعة، ومثّلت الطبيعة رمزًا للقوة ومصدرًا للحياة، وتعاملوا معها باعتبارها مقدسًا يستوجب التقدير والاحترام. وتميزت عمليات الصيد بتقدير وجود الكائنات الحية، على الرغم من كونها فعل استلاب، لكنها تستوجب تقديم المنح والعطايا.
غير أن الأسطورة تعرضت للتحول مع سعي الإنسان إلى التعويض عن ضعفه أو محدودية قوته الفيزيائية، فعمل على تطوير مهاراته في الصيد والزراعة، فاخترع الأسلحة. وفي تلك المرحلة المبكرة، كان اليونانيون يطورون ما يسمونه اللوغوس (logos)، الذي يجسد نمط التفكير العلمي والذرائعي الذي يمكنهم من العمل في العالم بنجاح. ولكلٍّ من الأسطورة واللوغوس محدوديته، لكن الناس في فترة ما قبل العصر الحديث اعتبروا أن الأسطورة والعقل متكاملان، ولكل منهما فضاؤه ومجاله الخاص، ولكل منهما مساحة فعاليته الخاصة.
تجادل المؤلفة بأن مقاربة مرحلة الزراعة جرت برهبةٍ دينية، ومثلما كان الناس يعدّون الصيد عملًا مقدسًا، فإن عمل الزراعة كان أيضًا مقدسًا، حيث كان يُنظر إلى الأرض بوصفها تحمل الطاقة وتنطوي على نزعةٍ إلهية؛ فهي رحمٌ أمومي. لذلك برزت طقوس معينة للزراعة. وعندما حرث المزارعون الأرض وجلبوا الطعام لجماعتهم، شعروا بأنهم دخلوا عالمًا مقدسًا وأنهم شاركوا في تحقيق تلك الوفرة الإعجازية. واعتبر البشر في ذلك الوقت أن التربة هي الأنثى، والبذور هي السائل المنوي الإلهي، والمطر هو جماع السماء والأرض. وبالتالي، كان أمرًا اعتياديًا لدى الرجال والنساء أن يمارسوا الجنس معًا بطريقةٍ طقوسية عندما يزرعون محاصيلهم، إذ من شأن فعل الجماع، الذي هو فعل مقدس، أن ينشط طاقات التربة الخلاقة. وكان انتشار الزراعة في الميثولوجيا يحدث بطريق العنف، والطعام يُنتج بحربٍ دائمة ضد قوى الموت والدمار المقدستين. وتوجب على البذرة اختراق جوف الأرض، ثم تموت موتًا مأساويًا، كي تُخرج في آخر المطاف ثمارها. أما أدوات الزرع فبدت، لوصفها، أسلحةً تُطحن بها الذرة ويُسحق بها العنب ليصبح سائلًا كثيفًا قبل أن يصبح خمرًا. وتجسد كل ذلك في أساطير الإلهة الأم، التي يُمزَّق جميع أخلائها، وتُبتر أطرافهم، ويُشوَّهون بوحشية، ويُقتلون قبل أن يتمكنوا من النهوض مع المحاصيل إلى حياةٍ جديدة.
وفي الفترة ما بين 8000 و4000 ق. م، التي تُعرف بالعصر الحجري الحديث، صوّرت الأسطورة المرأة كقوةٍ مؤثرةٍ متحكمة، وأطّرتها وفق صيغٍ متعالية تُظهر تفوقها وجبروتها وقسوتها وقدرتها على العقاب، مثلما جسدتها أسطورة "إيرشكيغال" وعقاب "إنانا" في بلاد ما بين النهرين، وأسطورة "ديمتير" وابنتها "بيرسيفني" اليونانية، وسواها من الأساطير. وأضحت الإلهة الأم حادة الطباع ومفترسة وخارجة عن السيطرة، كحالة الحيوان الأم عندما يكون صغارها في خطر. إذ عندما وجدت أنات بقايا بعل، أقامت مأدبة دفنٍ كبيرة على شرفه، وقدمت عزاءها إلى إيل، ثم تابعت بحثها عن موت.
ومع ازدياد الوعي الذاتي للبشر في الفترة 4000 – 800 ق. م، بات بإمكان الناس التعبير عن تطلعاتهم بتقنياتٍ مدنية. وكان اختراع الكتابة يعني إمكانية صياغة تعابير أدبية عن أساطيرهم قادرة على الاستمرار، ودخولهم في العصر التاريخي، حيث تسارعت نسبة التغير في المدن، وأصبح الناس أكثر وعيًا بسلسلة الأسباب والآثار. كما أن التقنيات الجديدة منحت سكان المدن سيطرةً أكبر على بيئتهم، وأخذ تمايزهم عن الطبيعة يزداد. وكانت المدن مقدسةً في العالم القديم. وكما كان أجدادهم الأوائل يرون في الصيد والزراعة أعمالًا مقدسة وعبادية، كذلك رأى ساكنو المدن الأوائل أن حفظ تقاليدهم وتراثهم هو، بالأساس، أمرٌ إلهي. ففي بلاد ما بين النهرين، علّمت الآلهة الرجال كيف يبنون برجهم العالي، وكان إنكي، إله الحكمة، مدبرَ عمال الجلد والحدادين والحلاقين والبنائين والخزفيين وعمال الري والأطباء والموسيقيين والكتّاب.
تركّز المؤلفة في عرضها التاريخي على تطور الأسطورة المرافق لتطور البشر من خلال تاريخ الغرب، مبرزةً التطورات الفكرية والروحية والاجتماعية التي أجبرت البشر على إعادة النظر في أساطيرهم، وتخلص إلى أن وضع الأسطورة بقي على حاله حتى القرن السادس عشر بعد الميلاد، وأن الغربيين بدأوا يجدون الميثولوجيا إشكاليةً معيقة، واعتمد الإنجاز الغربي على انتصار الروح العلمية البراغماتية، حيث ينبغي اعتماد كل شيء على العقل، وأن يُبرهن عليه عقليًا. وتعتبر أن الفترة الممتدة من القرن الخامس عشر إلى القرن العشرين أجهزت على الأسطورة، بفضل الثورة المعرفية، وأعلن بعضهم موت الأسطورة، خاصةً مع تطور النظم الاقتصادية وظهور التكنولوجيا، إضافةً إلى التحولات السياسية والثورات والصراعات، وبات الناس يسيطرون على مصيرهم.
بقي أن نشير إلى أن هذا الكتاب سبق أن صدر عام 2008 عن الدار العربية للعلوم ناشرون، تحت عنوان "تاريخ الأسطورة"، وترجمه وجيه قانصو. ولعل الترجمة الجديدة له تشي بأهميته وامتلاكه الجِدّة لإعادة ترجمته، فضلًا عن أن المؤلفة أظهرت امتلاكها قدرةً على تقديم فهمٍ عميق لتشكل الأسطورة وتطوراتها، وأيضًا لتبيان دلالاتها ووظيفتها.


تحميل المقال التالي...