}
عروض

"طبَّاخ إنغمار برغمان": اغتراب الإنسان في المنفى والبلد

أنور محمد

8 أبريل 2026


"وُلِدْتُ بنصفِ رأس"- هكذا يَدَّعي يحيى بطل رواية "طبَّاخ إنغمار برغمان" (دار المتوسط - ميلانو، 2025) للشاعر والمُخرج والناقد السينمائي والروائي الفلسطيني فجر يعقوب، وستكون بمثابة عاهةٍ/ لعنةٍ لا يمكنه التخلُّص من تداعياتها النفسية إلاَّ بالموت. غير أنَّ يحيى يُقاوم الموت، وهو يعيش بين ظُلمتين؛ ظلمة العاهة التي تنتقصُ من آدميته، من جماله الآدمي، كونه يتصوَّر أنَّ نظرات الناس تلاحقه فتَسْتَضْعِفهُ، وتُهينه، وظلمة الطبيعة الضاغطة فيسقط على رأسه: "فأنـا عندمـا نزلـتُ مـن رحـِم أمـي قيلَ لي عندما بلغتُ إنَّنـي سـقطْتُ مـن يـد الدايـة على رأسي، وازْرَّقَّ وجهـي مـن البـكاء، ومـع أنَّنـي نجـوتُ مـن الموت، إلاَّ أنـه وجَـبَ عليَّ أن أحمـل عاهتـي معـي إلى الأبد. لكـن، مهلًا فقـد اكتشـفْتُ مـن مصـدرٍ موثـوق حكايـة أخـرى غير التـي سـمعتها من أمي تُؤِكِّد وقوعي على رأسي مُصادفة كلَّما سألتها عـن هـذه العاهـة التـي تأبى أن تفارقنـي!".
في الحالتين ستكون عاهةً مثل عارٍ سيُعاني منها طوال حياته خاصة عندما اكتشف قسوة العالم من حوله، فصار يتفنَّن بإخفائها فيجلسُ بآخر الصف الدراسي مُتذرِّعًا بطول قامته، في حين عليه أن يقف في الصفوف الأمامية في دروس التربية العسكرية المفروضة على مدارس وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين. عاهةٌ، معاناةٌ شعورية، عارٌ لا مهربَ منه، بل ولمَّا كبرَ وامتدَّ به العمر، تأكَّدَ، بل صار على يقينٍ أنَّ وقوعه على رأسه كان فعـلًا مقصـودًا أَلَمَّ به يومَ وِلادته، ولم يكُنْ مُجرَّد مُصادفة عادية.

ثمَّة مؤامرة مدبَّرة، ربَّما كان المقصود منها قَتْلَه حتى لا يتمرَّد أو يُبعثَ، وإن نجا من الموت، فيدخل في غيبوبة وجودية، أو كانَ ما كانْ: طارَ نصفُ رأسه، الذي كان من المؤكَّد أنَّه لمَّا وقف يحيى على سكَّة الترام عامدًا في مدينة "غوتنبرغ" السويدية، كان في ذهنه أنَّه لن يتراجع هذه المرة كما في مرات سابقة عن مواجهة الموت فيطير النصف المتبقي من رأسه وهو سبب قلقه وتعاسته، فتصرخُ السائقة الشقراء كريسـتينا من مقعدها بأن يبتعد عن السكَّة الحديدية كي لا تدهسه، فتضغط الفرامل بقَّوة، وتنجح في إيقاف الترام على بعد سنتيمترات من وجهه، وقـد تجمـَّدت السائقة مـن الرعـب، وبـدا للـركَّاب جميعهـم أنَّهـا تشتمُه بكلماتٍ غير مفهومة. ابتسم يحيى منتشيًا، وأشار بإصبعه نحوها في طلقة تحذيرية. ولعبا لعبة التعارف، فتبادلا الأسماء وقال لها إنَّ اسمه يحيى، وإن شـاءت أن تناديـه بـ"يوهـان" فلـن يُمانع. وأضـاف ضاحكًا: "محسـوبك يوهـان، الطَّبـاخ الشخصي للسيِّد العظــيم إنغمار برغمان؛ الذي مات مـنذ ثماني سنوات، وُدفن في جزيرة ‘فارو‘ والذي كان يتمنى أن يتبنَّاه لو ما زال حيًَّا ويُصبح طبَّاخه الخاص".

كريسـتينا المُهاجرة مثل يحيى في هذا اللقاء التراجيدي، فبعد أن حدَّثها عن ركوبـه زوارق الموت، وهروبـه مـع أبيـه وأمـِّه إلى السـويد، وقـد توقَـف عـن شرح وجهـة نظـره أمـام مـن يلتقيهـم منـذ أن نـزل مـن سـفينة المُهرِّب الصومالي قيدي في جزيـرة "سراقوسا" برفقة أبيه، وجثمان أمِّه، تُقاطِعهُ وتسأله: "هـل تريـد أن أبـوحَ لـك بسرٍّ خطير؟ أنا مُغرمة بصدام حسين، وأنـَّه لا يوجـد رجـلٌ في العـالم يُثيرهـا في السريـر، ويغـذِّي خيالهـا كامـرأة مثلـه". لكن يحيى صار يُخّطِّط لاسـتدراجها لطاولـة "إيكيـا"، ليجرِّب مُجامعتهـا عليها وهي طاولة العظيم، المغفور له، الصناعيُ الكبير المهيب إينغفار كامبراد حيث تتخلـَّص مـن كلِّ شيءٍ زائـدٍ في جسـمها. لكن يحيى يتساءل كيـف يمكـنُ لرجـلٍ ميـِّتٍ أن يسـتمرَّ بإثارة فتاة حسناء، ممشوقة القوام، بالكاد بلغت عقدها الثالث إلى هذا الحدّْ، وتظـلُّ تتمسَّـكُ ببكارتهـا بكامـل قوَّتهـا، وترفـض إقامـة علاقـة كاملـة مـع أيِّ مخلـوق سـواه. كريستينا تختفي أو تطير من بين يديه، كيف يبحثُ عنها وكيف يجدها؟ فيجدُ نفسه غارقًا حتى أذنيه في تدبير شؤون والده المُصاب بشللٍ نصفي، أقعده على كرسي مُتحرِّك، ومَنَعه من الحركة والكلام، إذ كان هذا مصدر فرح وسعادة له بتوقف أبيه المذيع المشهور حسن عبد الوهاب حسن عن الكلام كعقوبة بحقِّ مذيـعٍ فاجـر، وثرثـار، فيصمـت فجـأةً ويختنق بنشرات الأخبار الكاذبة التي دأبَ على تلفيقها وقراءتِها.

 يحيى يبدو وَلَدًا عاقًَّا يشمَتُ بمرض أبيه، لكن فجر يعقوب يكشفُ سببًا لهذا العقوق بأنَّ والد يحيى كان عرَّاب صفقات فسادٍ كثيرة مع عرابين فَرُّوا مع اندلاع الحرب السورية مثل سفينة الأرز الملوَّث بالإشعاعات وغيرها التي بَلَعَها الشعب السوري، وكشفوا عنها لأسباب تتعلَّق بطلبات لجوئهم. وأكثر ما أثار يحيى أنَّ والده المُذيع كان يستمع لصوته وهو يبثُّ الأخبار من خلال أشرطة الكاسيتات التي احتفظ بها، لكن يحيى ابتسمَ لخبر محلي عن انتحار رئيس الوزراء محمود الزعبي بعيار ناري في منزله بضاحية في دمشق. فجر يعقوب يسرد وقائعَ هي فعلُ تحضيرٍ ليروي مآسي السوريين كما الفلسطينيين إن في زمن عائلة "الضبعين" اللذين طوّرا اسميهما وتلقبا بالأسدين الأب والابن في الحياة السورية، أو في سجن صيدنايا، والفرق بين صابون "سيم" السوري الذي يغتسل به المعتقلون وما بين صابون "برس" السويدي الذي حظي بإعلانات من صنع إنغمار برغمان. غير أنَّ فجر يعقوب وبسخريته التي تنزُّ ألمًا يسري في زمن الرواية وما بعدها من زمن، فهناك مُعتقلون في كلِّ مكان، لكن لا يوجد صابون يواكب حمَّاماتِهم الطوعية بماء المراحيض، ولو تركوا الأمر للجلادين، ربَّما استعانوا في تعذيبهم للسجناء بدهون بشرية لمعتقلين قضوا بينهم في أوقاتٍ متباعدة.

 من البحث عن كريستينا البوسنية، إلى مصادفة في أحد أبنية غوتنبرغ وهو يكتب على جدار شقَّة في بناية شفاه أحمر فتحسُّ ساكنتُها بصرير قلمه الناعم فتفتح الباب، فتراه يحملقُ فيها وتُعرِّفه بنفسها: إنِّهـا سـورية مـن اللاذقية، وهـي لاجئة جديـدة، وانتقلـت إلى مدينـة غوتنبرغ للدراسـة في جامعتهـا. قالـت إنَّ اسـمها لوسـيانا مطانيـوس جبرائيل. كانـت تضـع صليبـًا مُذهَّبـًا على صدرهـا. لم يشرب معها القهوة، تركها ومضى تلاحقه عاهته التي تحدُّ من حريَّته الجسدية، وذهب إلى الحلاَّق المغربي البوعناني المُهاجر مثله ليُسلِّمه رأسه وهو ضامنٌ ألاَّ يفشي سرَّ عاهته التي يظن أنَّ الناس هنا في مهجره السويدي لا شغل لها إلاَّ النظر إلى نصف رأسه المتبقي من رأسه، هذا الإحساس كان ينتقصُ من إنسانيته، ويُولِّد عنده شعورًا بقسوة الشرط الاجتماعي والسياسي الذي صبَّ لعنته على المُهاجرين. كأنَّ العاهة سُبَّة أو عار، فيما هو خطأ قَابِلةٍ لم تُحسن مَسْكَه وهي تسحبُه من الرحِم الأصغر، رحِم أمُّه الخالةُ زوجة الأب، إلى الرحِم الأكبر رحِم الحياة، فيُباغته الحلاَّق البوعناني حين يقصُّ له شعره ويكشف عن عاهته ردًا على أخذ صورة له وهو غافٍ على كرسي الحلاقة. هذه الفِعلة من البوعناني ستُحَرِّر يحيى من شعوره بالعجز والخوف من عاهته ومن تاريخٍ أرهقه وعذَّبه. فيما شبحُ كريستينا التي ما يزال يبحث عنها يلاحقه، فهي كما يُخيَّلُ إليه لم تكـن امـرأةً حقيقيـةً مـن لحـم ٍودم، بـل كانـت مُجـرَّد وهـم امـرأة خرجـت مـن سـحابةٍ عابـرةٍ مَهَّـدت لهـا حالـة الفـراغ العاطفـي التـي يعيشـها.

 الروائي فجر يعقوب لا يرى في يحيى تمثالًا- أَوْ إنَّه أخرج التمثال من جسده لتبقى العاهة سببًا لحركته كجسمٍ كيميائي واجتماعي وسياسي، فنراه يُحوَّل نصف رأسه المتبقي إلى أداةٍ فكرية ومركز استقطاب، وهو يسخرُ من نشرات الأخبار التي كان يُذيعها والدُه والتي يُعيد سماعها رغم شلله، ومن تلكَ المقدِّمة الموسيقية التي تتكرَّر معها مقولة الرئيس الأب: "الوطنُ عزيزٌ وغالٍ". أيُّ وطنٍ وقد فَرَّطَ به بَشرًا وحَجرًا، وها هُمُ السوريون والفلسطينيون في بلدان الهجرة الأوروبية يبحثون عن حماية وعن كرامة، بعدما باعَ الرئيسُ الابن ما بقي من سورية، وفي حربٍ بلغَ ضحاياها أكثر من مليون قتيل، وثلاثة عشر مليون مهاجر في المنافي.

 ليست رسالة غرامية تلك التي وصلت يحيى في البريد الالكتروني السويدي: لقد تمَّ ترشيحكَ لدراسة فن الطبخ مدَّة سنة كاملة. فينخرط في الدورة مع الفتاة الكردية عاطفة، وأوزال التركي، وكارل – أوسكار كبير الطهاة، والإيرانية نيلوفر. لكنَّه يخترع رسالة تهديد وصلته ليكفَّ عن استعمال لحم الخنزير في عجينة الكرات فينسحب من دورة الطبّاخ. ليتفاجأ وهو في سريره في غرفة النوم بصوت طلقة عيار ناري من غرفة أبيه ومسدس ودمٌ يسيل من صدغه الأيمن؛ لقد انتحر الأب وعلى الأرض رسالة كتب أبوه فيها: آسـفٌ لأنَّنـي تأخـَّرتُ عليـكَ حَّتى أقول لك الحقيقة التي طالما عَذَّبتـْك. إنَّ عَمَّتـكَ رضـوى هـي مَـنْ تَسبَّبَ بالضغـطِ على قَحـْفِ جُمجُمتِـكَ الطريـة، في اللحظـة التـي كانـت فيـها الداية تقوم بعقد الحبل السري وقطعه، ولقد هدَّدتِ الداية، وقالت لأمِّك بدون أن تشعر بوخزةٍ في ضميرها إنَّها فعلت ذلك من شدَّة فرحها بالمولود الذي هو أنتْ. وفجأةً يتحَّسسُ يحيى رأسه فيجد أنَّ نصفه قد عاد إليه كاملًا بعد نصف قرن. وشـعرَ بمزيدٍ مـن الغبطـة لمـوتِ أبيـه، ولا يمكنـه أن يخفـي ذلـك، فهـو مديـن لانتحاره العلنـي باختفـاء عاهتـه التـي آلمته نصـف قـرن. كان يجب أن يُطلق النار على نفسه منذ زمن طويل!! ألا يجب فعلًا أن يحتفي بموته علنًًا مع كريستينا؟ كريستينا ميخوفتش التي سيصادفها بعد سبع سنوات في منتجع "كروم الثعلب" الكبيرة وتقابله بفتور اعتبره بمثابة إهانة له. حيث سيلعب مع ممثلين دورًا في مسرحية "الآنسة جولي" من تدريب المُمثِّل والمُخرج المسرحي (بير لينـدسرتوم) مع مهاجرين مثل: ماهيتاب، باباجان الذي ينتمي إلى منتديـات كارهـة للنسـاء منتشرة بكثرة في كنـدا والولايـات المتحدة. مسرحية كادت أن تكشف عن مُمثِّلة سورية نجحت في الاختبار في المشروع، واستحقَّت أن تكون (الآنسة جولي)، ولكنَّها في يوم العرض المسرحي ارتدت الحجاب، ورفضت أن تخلعه فاستبدلها المُخرج بير بصبيةٍ أخرى. كما تلك الرسالة التي يوجهها يحيى لأبيه: إنَّني أؤمـنُ، أنَّ لا سُـلطةَ تفـوقُ سُـلطةَ الخيـال عنـد الإنسان، وسـامحني لأنَّنـي أبديـتُ رغبتـي أكثر مـن مرَّة لأنْ أقتُلكَ!

 فجر يعقوب في روايته "طَبَّاخ إنغمار برغمان" وَضَعَنا في كادراتٍ/ كوداتٍ سينمائية منفصلة متَّصلة، وفي تدفقٍ سيَّالٍ للزمن، حيث غلبت علامات الصُورة العلامات اللسانية. هي نصٌّ لغوي، ومن منظورٍ ساخر، قلَبَ وقَلَّبَ فيها أحداث الواقع، وكشفَ فيه عن اغتراب الإنسان في بلادِ المنفى/ الهجرة القسرية بسبب الحروب، أو بلده، وعلى عدم قدرته على الاندماج العاطفي والسياسي، كون الإنسان لا يملكُ ذاته، بل مِلْكُ طاغيةٍ يَضْربُنا بالحديد والبارود لِيَسرِقَ الذَهَبْ؛ ذَهَبُنا.

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.