}
عروض

"أغالب مجرى النهر": تاريخ مفتوح للخسارة والخوف والجريمة

دعد ديب

9 أبريل 2026




لم يلقَ أدب الجريمة أو الأدب البوليسي اهتمامًا في السرديات العربية، نظرًا لارتباط أجهزة التحقيق والشرطة والأمن بالسلطات الحاكمة، وكونها جزءًا من بنية السلطة القامعة للحرية، لا يُعتدّ بها كجهة قانونية أو حتى جهة حيادية. ورغم ذلك، فقد غامر سعيد خطيبي في روايته الأخيرة "أغالب مجرى النهر" الصادرة عن دار هاشيت أنطوان-نوفل لعام 2025، والتي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية لعام 2026، في اتكاءٍ على التيمة البوليسية للولوج إلى عالمه الحكائي عبر البدء بجريمة حصلت وتحقيق يُجرى في سرد تشويقي منذ عنوانه الملتبس "أغالب مجرى النهر"، كعتبة نصية مثيرة للتساؤل في صيغة تحمل مخالفة للسائد ومغالبة مستمرة له. استمرارية تُبقي الحدث حيًا في وعي القارئ، كونه يحكي عن حدث ما زال قائمًا. فمجرى النهر تيار جارف ملتبس يوحي باتجاه إجباري لما هو سائد من قيم وأعراف لا تُلقي بالًا للفرد، وتؤسس لدكتاتورية الواقع في رمزية مضمرة لسمك السلمون في رحلته المخالفة لمجرى النهر قاصدًا نهايته، حيث يضع بيوضه في تجاور فطري بين الحياة والموت، وهما الثيمتان اللتان اشتغل عليهما صاحب "حطب سراييفو". إذ يبدأ النص في لُجّة الحدث؛ الطبيبة في الحجز ولا تعرف بما هي متهمة به، ومن حوار المحقق جمال درقين يدخل إلى تفاصيل الشخصيات ويقوم بتفكيك علاقاتها مع نفسها ومع الآخرين، عندما يلتقط خط التشويق بجريمة موت "مخلوف تومي" واتهام زوجته "عقيلة تومي" طبيبة العيون، حيث تتقدم مركبة السرد بلسانها على مدى ستة عشر فصلًا، لنراها في غرفة الحجز بصفتها متهمةً بتسميم زوجها، وهي وإن كانت ترغب في موته ولكن تنقصها جرأة الفعل. وهكذا نتعرف على حياتها من خلال تداعي ذكرياتها وحوارها مع المحقق لنكشف تاريخًا من الاستلاب والمهانة بعلاقتها مع زوجها؛ فهي رغم أنها متعلمة وطبيبة تتعرض للطم والعنف النفسي والجسدي أمام أبيها وأخيها بدون أي استنكار أو اعتراض، وكأنها طبيعة الحياة، مما يعطينا فكرة عن الأنساق الثقافية السائدة والواقع المذل الذي تعيشه النساء في تلك المرحلة عشية العشرية السوداء.

تلك الظروف التي كانت إرهاصات لما تلا ذلك، كمهاجمة البعض للنساء السافرات وتنكيلهم بمرتادي المقاهي ودور البغاء. كما كشفت ذكرياتها عن فساد الزوج المقتول، وهو الطبيب الشرعي المسؤول عن إصدار شهادات الوفاة لمن انتقلوا إلى الرفيق الأعلى، حيث تقوم الزوجة بضغطٍ منه على نزع قرنيات الموتى خلال فترة وجيزة من الوفاة، لتقوم هي بزرعها في أعينٍ حيّة وتمنحهم فرصة للحياة والنظر والفوز بمبالغ طائلة تذهب بمعظمها للزوج مخلوف. ومن هنا جاء حوارها مع المحقق بأنها تنتزع الحياة من الموت، وهذا ما اعتبرته الجانب الأخلاقي بعملها، ولكن هل هي القاتلة حقًا؟! ليستمر التحقيق في الفصل التالي، وبِلسان الأب "عزوز خالدي"، من ستة عشر بابًا ولكن باستخدام الحروف الأبجدية.

يتناول الكاتب جانبًا آخر يبدو وكأنه كشف حساب مع الثورة والثوار، ومع التاريخ والشخصيات غير الناجزة، ويكشف عن علاقات الذات والآخر؛ الذات المتشظية ثقافيًا، فهي تعبر بلغة المستعمر، ولكن هويتها منغلقة على تاريخ متخلف بكل النواحي، فعقيلة التومي علاقتها مضطربة بأمها لتعكس علاقة مضطربة مع ابنتها الصغيرة، ليكون مفهوم الأمومة محض استلاب للمرأة أكثر منه حالة فطرية طبيعية في ظل ذكورية مهيمنة.

هناك أيضًا العلاقة مع المستعمر الكولونيالي الذي ولى، لكنه أرخى بظلال استبداده على الواقع الجديد الذي تقنّع بقناع الثورة، وآخر يظن أنه يحتكر الحقيقة الدينية بتقييده لسلوك الأفراد ومنح شهادات الوطنية لمن يريدون ويخوّنون من يشاؤون، ولكن من بيده القرار، ودائمًا المنتصر، يوزع شهادات حسن السلوك على الآخرين. فعزوز الذي شارك بالحرب العالمية الثانية إلى جانب إيطاليا ضد فرنسا، وبعدها انخرط بثورة التحرير الجزائرية، ليُحظى بتهمة العمالة التي تلاحقه وتنزع عنه صفة المجاهد مع حرمانه من مكتسباتها، ويُسجن ويُعذّب ويُوسم بكيِّ ظهره باعتباره حركيًّا، أي واشيًا برفاق دربه، ولكنها "شهلا البرق" المناضلة التي تربعت بمكانة مهيمنة، هي التي شكّت به وبمجموعةٍ من رفاقه بأنهم من وشى بها، فكانت تهمة العمالة حاضرة للجميع، وجاءت العملية الفاشلة لزرع قرنيةٍ لها من قبل ابنته لتكتمل اللوحة والاتهام بمؤامرة مدبّرة.

سعيد خطيبي يقصد أن يكسر ذلك التقديس الأعمى في الفهم الطهوري للثورة، ويحاول تفكيك مفهوم الانتصار والخيانة لقادة جبهة التحرير التي صادرت الحريات الفردية باسم الدين، كجهة سلطوية أنتجت مجتمعًا خائفًا، الكل يخشى فيه من الكل؛ ليكون الخوف كابوسًا يزلزل كيان المجتمع، خوفٌ ذو طبقات: خوف يعيشه عزوز من أن يموت ووسم الخيانة يشوه ظهره منكشفًا للأهل والمحيط لأنه غالب مجرى النهر برفضه تفجير المقهى المملوك لأخيه، وخوف أخيها ميلود من افتضاح سر إنجابه طفلة سفاحًا من امرأة متزوجة، وحنقه على صهره لأنه اعتدى على تلك الابنة "ريما"، وأيضًا خشية مخلوف من افتضاح أمره بحمل "ريما"، وهو الطبيب المعروف والمتزوج، والخوف الأكبر الذي تعيشه عقيلة تومي من زوجها مخلوف وضربه إياها وسرقته لريع عملها. ليكون التساؤل المطروح: هل وفر لها الأمان الاجتماعي والاطمئنان النفسي ذلك الرضوخ والطاعة والاستلاب لمشيئة الزوج وقبولها بالإهانة والضرب؟ إذ إن هذا التحقيق كشف الغطاء عن هشاشتها وأظهرها عارية بلا سند، وأجبرها على أن تكون ذاتها وتطوح بكل علاقات المجتمع التي فرضت عليها بأن تكون أنثى خانعة، فلا بد أن تفضح كل شيء وتعترف بأنها، وإن كانت تقتلع قرنيات الموتى، فهي تنتصر للحياة، وكان انتهاك حرمة الموت بتدبير الزوج المتقنّع بصفة الطبيب الشرعي وراعي بيت الأيتام الذين لم ينجُ منهم أحد من انتهاكه لهم، والشاهد حمل ريما منه سفاحًا.

يتدخل الراوي العليم في أعقاب سرد البنت والأب ليوضح ويشير لبعض الوقوعات الغائبة عن إحداهما، ليوضح ما غفلا عنه أو جهلا به، مثل سرقة "ميلود" لبعض الأغراض من عيادة أخته، وكذلك إنجاب الأب لطفل غير شرعي من "ياقوت"، إذ تأتي الشخصيات الثانوية مكمّلةً للوحة الأحداث ومفسرة لسلوكيات بعضها.

البنت والأب بانتظار بودو، عبر انزياح لشخصية بودو عن "غودو" في "في انتظار غودو" لصموئيل بيكيت، في الانتظار والأمل الذي لا يأتي كنوع من تصحيف الاسم. فالاستلاب الواقع على الابنة عقيلة والأب عزوز، إذ كلاهما يترقبان زيارة "بودو" صاحب الحضور الإعلامي المميز، يترقب كلٌّ منهما لقاءه ليحصل من خلاله على إثبات لأهمية وجوده المتقلقل؛ فـ"عقيلة" تترقب طرح مشروعها ببناء كلية طب بالمنطقة، وأن تظهر عبر التلفزة آملة بأن تلاقي الاعتبار الاجتماعي والتقدير من زوجها والمحيط إثر ذلك، وأنها ليست خاملة، ووجودها مميز وتستحق الفخر. والغبن الواقع على الأب "عزوز" بصفته مناضلًا سابقًا موسومًا بالخيانة، فهو ينتظره ليشهد بما يعرفه بأنه ليس بخائن، ويطمح أن يقوم بتبرئته من تهمة العمالة مع رفاقه، باعتباره رفيق النضال الذي صاحبه في حومات الوغى ومواقع الكفاح، كمناضل يستحق التكريم والتعويض عمّا قدمه للثورة والوطن، ولكن الاثنين خاسران ومتهمان، فهذا الأمل الأخير ذهب أدراج الرياح لأن المنتظَر لن يأتي، فقد تعرّض لحادث وقضى نحبه.

"أغالب مجرى النهر" هي الرواية الخامسة لسعيد خطيبي بعد "كتاب الخطايا"، و"أربعون عامًا في انتظار إيزابيل"، و"حطب سراييفو"، و"نهاية الصحراء" (نوفل، 2022) التي حازت جائزة الشيخ زايد للكتاب (دورة 2023).

العقدة البوليسية في مصرع مخلوف كانت الشرارة التي كشفت دواخل الشخوص التي صاغ خطيبي حيواتها بحرفية مميزة، ولكنه ترك الحدث مفتوحًا، فلكلٍّ دوافع لارتكاب الجريمة، يُحقّ فيها الحقّ وينتصر لعدالة يعتقد بها، لكنه لا يشفي غليل المتلقي بالوصول لنتيجة ما، بذكاء ومخاتلة من الكاتب، كي يستمر التساؤل والحوار بإقحام القارئ في لُجّة الحدث ليكون مشاركًا وفاعلًا في الحدث الحقيقي، ولتبقى بوابة الاحتمال قائمة ومستمرة ما دامت أسبابها.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.