}
عروض

"أوسْمانْتوس": أدونيس عن الزمان والمكان من أعالي جبال الصين

محمود شريح

1 مايو 2026

أدونيس، علي أحمد سعيد، مواليد قرية قصابين، عند عين الشرقية في منطقة جبلة، في محافظة اللاذقية السورية عند الساحل الشرقي للمتوسط، يوم الأول من كانون الثاني/ يناير عام 1930، مالئُ دنيا الحداثة العربية من مسقط إلى طنجة، وشاغلُ أهلها في بلاد الشام، بين مُحبٍّ ومُبغض، ومؤيِّدٍ ومُعارض، وداعمٍ ومُناهض، وراضٍ وحاسد، يقف اليوم، كما على الدوام، وقد تخطّى السادسة والتسعين مطلعَ هذا العام، قامةً مديدةً في الفكر، ومدرسةً شعريةً مستقلةً لوحدها، هو النازلُ من مسقطه عام 1944 لتحصيل العلم في اللاذقية، المنتمي هناك إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذاهبُ إلى تقديم أنطون سعاده في محاضرةٍ له في اللاذقية يوم 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 1948، فإلى جامعة دمشق لدراسة الفلسفة، فالسجنُ في المزّة عام 1955 إثرَ قضية العقيد عدنان المالكي واتّهام الحزب السوري القومي الاجتماعي باغتياله، فالوافدُ إلى بيروت مركزِ ثقل حرية العرب، متألّقًا مع مجلة "شعر" بدءًا من عام 1957، وانفصالُه عنها عام 1963، لموقفه الثابت من التراث، ثم إصدارُه مجلتَه "مواقف" عام 1968، داعيًا فيها إلى الحرية والإبداع والتغيير على مدى ربع قرن، فجاءت مجلتُه اتصالاً بدورية "شعر" وانقطاعًا عنها في آن، إذ انصرف فيها أدونيس إلى الإحاطة بمجمل قضايا الحداثة شعرًا ونثرًا، سياسةً وفلسفةً، أدبًا وفنًّا، مُكمِلاً رؤيتَه النقدية كما وردت في أطروحة دكتوراه رفعها في الجامعة اليسوعية في بيروت بعنوان "الثابت والمتحوّل: بحث في الإبداع والاتباع عند العرب"، ثم أصدرها عام 1973، فكان هذا الأثرُ النفيسُ نقطةَ تحوّلٍ في مسرى النقد العربي، بيدَ أن أدونيس بقي وفيًّا حتى الساعة لتعاليم أنطون سعاده، فلم يخرج عنها قيدَ أنملة. وبدا أثرُ سعاده واضحًا في كل ما سطّر وأذاع وأعلن. وها هو أدونيس اليوم — هو نفسه — يُصدر ديوانَه "أوسْمانْتوس" عن دار الساقي، وفيه دوّن رحلتَه إلى الصين والإقامةَ فيها ضيفًا في منزل الشعراء، فمن هناك، من أعالي جبال الصين، وعند شجرها الخالد الذكر من عَلٍ — الأوسمانتوس — عند الجبل الأصفر، سجّل أدونيس خطراتِه عن الزمان والمكان، فانتبه إلى زهرةٍ ما هي إلّا غيمةٌ عاشقة تبحث عن بروقها، فيما ورقةُ الشجرة لا تسرع في سيرها إلا عندما تسلك الطريقَ التي تقودها إلى بيت الريح، وإن انتبه أدونيس إلى أن "الثقافة الكونية السائدة عينٌ ضربها الزكامُ وأنفٌ هجرته الرائحة".
ومن غرفته في المعهد الذي أقام فيها، لاحظ كيف "تبرع العصافير في رسم النوافذ، وفي تلحين الأفق"، مُدركًا أن الشعر مسافرٌ يبحث عن طرق جديدة لتغيير المعنى. وهناك، عند الجبل الأصفر، حين وضع يديه على جذع صنوبرة، أحسّ كأنه وضعهما على كتف الظن، فقال في نفسه:
صنوبر لبنان يشيخُ عطشًا،
وأرزه يكتب تاريخًا آخر لصليب آخر.
وكان قمر لبنان في مخيّلتي كأنه يخرج من مشفى بناه الحبُّ
خصيصًا للنور الذي يمرض دائمًا،
يظل مريضًا لا يموتُ ولا يَشفى.
بهذه المعادلات الموضوعية يُحيلنا أدونيس إلى ماضٍ رغدٍ في الذاكرة، وإلى مدينة حلمٍ في زمن مفقود، وإلى تمّوز يتأرجح بين بعثٍ وغيبوبة، لكن حلمَ الأمل بإشراقةٍ لا يغيب أبدًا عن باله:
قل لي، أيها البُرعم:
لماذا يشدُّني جذرك إلى العمق
وعطرك إلى الأعالي،
كما لو أنني أتموّج متنقّلاً على فرس الريح؟
وبمختصرٍ مفيد ردّنا أدونيس إلى رسوخ التراث في الحداثة، وإلى صحوة الصراع الفكري حيث نفضُ المخزون الموروث وتنقيتُه من أدرانه.
وفي إشارة واضحة إلى فهمه الدقيق لغرض الشعر، يتمكّن أدونيس من المزج بين الرغبة والذكرى، وكلتاهما عنده أساسُ وجوده، والشعرُ جسرهما الواصل:
ما قبل التاريخ هو في الشِّعر
بابٌ واسع لدخول التاريخ،
شعرُ الطبيعة انبجاسٌ،
شعرُ الثقافة جريان.
وعليه فهو قادرٌ أبدًا على مفردة عباسية في وشاح حداثة ضمن أُفق التاريخ. وهو في كل هذا وذاك لا يتورّع عن دحض الشامتين وردع الحاسدين، وهم كثر:
لم أستطعْ حتى الآن أن أخترقَ الحصارَ
الذي يضربه عليَّ جمهور الذئاب.
لن تستطيع أيها العالم أن تسمعني أو أن تفهمني،
إلا إذا وضعت على أذنيك مصفاةً للصوت
وقرأتني بقلبك لا بأنيابك.
هذه هي مدفعيته الثقيلة؛ سهلٌ ممتنعٌ للعبارة، وهمسٌ خافتٌ للروح، تدكُّ معاقل حاسديه. لكن حلمه — دائمًا — حلمُ عصفور ينام في الثلج لا غطاء له غير جناحيه، يخشى أن يفاجئه نسرُ الواقع، واعيًا لما يحيط بدنيا العرب من محاذير ومخاطر، مُدركًا برؤية استشرافية أن الآتي أعظم:
سمعتُ مؤخرًا أن القمر العربي فتح مكتبًا كونيًّا لبيع أكواخه — تلك التي تنهض على ضفاف الشهوات وفي أعالي الأساطير. ربما لهذا، أخذ المتقاعدون في العالم كله يبنون مشافيَ للأجنحة، ويحوّلون أعشاش الطيور إلى أديرة لسكان الغيم.
أدونيس، لابسُ القنباز الدمقس المهفهف، سارحًا مارحًا في بستان أهله في قصابين، قارئًا المتنبي ومُولَعًا به، ثم جبران فاتحةَ أحلامه على تطويع المفردة، النازلُ إلى الكلية العلمانية في اللاذقية، المعتنقُ فكرَ الحزب السوري القومي الاجتماعي، فإلى جامعة دمشق حيث انهى دراسةَ الفلسفة ولم يخرج منها فكريًّا، فجاءت قصائده إبحارًا في فكّ لغز الكون، وكان نثره ضاربًا في عمق فهم الوجود بعبارة صنوٍ لنفسه، الذاهبُ إلى بيروت مؤسِّسًا للحداثة، الصاعدُ إلى باريس منذ أربعين عامًا، حيث أغنانا برسائل منفاه البعيد، فكان منّا قريبًا ولنا سندًا. هو نفسه أدونيس، علي أحمد سعيد، تمّوز — إله البعث في أساطير سورية القديمة — فوقف مُتمِّمًا لثورة جبران وانقلابيةِ فكر أنطون سعاده النهضوي بلا منازع، ثم انطلق وحده محلِّقًا في فضاء الروح والصراع الفكري، فأعاد إلى الشعر رونقَه وإلى النقد بهاءَه وإلى النثر أناقتَه.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.