يُقال إنّ السارد هو أسيرُ مقدماته، إنّه يستشرف زمنيّة قد تتحقق في حدث يوحي بما يمكن أن يقع استقبالًا. وتلك هي من ضرورات البناء في الحكايات. إنّنا لا نروي تفاصيل ما "رأيناه"، بل ما "حدث" أو ما كان من الممكن أن يحدث. وفي الحالتين معا، نحن نُعيد ترتيب وقائعه وفق مقتضيات حبكة هي الضمانة على وجود محكيّ يتميّز بالتّماسك والانسجام. يتعلّق الأمر ببناء قصة تتخذ شكل "فرجة حياتيّة" مخصوصة تتميز بالبداهة ولا تُثير شكوك المتلقي. إنّها بذلك تضع جسورًا، في الاحتمال السرديّ، بين ما وقع "حقيقةً" وبين معادلاته في التخييل. إنّنا ننطلق من "الواقعيّ" في حياتنا لكي نُدرك سرّ "الممكن" فيها. فلا أحد يستطيعُ بناء عوالمَ في "خياله" من دون الإحالة على ما يمكن أن يكون قابلًا للوصف في "واقعه". فلا يمكن للفظاعة أن تُصبح مرئيّة في الذاكرة إلا عندما تُروى، حينها فقط نُدرك مُخلّفاتها في سلوك النّاس.
ذاك جزء من ميثاق السرد في رواية "عيون بيروت" لعزة طويل[1]. إنّ الفعل السرديّ فيها يشدّ الاستهلال إلى الختم من خلال الربط بين صيغتين سرديّتين، تَعِد إحداهما برواية تُكتب بــ "المباشر"، وتعدنا الثانية برواية ستُكتب في "الإمكان". ولن تكون الفجوة الفاصلة بين البداية والنهاية سوى تمرينٍ على التخلص من "واقع" لا يستقيم وجودُه في الذاكرة إلا من خلال رواية تفاصيله. فكلّ ما يمكن أن يحدث في الرواية موجّه بالقصد السرديّ إلى بناء قصة واحدة قادرة على استيعاب حيوات كلّ الشخصيات. إنّها تشكّل قصصا ممكنة، أو هي برامج لأفعال أُنجزت أو قابلة للإنجاز ضمن مقاطع سرديّة مستقلة: هناك عين كبرى تلتقط ما يفصل بين هذه المقاطع وما يجمع بينها. فنحن نُشبه الآخرين من خلال ما نَنتمي إليه ونُعيد إنتاجه في سلوكنا الفرديّ والجماعيّ.
يتعلق الأمر بمشاهد تُبنى في شكل بورتريهات لشخصيات تستمد سمكها السرديّ من موقعها داخل صوت الساردة: يحدثنا الصوت الحاكي عن نفسه وعن لمياء ورامي وكنان وبيروت وعن الانفجارات والقتل اليوميّ، ويحدثنا عن الوباء وعسف السلطة، ولكنّه يحدثنا أيضًا عن العشق والحب و"لمعة العيون" والجسد المستباح وزيف الشهادة أو صدقها. إنّها حالة من حالات "التطهر"، أو هي حالات "تشهي الإثم"، حيث تمتزج المتعة بالألم، وتمتزج الفظاعة بالأمل. إنّ الشخصيات تُصرّف قصصها الصغيرة في الحب والسعي من أجل لقمة العيش ضمن ما تسمح به هوامش السلطة أو تغض الطرف عنه. إنّها تتحرك في الفضاء السردي وفق مقتضيات البوح: يبوح رامي بساديّته وتبوح لمياء بعجزها وتبعيتها ورغبتها في التحرر، ويبوح كنان برغبته في تأبيد ما هو عابر في ذاكرة بيروت وذاكرة أهلها.
وذاك كان شرط بناء "قصة" قادرة على استيعاب حيوات تختلف في الأسماء بدون أن تكون متباينة في المصائر. فكلّ شخصيات الرواية مستعارة من ممكنات الذات التي تروي أحداثها، "فنحن لسنا أفكارنا ولسنا ذكرياتنا ولا القصص التي عشناها ... من أنا دون ذكرياتي" (ص 65). فما نُمسك به من خلال الذاكرة المباشرة للساردة هو قصة مستمدة من "سجل ثقافي" عام لا تستطيع "الأنا" المفردة وحدها الكشف عن كامل تفاصيله. إنّها صياغة لمصير ذات تتحرك داخل عالم محاصر بالوباء وتهدده الانفجارات في كل لحظة. إنّ القلق والتردد عندها يودعان في تفصيل القول في حيوات الآخرين، فهم مرآتها في السلوك اليومي.
يُصر السرد على إسقاط فاصل بين الذات ونفسها، من خلال الإكثار من "أنوات" مستقلة في محكياتها. إنّ الساردة لا تُدرك حقيقة قصتها إلا عندما يروي الآخرون قصصهم: إنها جزء من قصة رامي في الماضي، وجزء من قصة لمياء في الحاضر، وهي جزء من قصة كنان وقصة أمها في تفاصيل العيش. واستنادًا إلى هذا التمازج تقرر سرد قصتا للآخرين. إنّها من خلال ذلك تنشُدُ خلاصًا عزّ تحقّقه في المتاحِ الفردي.
هذا معناه أنّ العوْدة إلى الشرْط الواقعيّ تتحقق في جميع الحالات خلال السّرد. إنّ الوعي السردي لا يهيمن على أحداث الرواية من خلال "هو" كلية عليمة وموجودة في كل مكان، إنّه يوزعها على كل الشخصيات، فتلك وسيلته لاستعادتها ضمن رواية ستكتب استقبالًا. لذلك لم تكن "الأنا" في الرواية واحدة إلا في الظاهر، أما في جوهرها فهي ممكنات سلوكية تصرفها الشخصيات في الأحلام والرغبات المجهضة. وبذلك كان حديث الساردة عن نفسها مرتبطًا بما يشبه "دفع شبهة أو بيان حق"، فــ"للقصة مفعول التطهير ومفعول الانتقام أيضًا" (ص 15). إنّها تهرب من تفاصيل حاضرها لكي تستحضر ما سبق أن عاشته في الماضي. إنها تفعل ذلك من خلال إسقاط "أنا" جديدة هي العين التي ترى بها نفسها من خارجها، فليست لمياء سوى ممكن من ممكناتها: إنّها تمنح معنى لما لم تنتبه إليه في سعيها اليومي من أجل لقمة العيش.
وبذلك تُعيد الرواية، في تنوع وقائعها، تشكيل حدود "الأنا"، الوعي المركزيّ في النص، استنادًا إلى سلسلة من التقابلات هي عصب الحبكة وشرط بناء كون دلاليّ منسجم، إنّها تُسقط النقيض أو الشبيه بغاية استيعابه ضمن حدود ما يوده هذا الوعي: الساردة – لمياء، رامي- كنان، الطفل في الماضي - الطفل في الحاضر، الوباء - الانفجار الكبير. إنّه رجع صدى لصوت واحد. إنّ الساردة تكتشف نفسها في لمياء: "كأني أعرفها منذ زمن بعيد، أو كأننا عشنا أو سنعيش حيوات متشابهة" (ص12). إنها تستعيد نفسها في صوت لمياء، شهوة ورغبة، وذكرى عابرة في سرير رامي، ولكنها تسقطها أملًا ورغبة في الحياة ومقاومة للزيف في كاميرات كنان.
هناك تراكب بين سجلات الأصوات السرديّة هو الذي سيقودنا في النهاية إلى كتابة قصة واحدة تتناوب شخصياتها على القيام بأفعال تجسد مجمل التقابلات في النص وتدفع بها إلى الإشباع الذي يستوعبها ضمن حبكة تعلن عن كتابة رواية يعرف عنها القارئ كل شيء. إنّها رحلة "أنا" تبحث عن نظيرها في ما مضى من خلال إسقاط حيوات موازية في الحاضر. ومن أجل ذلك تنشر نفسها في وقائع متنوعة تُوزّع بالقسطاس على ذوات أخرى شبيهة أو نقيضة. إنّها تضع فواصل بين ما تصنفه ضمن فعل تخييلي (الروايات الممكنة)، وبين ما تصفه باعتباره حقائق من "واقع" لا يشكّك فيه أحد.
إنّها تستعين بالتخييل لاستعادة "حقيقة" هي ما يشكل "الإنيّ"[2] في حياتها: "هل كانت هذه قصتي التي دونتها أم قصة لمياء أو قصة رامي أو قصة مدينتي المجروحة، لا يهم ففي بيروت دائما ما تتلاحم القصة والتاريخ والذاكرة والصور" (ص 229). إن السرد هو ما يُبدّد الشك والتردد بين ما مضى وبين معيشها في الحاضر، إنّه يمكنها من رؤية نفسها من خارجها. إنّه سبيلها أيضًا إلى الفصل بين العوالم المسرودة: ما تميل إليه أو توده وما تصنفه ضمن الزيف الفردي والاجتماعي. إنّها تسقط بديلا وفق "تركيب سّردي" محكم يقود إلى تشكل إنجازيّ جديد للذات، إنّها تضع مسافة بينها وبين ما عاشته حقّا، وبين ما توهّمته وما حلمت به فقط: "أنا القصة التي أرويها عن نفسي" (ص 66).
إنها ضمير غائب يختفي في أنا صريحة هو سبيلها إلى استعادة نفسها في لمياء: إنّها موزعة بين الهو، الشخصية التي تصفها الساردة، وبين الأنا التي تكتب، إنها "عينيّة" حين ترى من خارجها، ولكنّها "إنّية" من خلال صوت يحكي خارج إكراهات السارد. يتعلق الأمر بطبقات تخييليّة متراكبة الغاية منها هي فتح منافذ جديدة ستقودنا إلى واقع نسيناه في زحمة الكدّ اليومي. ما يُصنّف ضمن "الضابط الاجتماعيّ"، أو "الرّقابة المستبطنة" التي يفرضها العيش المشترك.
ومن أجل ذلك بلورت محكيات صغيرة هي أساس بناء قصة كبرى ليست سوى قصة بيروت وأهلها. إنّ الأمر شبيه بالتداوي النفسانيّ، فلا يمكن للذات العليلة استعادة سلامتها النفسيّة إلا من خلال بناء قصة لم تنتبه إلى تفاصيلها إلا عندما استعانت بــ "أنا" أخرى تروي حقيقة ما وقع: "كانت شابة في أول عمرها، تمامًا كما كنتُ أنا قبل سنوات خلت" (ص11). وذاك هو الفاصل بين الحلم شرط العيش، إنَّ الحلم ليس حقيقة، بل هو إسقاط لحياة مفترضة لا يمكن بطبيعتها تلك أن توجد، ولكنّ السّرد قادر على منحها وجها مشخّصا، كما هي أحلام اليقظة وكلّ ما يبنيه النَّاس في الافتراض.
لقد كانت لمياء (الأنا الجديدة للسادرة) هي الوسيط الضروري من أجل ترميم صورة كانت موزعة على لحظات لا شيء يجمع بينها. كانت منفذها إلى التخلص من تجربة عقيمة لا تذهب إلى أبعد من طاقات الجسد (رامي)، ولكنها كانت هي أناها الأخرى التي ستذهب بها إلى كنان: عالمان متناقضان، ولكنّهما يشكلان حقيقتها وحقيقة بيروت بكل تناقضاها: لن تتحقق "طهارة" كنان إلا من خلال "إباحية" رامي، ولن نتعرف على الطفل كنان (الطفل الناجي من الحريق) إلا من خلال قصة الطفل عدنان (الطفل الناجي من الانفجار)، ولن ندرك هول الوباء إلا من خلال معادله في انفجار الميناء.
لقد كان رامي يبحث عن حقيقة النساء في أجسادهن، كان يرى ما هو موضوع أمام عينيه، كان يريد الذهاب بالحسي في أقصى حالاته، إنه يضع الرغبة في الكلمات الواصفة ذاتها. فالعري التحام، إنه لحظة انصهار الهوَى في الهوَى، إنّه نهاية مسار لا يقود إلا إلى الشهوة ذاتها. إنه الامتلاك الذي ينتزع المملوك من تربته، ولكنّه لا يحييه في تربة أخرى. وكان كنان يبحث عن الصدق في عيونهن، كان مشدودًا إلى ما يود أن يراه. كان يملك نظرة تتجاوز العيان وشاهد، فما لا يُرى هو ما يمنح العين حرّية في رؤية "كلّ" ما تود أن تراه. سيعيد لبيروت ذاكرتها من خلال صور تمثل للكائنات في كل الأوضاع، وسيودي الوباء برامي، لكي ينتصر كنان، وستولد لمياء من جديد في روايتها. لم تتخلص الساردة من طيف رامي إلا عندما كتبت لمياء روايتها، كان من الضروري أن تروي قصتها لكي تبني هويتها، بالإنيّ والعينيّ فيها: "في الليل اختليت بنفسي في غرفتي، تخيلت كنان ولمست جسمي. فكرت في الحب الذي يحيي والحب الذي يقتل" (ص162).
إنّه انشطار الواحد الموجّه إلى استحضار كل صور بيروت الحقيقية والمستهامة، فبيروت لا تُرى في مبانيها وشوارعها وملاهيها، إنها تنتشر في سلوك ومواقف واحتجاجات كلّ ساكنيها. فالمدن التي يجتاحها الطاعون هي النموذج الذي تحلم به السلطات. إنه يطلق يدها لتقرر في مصائر الناس استنادا إلى ما يشيعه الوباء من خوف، لا إلى ما يمكن أن يحميهم من شره فقط.
***
[1] -عزة طويل : عيون بيروت، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 2026
[2] - يشير إلى البعد العيني في الذات. عند بول ريكور تَسْتند العينيّة إلى ما يُصنَّف ضمن الطّبع، و"الطّبْع هو مجموع السّمات المميّزة التي تُمكننا من التّعرف الدائم على كائن إنسانيّ باعتباره هو ذاته"، إنه يشير إلى ما اكتسبناه من محيطنا، أما الإنّية فتحيل على ما يشكل نصيب الأصالة في حياتها، الاستقلالية في القرار والموقف.


تحميل المقال التالي...