}
عروض

"أيتام الجبال": متجذرون في الأرض ومترحلون عنها

صقر أبو فخر

15 مايو 2026
 


تواصل الروائية السورية نجاة عبد الصمد مشروعها الروائي للكتابة عن مكانها الأول، وعن منبتها الأصلي. ويمكننا، بلا مبالغة، أن نُعدّ نجاة عبد الصمد روائية المكان في سورية من دون منازع. وفي هذا الحقل الإبداعي أصدرت رواية "أيتام الجبال" (بيروت: منشورات ضفاف، والجزائر: منشورات الاختلاف، والسويد: دار سامح للنشر، 2025، 398 صفحة). وهذه الرواية هي الرابعة عن تلك المنابت وعن محيطها القريب بعد "بلاد المنافي" (2011)، و"لا ماء يرويها" (2017)، و"خيط البندول" (2023). وأيتام الجبال هم الموحدون الدروز الذين عاشوا في المعازل العاصية في جبل الشيخ وجبل لبنان وجبل السُمّاق وجبال الجليل وجبل حوران. وهؤلاء أيتام التاريخ أيضًا، فهم من دون أب ولا أم؛ فلا المسلمون اعترفوا بأصولهم الإسلامية، ولا هم آمنوا بجميع عقائد المسلمين، بل خالفوهم، وساروا في سبل إيمانية أخرى. ولعل أيتام الجبال هؤلاء أخذوا مقادير من اسم نجاة عبد الصمد: الصمود في معاقلهم والنجاة من الإفناء. ورواية "أيتام الجبال"، من بابها إلى محرابها، رواية عن مجتمع جبل العرب، بقسوته وحنوّه، بمكائده وبساطته، بالنكايات والتحاسد، بالتفاخر والعصبيات العائلية، بالفقر الوافر والغنى المحدود، بالنساء وكره البنات وإيثار الأبناء وقسوة التربية، بالعيش تحت الكفاف وبالأحلام الفائرة والجروح الغائرة، والتطلع إلى الانعتاق. رواية عن مجتمع لا يستطيع أن يجاهر أفراده بإيمانهم الديني بل يستترون بالمألوف؛ عن مجتمع عزلته الجغرافية عن المدائن التجارية كدمشق وحلب، واستلذّ أبناؤه تلك العزلة لأن لا أحد يكشف ما استتر. رواية عن العلائق العائلية وغيرة الأشقاء، وعن الدين والعقائد والقمع والحب والكراهية، وعن العشق المكتوم والأحلام المطوية. عن الحياة اليومية والصحو عند الفجر لحلب البقرة وكيل الحليب وجمع البيض ورفع اللحف والفُرش وتنظيف المكان وجلي أواني الإفطار ثم الذهاب إلى المدرسة والعودة إلى البيت في طريق لا يتبدل، بل يتبدل أحيانًا ذلك العشق الخفي لهذا الفتى أو ذاك.

هذه الرواية، في جنوحها إلى السرد المتدفق بحرارة وغزارة، أقرب، في بعض فصولها، إلى السيرة الذاتية، كأن شخصياتها تنبت من بين رجوم البازلت، أو تتقافز من شقوق الأرض وأثلام الخضروات والقمح. ليسوا أشخاصًا اخترعتهم الرواية، بل أشخاص حقيقيون نسجهم المكان بأسماء مخترعة. ولعلني لا أحيد عن القراءة الصحيحة إذا قلتُ إن هذه الرواية عبارة عن مبنى متكامل بشقق متعددة، مفتوح بعضها على بعض من دون جدر وفواصل؛ رواية وسيرة وتذكرات ويوميات ووصف للأماكن وأدب الرحلة واعترافات متوترة ولغة حانية وحارّة وشاعرية في آن. والبراعة في هذه الرواية أن نجاة عبد الصمد جعلت عناصر الوصف واليوميات والذكريات حجارة ملونة تزين مبنى الرواية، لا حجارة طوب "مدحوشة" فيها كعناصر معمارية لا بد منها. إنها، في مضمونها الآسر، رواية عن عذاب الانعتاق الفردي، وعن مكابدة التوق إلى التحرر الذاتي. وتبدو لي نجاة عبد الصمد حكّاءة بارعة مغرمة بالتفصيلات وجمع المنمنمات من كل زاوية في مجتمعها، ثم إعادة تنضيد قطع الفسيفساء التي التقطتها من بين أكوام الحصى المتوافرة في ذلك المكان. والمكان هنا هو حصرًا السويداء وقراها المتناثرة في تلك الهضاب الوعرة. أما نجاة عبد الصمد فهي المنقّبة الدؤوبة في باطن الأرض عن الآثار الحكائية المتروكة، وعن اللقى المهملة كالعبارات اليومية والأمثال الشعبية التي تطرز كلام الناس في المضافات والشوارع والمنازل المتباعدة في تلك البراري العارية والقاسية.

أرهقتني قراءة هذه الرواية أيما إرهاق. كانت تفصيلاتها الأليمة توقفني أحيانًا عن متابعة القراءة وتتركني لمخيلتي. وحين كنتُ أعود إليها مجددًا، أرجع في كل مرة إلى البداية. وقراءة هذه الرواية، مثل كتابتها تشبه، كما لاح لي، عملية تنقية العدس من الحصى والشوائب؛ إنها تحتاج أصابع مدربة وعينًا ثاقبة وأناة ودراية، ولا سيما أن لغة الرواية ليست مجرد مفردات استعمالية، أي أدوات للسرد والوصف والحكي، إنما هي أسلاك خفية مرصودة لنقل الخوف والقلق والاضطراب والحزن والضغائن والنكايات والغيرة والعشق وجميع عناصر الاجتماع البشري. ولهذا حفلت الرواية، مثل رواياتها السابقة، بمفردات من خصوصيات الكلام في منطقة السويداء مثل "يَعَقْ" (التي تُقال للقرف) و"كحشوني" (أي طردوني) و"تدعثرتُ" (أي تعثرتُ) و"يشخّ" (يتبول) و"كَربَسَتْني" (أي ربّطتني) و"الطواطي" (مقاعد المضافات) و"الطبابيع" (أقراص الجلّة) ودقّسَ رأسينا (أي ضربهما ببعض).

السبيل إلى النجاة

تروي "أيتام الجبال" حكاية عائلة مهاجرة، عائلها وحيدٌ وغريبٌ ولا أقارب له (ص 79). جاء أهل الجدة مُهجة من لبنان في زمن المجاعة (1915)، وارتضى الآباء ثُمنية قمح مهرًا للبنت. والثُمنية (أي ثُمن المُدّ) مكيال يقارب وزن القمح فيه كيلوغرامين (ص 82). كان لسان حال هذه العائلة: نحن لسنا من هنا، بل من هناك. لكن "هناك" بعيد، ولم يعش فيه أحدنا إطلاقًا. ذلك هو جانب من انشطار الهوية في المجتمع الواحد. وقد عاشت سبيل الحفيدة وبنت حسن رافع بين أربعة مطارق: مطرقة الدين وقيوده وجُدُره، ومطرقة الفقر، ومطرقة الشعور بالغربة والضعف لأن عائلة رافع قليلة العدد، ومطرقة الأنوثة (ص 112)، فهي ولُدت بنتًا في مجتمع لا يعتد إلا بالذكور وبحمامة الذكر التي يسمونها العزيز. وهذه البنت التي هدمت "جدار الصف الخامس" سيُقيّض لها أن تصارع تلك المطارق وتنجو بأحلامها، وسيكون ثمن ذلك عذابًا ونفيًا وعدم الشعور بالأمان. وكان والدها المتديّن (من جماعة الأجاويد) يرفض أن تتعلم البنت أكثر من الصف الخامس الابتدائي، ثم عليه أن يُخرج بناته من المدرسة لينصرفن إلى العبادة و"العمل الحلال" في الأرض أو في المنزل (ص 44). وكانت سبيل تصحو في الرابعة فجرًا، وقبل رنين ساعة المنبّه أحيانًا، فتسخّن الماء لتبدأ يومها بشرب المتة، وتوضب الطراحة، وتجلس إلى دفاترها وكتبها. والدها نائم، ووالدتها نائمة، وأختها اشتياق نائمة، والمدينة نائمة، والقطة غافية، والبقرتان نائمتان، والكلب لا ينبح. تدرس الرياضيات وتحضّر الدرس التالي (ص 188). وفي بعض النهارات كانت سبيل تبيع الخضراوات التي تُنتجها الأرض على رصيف سوق الخضار في المدينة وهي ترتدي جزمة الكاوتشوك. وإذا مرّت إحدى رفيقات صفها مع أهلها، أو إحدى معلماتها أو أحد أقاربها، كانت "تقرفص" وتُغطّس رأسها بين ركبتيها خجلًا" (ص 74). وفي المساء، قبل النوم، لا حكايات ولا هدهدات ولا قبلات، بل تتمدد جميع البنات فوق الفراش، وتقرأ كل واحدة منهن الأذكار والأدعية، ثم يتغطى الجميع بلحاف واحد لكل بنتين، أو لكل ثلاث بنات بحسب الحجوم الجسدية (ص 76-77).


لم يسمع أفراد العائلة بعيد الأم (ص 68)، وشناتينهم، أي الكلاسين البيض، مصنوعة دومًا من أكياس الطحين (ص 162)، والأغنية الشائعة التي ترددها الأم على مسامع صغارها هي: "دِبّي كِلي دبّي اشربي، كِلي البنت وخلّي الصبي". وحين تطبخ ربة البيت طبيخًا للضيوف فإن أفراد العائلة يقعدون في انتظار ما يبقى من طعام الضيوف لينالوا عشاءهم (ص 76). وفي هذا العالم الفقير بكل شيء، والغني بالمشاعر والأحلام والتطلعات، كان العِلمُ هو الملاذ الوحيد للفتيات اللشاتي شاء قدرهن أن يولدن في عائلة فقيرة ومتدينة، وكان التعليم حبل النجاة لهن. وحتى في المدرسة كان الظلم يلازمهن؛ فارتداء الزينة كالعقود والأساور والحلق ممنوع، والتبرج ممنوع ولو بقليل من "الحمرة".

الظاهر والباطن

بطل الرواية هو والد سبيل، أي حسن رافع (أبو فارس) الذي تعلم النحو والصرف والخط والإملاء على أحد شيوخ الدين. ولم يلبث أن صار واحدًا من "جماعة الأجاويد" الذين يرفضون العمل في دوائر الحكومة ومؤسساتها، بل يشتغلون في الأعمال الحرة كالزراعة والتجارة والحِرَف، لأن مال الحكومة حرام. هؤلاء لا يودعون أموالهم في المصارف، ولا يسمحون لبناتهم في متابعة دروسهن أبعد من الصف الخامس الابتدائي، لأن السنوات الخمس تتيح لهن تعلم القراءة والكتابة والحساب، وهذا يكفي (ص 110-111). وتبدو "جماعة الأجاويد" متماسكة بالإيمان وبالروابط القرابية والترابية، لكنها، مثل أي جماعة أخرى، مشققة ومقيّرة معًا.  فجارهم أبو عصام انضم إلى الأجاويد، وواظب على حضور مجالس العبادة (مساء الخميس من كل أسبوع) إلى يوم سقطت علبة السكائر من جيبه وهو ينحني ليحتذي مداسه (ص 213)، فطُرد من الجماعة؛ لأن التدخين حرام لدى مشايخ الدين. وتكشف سبيل حسن رافع أن عمتها رحيمة ابتلعتها البئر (ص 61 و623). ربما انتحرت رحيمة بعدما رمت نفسها في البئر (دبّت نفسها فيها). وابنة رحيمة هربت خطيفة مع شخص من غير دينها وضاعت آثارها. واكتشفت سبيل أن إحدى صور عرس والدتها غزالة نُزعت من الألبوم، وكان يظهر في تلك الصورة إبن عمها أحمد وهو يقود فرس العروس. لكن، أين أحمد؟ لقد انتحر. والمنتحر كافر، لذلك نُزعت صورته من الألبوم. وكان أحمد مجندًا في الجيش، وعاد إلى منزله العائلي في إجازة، ودخل على والدته التي كانت تخبز في التنور قائلًا لها: أريد رغيفًا. فأجابته (مازحة على الأرجح): ريتك تاكل السَم الهاري. فذهل أحمد من الجواب القاسي، وخرج من مكان الخَبيز، ثم وُجد مرميًا على الأرض ورائحة الديمول تفوح من فمه (ص 351). حتى والدها الصارم تجاوز صرامته بعد موت والده فارس، فانهمر الدمع من عينيه مع أن البكاء مكروه؛ فالموت حق. وقد استرقت سبيل السمع إليه مرة وهو يغني خفية أغنية "عتاب" للمطربة فيروز التي يقول مطلعها "وقِّف يا أسمر في إلك عندي كلام، قصة عتاب وحب وحكاية غرام". ولاحقًا اكتشفت سبيل أن والدها كان يخفي حنانه خلف قسوته، وهو لم يعانقها مرة، ولم يقبّلها على خدها إلا حين نجحت في شهادة البكالوريا (ص 269) لأنه يعتقد أن المحبة لله وحده، ولا حق للأب في أن يحب أولاده، بل يشفق عليهم فحسب (ص 394).

قال لها والدها: "ارتكبتُ غلطتي الأولى يوم قبلتُ أن تظلوا [هي وشقيقتها] في المدرسة بعد الصف الخامس" (ص 310)، لكن بدءًا من اليوم لا ينزل الإيشارب عن رأسيكن، لا في النهار ولا في الليل (ص 44). والتزمت البنتان هذا الأمر. غير أن سبيل خلعت الإيشارب ما إن وطئت قدماها مطار موسكو في طريقها إلى دراسة الطب في زاباروجيا، كأنما الارتحال هنا يعادل التحرر. وكان والدها يراها "عاصية" وستذهب "إلى جهنم كَرْفَتَة" (ص 292) أي دفعًا دفعًا. وشتمها مرة بقوله: "الله يلعن خلقتك الكريهة" (ص 183). وفي هذا العالم الممعن في قسوته جاء سفرها زلزالًا على عائلتها (ص 25)، وكان الوداع الحارق، لا لحرقة الغياب في حد ذاته، بل لأنها حين جاءت لتودع والدها "لم يقف وأنا أخطو إليه. لم يتحرك (...). عيناه حمراوان لا دمعًا، إنما غضب خالص (...). لن أنجو من نظرته تلك حين سأصير في تابوتي. أنا كومة رعب تتدحرج نحوه لا خوفًا منه بل عليه". وتقول له: "بخاطرك يا بيي" فيجيب: "أنا غضبان عليكِ. البنت إللي بتدعس على كلمة بيها وعيلتها والأجاويد مش بنتي ولا من عيلتي. الله لا يسهل لها". وحين اقتربت لتقبل يده لم يمد يده إليها، بل حبسها عنها، وخذلتها تلك اليد المجبولة بالكدح (ص 24). وفي ليلتها الثانية في موسكو صرختْ من أعماقها: "اشتقت لك يا بيي. أنا في كرب يا أبي. كربي عظيم. رُح من رأسي يا أبي لأنام" (ص 12). أما والدتها فهي "رزينة حد الضجر، لا تتغير نبرتها إن حكت عن النِعم الكبيرة أو الرزايا كاسرة الظهر. لا تبرق عيناها لنجاحنا، ولا تذبلان إن مرضنا. لا أحب أمي ولا أكرهها" (ص 345). لم تقل لها أمها مرة: "أحبك (...) ولم تقل لي أكرهك (إنما زارني كرهها في جز شعري وفي كَرْبَسَتي بالحبلة، وفي تفريقها بيننا: اشتياق أجمل، دعاء أهضم، سبيل قد بقرتنا صبحة" (ص 346).

كانت والدتها تضعها في حضنها لتمشيط شعرها بالمشط الخشبي والخيط الثخين الذي يتخلل أسنان المشط. وكانت سبيل تتمنى أن تستمر أمها في الالتصاق بها مع أنها تتوجع من التمشيط، وتسأل الله أن تعيدها والدتها إلى حضنها حين تنتهي عملية إزالة القمل (ص 34). وتصرخ سبيل بعدما أوشكت على التخرج طبيبة من جامعة زاباروجيا: "هل هززتِ سريري وغنيّتِ لي لأغفو ولو مرة؟ أو هل أمسكتِ بيدي تعينيني على المشي حين ضاق مهدي عليّ؟ ورحتُ أكبر أمامكِ في بيتنا على مرمى شهقة منكِ وأنتِ تُكتّفين يديك عن احتضاني (...). لماذا تخليتِ عني وأنا احتاجك؟" (ص 347). ولم تتورع سبيل عن الاعتراف: "أنا أكره أمي" (ص 20) و "أحب خالتي بستان أكثر من أمي" (ص 348). لماذا؟ لأن أمها غزالة ربما أحبت قبل زواجها معلم المدرسة الأستاذ نايف ولم تحب زوجها حسن (ص 200). و"عندنا يقولون: إللي ما بتحب جوزها ما بتحب أهله، ويمكن حتى ما تحب أولاده منه" (ص 347).

الأنوثة والعيب

أي  ألم حلّ بهذه الفتاة؟ أي عذاب تسربلت به في طفولتها وفي شبابها؟ أي مكابدة تحملتها جراء الصد والرفض والاستبعاد؟ حتى في السكن الجامعي في دمشق كانت معها فتاة محجبة، فاستأذنتها مرة في تسخين إبريق المتة على موقد الغاز الذي جلبته تلك الفتاة معها من بيتها، فسمحت لها وهي متكدرة. ولما أعادت سبيل موقد الغاز إلى مكانه، بادرت رفيقتها إلى تنظيفه بالليفة والصابون سبع مرات للتخلص من نجاسة هذه الدرزية (ص 288). وكانت سبيل تربت في منزل أهلها في حي الأجاويد، والحديث عن الجسد محظور تمامًا. الأنوثة ذاتها عيب، والصمت عنها هو التعبير الصريح عن عدم الاعتراف بها (ص 244). فالفرج اسمه "هذاك المطرح"، وحمامة الطفل تدعى "عزيز" (ص 245). ولما قرأتْ في كتاب لغسان كنفاني أن فتاة فدائية كشفت لرفيقها الفدائي أن السجانين الإسرائيليين ضاجعوها في السجن تسعة أيام، غرقت في تخيّل تلك المضاجعة وتساءلت: هل استمتعتْ تلك الفدائية؟ وعاشت في خيالات الصبا أوهامًا عن فتية أحبتهم أو تخيلت أنهم يحبونها أو حلمت بوصالهم أمثال فوزي البدوي وعدنان وأسامة ونشأت وعماد ونبيل وجمال الذي انتحر. أما الحب الصامت والمكتوم فكان لرفيقها تميم الذي سيصبح زوجها في  ما بعد، والذي أشعل جسدها عند نهر الدنيبر. وهناك وصفت تجربتها العاصفة معه، في ليلة رأس السنة، وصفًا شهوانيًا ملتهبًا لم يصل إلى جمالياته أفضل أفلام الغرام الراقية والجريئة والباهرة معًا (ص 221-223).

جاءت سبيل طالبة إلى جمهورية أوكرانيا السوفياتية فتخرجت بشهادة عليها ختم أوكرانيا من دون عبارة "السوفياتية". لقد انهار الاتحاد السوفياتي وتفكك. وفي حفل التخرج لم تنشد النشيد الأممي للاتحاد السوفياتي، بل تنشقت البخور المتصاعد من مباخر رجال الدين الأرثوذكس. وبعد سبع سنوات من الدراسة في المنفى البعيد، كانت حصيلة هذا الاغتراب ما يلي: مصطفى المغربي شنق نفسه في السكن الجامعي. لوسي ماتت بعد عملية تجريف للرحم. خالد اللبناني صار في مستشفى الأمراض النفسية. المرأة الكولومبية التي تركت أسرتها ووالديها وجاءت إلى الدراسة، أنجبت طفلًا من رجل غريب. أما مصائر بعض رفاقها السوريين فكانت كالتالي: نبيل دهسه الترامواي. عادل هاجر إلى فنزويلا بعدما تزوج فتاة من غير ديانته، وأيقن أنه لن يستطيع مواجهة غضب عائلته. صبحي الذي صام عن النساء وثابر على الصلوات، بدأ يتعاطى الكحول قبل تخرجه. جبران الذي فشل في دراسة الطب اشتغل في بيع الشاورما. علاء الذي فشل بدوره في دراسة الطب تحول إلى العمل صرافًا للعملة (ص 384).

حطمت سبيل رافع في هذه الرواية الأقفال الحجرية التي كانت تجثم على جسدها وكيانها. ولم تترك زاوية في حياة تلك الأنثى المعذبة إلا أضاءتها، كأنها لم تُرد أن تترك قصة إلا وترويها. ولعلها، باعترافاتها المشبوبة، أزاحت عن كاهلها صخورًا غشيمة، وعن صدرها قناطر من تعب السنين. لقد روت نجاة عبد الصمد حكاية سبيل، وهي حكاية العذاب والتحدي التي يمكن أن نجد بين صفحاتها حكاياتُ كثيرٍ من النساء في دنيا العرب وذلك في مدائنهم وأريافهم وفيافيهم وقفارهم.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.