}
عروض

"غزة حليب الآلام": يوميات أخرى عن محرقة غزة

راسم المدهون

18 مايو 2026

تجارب كتاب وفناني ومثقفي غزة في تسجيل وقائع أحداث المحرقة التي تعرضوا لها ولم تزل دائرة في مدنهم وقراهم ومخيماتهم، التي سويت بالأرض، وفقدت ملامحها وتضاريسها، خلال السنوات الثلاث الأخيرة، عكست رؤى متنوعة، وفيها كثير من صور الاستجابات الفردية وتفاصيل ما مرّ من أحداث مروعة أطاحت بمصائر الناس ومزقت كل أشكال الحياة في تلك الجغرافيا التي تعج بالبشر.
الكاتب والفنان الفلسطيني علي أبو ياسين سجل صورًا ومشاهد من تلك الحياة في كتاب أراه خارج التجنيس الأدبي التقليدي، فهو يتنقل بين فن القصة القصيرة التي تروي وقائع محددة لها أبطالها من الرجال والنساء، وتلاحق مصيرهم، وبين تقديم قراءات سياسية لها طابع التقرير والتسجيلية، أي أنها تتكئ على أدوات تعبيرية تختلف وتتباعد، ولكنها في اختلافها وتباعدها تخلق وحدتها الموضوعية من خلال نجاحها في بناء سردية جمالية لما حدث هناك، سردية تعيد تقديم صور الصراع البشري بين الحياة والموت، أو بالأدق ملاحقة مشاهد عنف الحرب التدميرية، وما يجري خلالها من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية على نحو غير مسبوق.
الكاتب، وهو المقيم في قطاع غزة، يبدو في كتابه "غزة حليب الآلام" في حالة انتباه تام لما يدور، ليقدم صورة أكبر لمشاهد تعكس حقيقة ما جرى، وتفاصيل حياة الناس اليومية في ظل الحرب، وبعض ما فيها من شهادات سردية بالغة الحيوية والتعبير عن وقائع يومية يعيد سرد تفاصيلها، وما وقع خلالها، خصوصًا تلك القصص التي تابعت تفاصيل رحلات يومية قام بها أبطال قصصه الواقعية حين وجدوا أنفسهم في كل مرة يواجهون الموت بآلة القتل العسكرية في رحلات بحثهم عن الطعام والماء، وما تشهده عادة من صراع قاس للحصول على قليل من الطعام البسيط، وعلى الماء، كي يظلوا على قيد الحياة. الكتابة هنا تأتي من خلال سردية قصصية نراها أبلغ تعبيرًا عند الكاتب حين تنتظم وقائعها في سياق فن القصة وأساليبها، فتأتي محملة بجماليات أعلى، وتمتلك تشويقها وتماسكها أكثر من تلك التي غادرت أسلوب القصة، والتزمت بالسرد الصحافي، أو شبه الصحافي. في القصص، توقفت طويلًا أمام قصة تحكي عن رحلة دامية عاشتها أم تبحث عن ابنها الباحث في رحلة قاسية عن الطعام، لتصطدم بمشهد بالغ القسوة، حين تفاجأ به قتيلًا تتناهشه الكلاب المسعورة الضالة.




قصة أعادتني لقصة الكاتب الأميركي الشهير جاك لندن "كلوندياك"، التي صورت الصراع الدامي والصفري بين الرجل الجائع والوحش الجائع، الصراع في تلك القصة كان يقود المتصارعين الى هدف الانتصار، أي إلى نتيجة نهائية وحيدة، هي أن يأكل أحدهما الآخر لتنتهي القصة بانتصار الرجل على الوحش في لحظة يأسه من الجوع والتعب في العاصفة الثلجية القاسية.
في تلك القصة، تبدو القسوة نقطة الحدث ومركزه، وهي هنا قسوة تطاول كل التفاصيل، وتقارب مصائر حتمية تفرضها الحرب التي خرجت عن كل مألوف، بل خرجت عن كل تقاليد الحروب الكبرى، بما شهدته أحداثها من مشاهد إبادة استهدفت تدمير الإنسان والحياة معًا، وكان عنوانها إزاحة وجود الفلسطينيين كشعب وكأفراد، وفي صورة بالغة الوحشية. هنا تنتبه الكتابة إلى تقديم بعض ملامح ما هو غير مألوف وغير قابل للتصديق، ولكنه على العكس صادق وحقيقي وتسجله عدسات التلفزيون وتعرضه ليل نهار كما نسمع ونرى.
هي تسجيلية تنتبه إلى قوة الحدث، وإلى كارثة أنه يتحول إلى واقع يومي يعتاده البشر في كل أرجاء العالم، ويتحول إلى خبر يومي عادي يألفونه باعتباره حاضرًا بصوره وتفاصيله، وأيضًا باعتباره تكرر ويتكرر أمام أعينهم آلاف المرات من دون أن يجد من يقف من عالم اليوم أمامه بجدية لوقفه ووضع حد له.
علي أبو ياسين يرسم صور تلك القصص وما فيها من وقائع منتبهًا إلى التفاصيل الصغيرة والجزئيات البسيطة التي تشكل جوهر تلك السرديات الإنسانية وقوامها وهو يعيد تلك السرديات لنا وقد صارت حكاية بلاد منكوبة بالحرب، بلاد تنام وتصحو في ظلال القنابل وقصف الطائرات، وإزاحة الأبراج والأبنية من الوجود، وإحالتها إلى قبور جماعية تدفن آلاف الرجال والنساء والأطفال، وتمسح أسماء عوائل بكامل أفرادها من السجل المدني نهائيًا وإلى الأبد. الكتابة هنا حالة تناوب مع الأحداث الحقيقية، تتبادلان الحضور وتتكاملان في أسلوب الحضور وهي تحقق هدفها بصدقية تعبيرها عما جرى من دون زيادة، أو تهويل، وفي لغة بسيطة مباشرة ومشحونة برصيد كبير من الإنسانية والسلاسة.
هي تجربة أخرى بعد التجربة الهامة للكاتب الروائي عاطف سيف في يومياته عن حرب غزة، والتي حققت حضورًا متميزًا فتح أبواب التعبير أمام الكتاب ممن عاشوا الحرب الراهنة في غزة ويجدون أنفسهم قادرين على استعادة صورها وحقائقها في نصوص أدبية تحفظ تلك الحقائق في كتب ليس ضروريًا أن تلتزم بسردية تسجيلية فقط، بل تغامر بكتابات إبداعية تملك جدارتها وقدرتها على رسم الحرب وتفاصيلها، وما فيها من قسوة وتدمير منهجي وصل حدوده القصوى، وشكل تحديًا هائلًا لحاضر العالم ومستقبله على حد سواء.
علي أبو ياسين في كتابه "غزة حليب الآلام" يرى المأساة في صور محرقة غزة المستمرة، فيستعيدها بصدقية جارحة تنزف وترسم حزن نكبات تتلاحق كل يوم وكل ساعة، صور تقارب المأساة، وتحترف الأدب بحميمية وصدق يقدم لنا الحقائق في لغة تعبيرية نابضة بالحياة في مواجهة القتل اليومي والتدمير المستمر، وهو كتاب يشكل إضافة هامة وجميلة وتحتاج إليها الحياة الفلسطينية والعربية، على حد سواء، في زماننا المثقل بحروبه وفجائعه اليومية.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.