يقول غاستون باشلار: "عندما نسترجع الذكريات يسقط الواقع بضربة واحدة". فهل إن علاقة الذاكرة بالضرورة هي علاقة محو أحدهما للآخر؟ أم إعادة بناء؟ أو لعلّه اندماج؟ أم هي حالة نفسية غير سوية حينما لا تعرف الأنا أين تقف من ضفة وجودها هنا أم هناك؟
لحسن الحظ أن هناك عالمًا يسمى الكتابة السردية، من دخله يُرفع عنه القلم كمجنون في قرية لا تعرف ماذا تفعل بالمجانين. فيُسمح له بالهذيان والقفز من زمن إلى زمن عبر حبل السرد. وهو حبل غير مأمون العواقب، فمثلما يساعده على القفز فإنه سرعان ما يتحوّل إلى أنشوطة لشنق النص وراويه.
في رواية "اسمه الأسمر" للكاتب العماني محمد الشحري (دار الآداب، 2025) حبل سردي مشدود بين أزمنة تتمايز عند مغيب عناصرها، وتتمازج حينما تتنافر شخوصها. إنها مساحة للتذكر لا يعرف راويها على أية ربوة سيقف، وهل أصلًا هناك ربوة للراوي كي يكون محايدًا في معارك تتناسل في الأمكنة بأشكال شتى، فلا يكاد يهرب من واحدة حتى يتورط في أخرى.
بطل الرواية شاب عماني سليل أسرة محت ملامح وجودها الاجتماعي العبودية والقمع السياسي والحلم بالثورة والتغيير. هو سليل أب انتمى إلى الإسلام السياسي فغيّبه الاعتقال، وخالٍ انتمى إلى جبهة يسارية وطنية في منطقة ظفار، الذي يسكن معهم بعد هجر أبيه لهم. الخال هو ملهم الأسعد، ولكنه ليس مثله. لم يتزوج بعد استشهاد حبيبته البحرينية في بيروت أيام النضال. وقد خاض تجاربه الحاسمة مع الرفاق وضدهم حتى اعتقل. وغلب عليه الزهد حتى خرج من الحياة نهائيًا عندما خرج من المعتقل، ليجد في بيت أخته (أم أسعد) الدفء والسلام، ويواصل حياته مع هذه العائلة المفتونة بسلطة قد شرّدتها.
تمرّ الأيام مريرة، وتتحسن شيئًا فشيئًا، وبعد البكالوريوس يسافر الأسعد إلى تونس لإكمال دراسة الحقوق، وهناك سيعيش الحب ونزعاته الفردية التي ستجعل من جسده فرسًا جامحًا للتجارب مع حبيبته عفاف التي يسميها شرقستان، والتي سيخونها مع فتاة جزائرية. سيستفيد أسعد من الاختلاف البنيوي بين المجتمع التونسي وعُمان ليعيش ما استطاع من شبق ونزق، ويظهر في صورة الذي يعوض بغزواته الجنسية في تونس عن حرمانه في ظفار، فظهر بشخصية البطل الغازي على شاكلة مصطفى سعيد في "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح.
يعود الأسعد إلى بلده بعد خيانة عاطفية مدوية في الذات وخارجها لحبيبته شرقستان، ليظل فترة بلا عمل ولا أفق، وفي لحظة تجمع بين الخيانة والبراغماتية لرفاقه في اعتصام في ظفار مطالبًا بحقوق اجتماعية تراكمت سنين، سيجد الأسعد نفسه في أحضان السلطة مسؤولًا كبيرًا في المؤسسة الأمنية، وسيمثلها في مؤتمر أمني في تونس، وهناك سيلتقي بشرقستان بعد غياب طويل طمرت خيانته لها بئرًا كانت تنضب بالحب، ويأتي هذا اللقاء لتنضح هذه البئر في وجدانه من جديد.
أثناء هذا السرد لحكاية أسعد سنتعرف على مسيرة خاله علي الذي عاش أيام ازدهار اليسار بين ظفار ودمشق وبيروت وعدن، وأيضًا سنعرف تفاصيل تغييب أبيه. سنتعرّف على جانب من تاريخ عُمان السياسي في الفترة الحديثة. كل هذا يجمع شتاته هذا الراوي المثقل بالحكايات في عالم سردي واحد.
وكأنّ هذا الراوي قد جاء من بعيد محمّلًا بالذكريات وأراد أن يحكيها كلها ولا يترك فوق كاهله ما يؤرقه. أراد أن يعترف بالخيانة والظلم والحب والحلم وعقده النفسية وخيباته وسقطاته وكؤوسه ونصوصه... جاء ليفرغ جوفه لأنه مريض ككل الرواة الذين يأكلون من الذاكرة ويبكون على الواقع.
ورطة صنعها محمد الشحري لراويه وتركه يتخبط بين الأزمنة والأمكنة. ولكن الشحري اخترع راويًا عنيدًا وخبيثًا، لأنه راوٍ عليم عندما يريد أن يختزل الأحداث ويقترب من المؤرخ والصحافي، وهو راوٍ بطل عندما يريد أن يقترب من السرد ومن الأدب.
والراوي العليم يدير عالم السرد وحده كإله، لذلك لجأ الشحري إلى التاريخ كي يلجم الخيال بالواقع، فحدّد الفصول تحديدًا تاريخيًا يقفز فيها من عشرية إلى أخرى. وحبل القفز هو الشخصيات، ففي كل مرة يلج أرشيف شخصية يفتش فيه عن شيء يعرفه سلفًا ويريد أن يقدم عليه دليلًا جديدًا كي نقتنع بأن ما حدث كان معاناة. أما تقنية السرد فهي التوازي في تقديم الحكايات حتى يأتي عليها بشكل متوازٍ وسلس. وهي تقنية أتقنها الكتاب الأميركيون اللاتينيون، وعلى رأسهم فرغاس يوسا وأيضًا بادورا وغيرهما. وملامح العالم السردي اللاتيني غير خافية في "اسمه الأسمر".
نحن أمام كاتب لا يريد أن يكتب حكاية ليصنع عالمًا، لأنه ببساطة وجد عالمًا محكيًا فلم يصدقه. فالكاتب هو ابن ظفار، فُطم على حكايات ثورة لم تكد تبدأ حتى انتهت، فكانت حكاية ناجحة لثورة فاشلة. ولكن هذه منطقة لم تهدأ، وظل حراكها السياسي يشبه البركان، يعود في كل عشرين سنة مرة، وفي كل عشرين سنة قصة نضال يجب أن تُحكى.
ولكن ما ميز محمد الشحري في روايته "اسمه الأسمر" أنه لم يكتف بسرد البطولات والخيبات، وإنما فكك فكرة النضال نفسها، ليسائل الأسعد خاله عن جدوى النضال. وينتهي خاله في النهاية وسيطًا حكيمًا بين السلطة والمعتصمين الشباب، وليفهم من خاله بعد فوات الأوان أنه كان يمكن أن نربح الوقت والعذاب والسجون لو كان هناك عقل رشيد.
يسائل الأسعد الأجيال التي مضت، والتي احتكرت فهمها للعالم والثورة والوطن بنفس المستوى ونبرة الخطاب التي يسائل بها السلطة نفس الأسئلة وأشد. وكانت المساءلة تهدف إلى التفكير في المستقبل، لا العودة إلى الماضي في شكل ثارات لا تنتهي.
تونس في الرواية هي أيضًا حالة وجدانية وسياسية ورمزية مرتبطة بتجربة محمد الشحري نفسه الذي قضى سنوات دراسته الجامعية في تونس. ولأن تونس حالة وجدانية جاءت كبديل عاطفي، فقد ارتفع منسوب الخيال الجامح في متن السرد. تونس ليست كظفار حالة سياسية وتاريخية ووجدانية أصيلة، تظل جرحه والدواء معًا، فكان حذرًا في الخيال، مطنبًا في التاريخ. في ظفار الراوي على أرضه ووطنه فلا مكان للخطأ، أما في أوطان أخرى عابرة مهما تكن عزيزة فيجوز الشطح وحتى الخطأ. لذلك فإن موت شرقستان في تفجير إرهابي في تونس يمثل تخلصًا من وهم تحقيق الجنة خارج الوطن، فلكل وطن حروبه وعوراته ومآسيه. فموت شرقستان هو موت العنصر الجميل في هذا العالم، وضرورة الاستفاقة من السكر الذي يطيب ويحلو في المطارات، وبالوصول إلى أرض الوطن نعود إلى الواقع لننظر إليه بعينين مفتوحتين.
والملاحظ أنه رغم إتقان الشحري للهجة التونسية ولجغرافيتها بشكل كبير، إلا أنّ الكثير من المعطيات المرتبطة بالإثنوغرافيا التونسية تحتاج تدقيقًا. وهذا لا ينقص من النص السردي شيئًا. وهذا جزء من ارتخاء الحبل السردي للراوي كلما ابتعد عن واقعه الذي تأصل فيه وأراد أن يلبس الخيال لبوسًا واقعيًا. لقد نجح الراوي في أنثروبولوجيا ظفار لأنها واقع محض، وضعف في الجغرافيا الثقافية لتونس لأنها خيال أو أقل قليلًا.
"اسمه الأسمر" من النصوص التي لا أعتقد أنها تُكتب بالنهار، إنها نص ليلي بامتياز. فلا نجد وقتًا في النهار لهذه الترهات التي يرويها هذا الراوي المضطرب عن النضال والثورة والرفاق. هو نص ليلي لأنه نص للتعرّي أمام الذات المفردة والذات الجمعية. هو دفتر لجرد الحساب مع تاريخ الأنا والنحن. إنه سباحة بين ضفتين حد انقطاع النفس، بين ضفة الذاكرة المريضة والواقع الذي لا يريد أن يتعافى. لذلك اخترقت هذه الرواية جدلية التخييل باعتباره أفقًا وملاذًا آمنًا للذات، والتسجيل باعتباره واجبًا مقدسًا لذات رأت وسمعت.
في هذه الرواية نحن أمام ثلاث وظائف للراوي، أخفق في بعضها ونجح في الأخرى. الراوي الحكّاء الذي لا يحتاج إلى حلف اليمين كي يقول إن ما أرويه قد حدث، لذلك هو في حلّ من الأزمنة والأمكنة والأحداث. ثم الراوي الشاهد على ما حدث، الذي يروي بحذر خوفًا من الرقيب لأن هاجسه الحاضر وليس الماضي ولا حتى المستقبل. وراوٍ مؤرخ يخفي أسئلته في الحكاية لأنه يعلم كما قال بول ريكور إنه "لا يوجد ماضٍ ما دامت هناك ذاكرة"، فهذا الراوي الأخير يحاول أن يفكك الماضي بعقل الحاضر وأفق المستقبل.
"اسمه الأسمر" رواية تريد أن تتخفف من اللعنات والشتائم والدسائس والخيانات لتفضح شخصياتها وتجرّدهم من سلاح المثقف الاستراتيجي، وهو الأيديولوجيا، لتعيده طفلًا لا يفهم شيئًا وتجبره على البدء من جديد في رحلة الفهم الطويلة، لأن رواية التاريخ لم تكن واحدة ولكننا صدقناها. يقول ن. بونابرت: "إن التاريخ هو النسخة التي اتفق الناس على تصديقها".
* كاتب تونسي.


تحميل المقال التالي...