من خلال أربعين مقطعًا سرديًّا (مرقّمة)، وثلاثة أجزاء أطولها هو الأول إذ يبلغ (277 صفحة، من أصل 315 هي صفحات الرواية) يلحظ قارئ رواية الكاتب المغربي حسن أوريد "اللّاروب" (دار نوفل) اختلاط قضايا وهموم ذات مناحٍ متعدّدة، بتعدّد الطابع والاهتمام، وتداخلها وتوزّعها بين السياسي/ الوطني والاجتماعيّ والفكري- الثقافي والفنيّ، وحتى الاقتصاديّ، كما يلمس أيضًا كيف تتعدّد فيها الأصوات وأساليب السرد (الروي) ما بين الحكي والحوارات، وأغلبها بالمحكية المغربيّة الدارجة، الجماعية والفردية (المونولوج) والاتكاء على النصوص ذات المصادر المتنوعة، من شعر عربيّ قديم أو حديث، وأمثال ومحكيّات من الموروثات العربيّة وغير العربية، والأغاني الشعبية كما هي الحال مع أغاني فرقة "ناس الغيوان" المغربية، وأغاني الشيخ إمام الشهيرة وأم كلثوم ومحمّد عبد الوهّاب وفريد الأطرش، كما سيتبيّن لنا ذلك لاحقًا.
لكنّ أول ما يفاجئ قارئ الرواية لجهة بطلها، هو اسمه، حيث يختار له الروائيّ اسم (محمّد بنّيس)، وهو كما نعلم، ولا بدّ أنّ الروائيّ يعلم أنّ هذا هو اسم لشاعر المغرب المعروف بل الشهير محمّد بنّيس، والأكثر مدعاة للاستهجان والتساؤل هو أن يكون هذا "البطل" الروائي جاسوسًا يعمل لمصلحة "الإدارة الاستعمارية الفرنسية"، يتجسّس على روّاد حانة "سنترا" في الدار البيضاء، هذه الحانة التي هي "أكثر من كباريه، بل عشّ زنابير يرتاده الهامشيّون، ولكنّهم هامشيّون خطرون، يُعبّرون عن توجّهاتٍ، لا تملك الإدارة الفرنسيّة أن تقف على خباياهم، بالنظر إلى لغتهم المستغلقة..."، فلماذا اختار المؤلّف هذا الاسم وهذا "الدور" لـ"البطل"؟ يبقى السبب في بطن حسن أوريد!
العنوان ودلالاته على الزمن وتحوّلاته
يبدو عنوان الرواية "اللاروب" شديد الغرابة للقارئ العربي، لكنّه رغم غرابته شديد البساطة، في التعبير عن الحالة التي يعيشها "بطل" الرواية بنّيس خصوصًا، وشخوص الرواية عمومًا، فهو في الدارجة المغربية اختزال وبديل لقولنا "الساعة التاسعة إلّا ربعًا"، ومن جانب آخر تعبير عن توقّف الزمن كما يظهر ذلك في تجمّد عقرب الساعة عند التاسعة إلّا ربعًا. وحيث السّاعة هنا هي أحد شخوص الرواية، لجهة حضورها الدائم ليس كلوحة في جدار فقط، بل بوصفها لحظة زمنية ثابتة في نقطة مكرّرة، نقطة اللاحركة، بل تكرار الزمن، وتداخل الأزمنة، الماضي والحاضر والمستقبل، وهذه ثيمة أساسيّة في رواية أوريد هذه، كما في بعض رواياته السابقة، وهو صاحب عدد من الروايات تتناول أزمنة وتواريخ شتّى، من أهمها: صبوة في خريف العمر، تلك الأحداث، الموتشو، يوميات مصطاف، الأجمة، وسيرة حمار... ولعلّ من أبرزها رواية عن زمن "الموريسكيّين".
وكما تشكّل الساعة حالة زمنية مشتّتة ومؤرّقة، فإنّ حانة "سنترا" هي الفضاء الذي تتحرك و"تعيش" فيه شخصيّات الرواية الموزّعة بين اختصاصات علميّة ومهنيّة مختلفة، ما بين مؤرّخ ومفكّر وسياسيّ وفنّان وشيخ متسوّل بالأشعار والحِكم. حتى "البطل" نفسه هو معلّم في مدرسة، مع كونه مخبرًا، قبل أن يتحوّل تحوّلًا جذريًّا إلى مناضل وماركسيّ غير ملتزم، وذلك ضمن تحوّلاته الغريبة، بل الفانتازيّة، وفي سياق أحلامه وأوهامه وهلوساته المُغرقة في الغرابة، غرابة جيل عاش الهزائم والنكبات، حتى بعد تحرر المغرب من الاستعمار الفرنسيّ. وما ينطبق على الجيل المغربيّ المثقّف والمهمّش، بل الهامشيّ، ينسحب على أجيال عربيّة عايشت الهزائم، منذ نكبة فلسطين، مرورًا بنكبة وهزيمة حزيران 1967، وصولًا إلى حصار بيروت وهزيمة 1982، وسقوط بغداد 2003، حتى الوضع السوريّ الراهن، إذ يستعرض "البطل"/ السّارد في نهاية الجزء الأوّل من الرواية ما يمكن اعتباره "جردة حساب الأمّة العربية"، بنبرة شديدة السوداويّة والتشاؤم والمأسويّة:
"أنا حزين لأنّي عن قريب سأفارق ما عليه درجتُ، وبه آمنتُ، سأفارقه بلَوعة... ما آمنتُ به هوى. سورية مثخنة بالجراح، والعراق كسيح، ومصر مُصلبة بهشاشة العِظام، وبلادُ المغرب حلّ بها الفالج، والسّودان، من تبنّى نسلي، مبتور وأصابه الصرع... والجزيرة العربيّة؟ يستعصي عليّ أمرُها، ولا أنفذُ إلى سرّها. قد يتحوّل ثراؤها إلى ذخيرة. ربّما إن كان يمكنها أن تحمل المِشعل، فلِمَ لا؟ أريد أن أستمع لأمّ كلثوم...".
ويضغط زرّ المسجّل ويستمع إلى "ذِكريات عبرتْ أفقَ خيالي/ بارقًا يلمع في جُنح الليالي/.../ كيف أنساها وقلبي/ لم يزلْ يسكن جنبي/ إنّها قصّة حبّي/.../ وأنا أبكي مع اللحن الحزين".
البطل المهزوم والمأزوم
من بين أبرز ملامح التحوّلات المحيطة ببطل الرواية بنّيس، ضمن تحوّلات كثيرة، لحظة من لحظات خروجه من حانة سنترا، حين يجد أن كلّ شيء قد تغيّر، فهو يفتقد سيّارته ومفتاحها، وينسى المكان الذي ركنها فيه، بسبب تغيّر الشوارع، والمكان كله الذي تقع فيه الحانة أصلًا... حيث كانت "الزنقة" مرصوفة بالحجارة، وأصبحت إسفلتية، وبدلًا من سيّارته الـ"دوستو" وجد سيّارة هوندا. لكنّ الأخطر في تحوّلاته وتحوّلات العالم المحيط به، هو رؤيته الغرائبيّة لزوجته سوليكا (يهوديّة العقيدة)، وهي شابّة جميلة المحيّا، فاتنة القسمات... إذ تتحوّل في لحظات إلى عجوز، فقد تركها "زوجة صغيرة السنّ" ليجد في مكانها "امرأة شاخت وترهّلت وتتكلّم كما تتكلّم المُسنّات، وتزعم أنّها زوجته..."، ويتساءل مستهجنًا "كيف تتغيّر المرأة اليهوديّة العصريّة؟ أضحت امرأة بلَديّة تتكلّم بلكنة اللاشون، تقلب الشين سينًا والسين شينًا، والجيم زايًا... ويتخيّل خيانتها له، وأنه أصبح "عنّينًا"، فهل أضحى هو شيخًا (عجوزًا) أيضًا؟ وفي نهاية الرواية يقرأ رسالة من سوليكا تعلن له عزمها الذهاب إلى فلسطين حيث يلتم شمل عائلتها اليهودية... كما هو "حلم" كثير من يهود العالَم المتصهين.
وهنا يضيع "السي بنّيس" بين زمن- عقد الأربعينيات (1946) الذي انطلقت منه الرواية، وبين زمن السرد الراهن، حيث يتوهّم رحيل سوليكا إلى "أشدود" في إسرائيل، بعد أن تتزوّج من رجل بولونيّ. وهكذا يضيع بنّيس بين الوهم والحقيقة. بين الذكريات- الزمن الجميل بأغانيه وأشجانه، وبين الراهن بهزائمه وتشظّيه! فقد ضاع "اليسار" واحسرتاه، وهنا يستعيد بنّيس بيت الشاعر الأمويّ (العرجيّ): أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا/ ليوم كريهة وسداد ثغرِ.
وكما هي تحوّلات بنّيس، نرى في الرواية تحوّلات مجتمع وثقافته، وذلك كلّه في حوارات حانة سنترا، حوارات روّادها من المثقّفين التي تعود بنا إلى "يوميّات بوعيّاد" في 17 أيلول/ سبتمبر 1946، حين تمّ تعيين بنّيس من قبل السلطات الفرنسية مُدرّسًا للّغة العربيّة، ظاهريًّا، ولكنه فعليًّا تمّ تعيينه ليتعقّب الناشط "المهدي بن بركة" الذي كان يُدرّس الرّياضيّات في ثانوية مولاي يوسف. ومنذ هذه اللحظة ستبدأ تحوّلات شخصية بنّيس، من مخبر يتعقّب بن بركة إلى شخص "معجب به" ليبلغ التحوّل منتهاه بانقلاب بنيس بصورة كاملة، وربّما انفصامه كلّيًّا... حيث لم يعد يصطبر على "النظرة الاستعلائيّة للإدارة الاستعماريّة"، خصوصًا بعد ما لقيَ من الودّ الذي أبداه له بن بركة منذ أوّل لقاء بينهما، وبخصوصية أكبر حين استضافه هذا الناشط في بيته أيضًا!
ومع الدّور "القذر" و"الدنيء" الذي يقوم به، وما يشعر به من اقتراب تجاه بن بركة، تبدأ بالبروز الأسئلة الحاسمة لموقف بنّيس من بركة أوّلًا، ثمّ من الفرنسيّين واستعمارهم وشعاراتهم عن تحديث المغرب، وأوّل هذه الأسئلة "ما الذي يجعل أجنبيًّا يقرّر في شأن أصحاب البلد؟ وأيّ تحديث تزعم فرنسا وهو لا يشمل الأهالي الذين هم غائرون في أوضاع لاإنسانية، في دُور الصّفيح، أو المدينة القديمة، أو في البوادي؟ ومَن المستفيد من تحديث الفرنسيّين سوى الفرنسيّين، بضَيعاتهم الحديثة الموجَّهة للمتروبول، ومصانعهم التي هي حِكر لهم، ونظام عَيشهم الخاصّ بهم، في أحيائهم الراقية، ومُدُنهم العصريّة، وتصنيعهم الذي أفرز بروليتاريا تعيش في ظروف لاإنسانيّة... بنظام عيش هجين، قطَع مع البادية دون أن ينغمر في المدينة، تنخرهم الأمراض، ويُقعدهم الفقر، ويُطوّح بهم الانحراف، ويستدرجهم العنف. أليس هذا نظام أبارتيد؟".
من هنا، وبهذه الأسئلة وغيرها، يقطع بنّيس مع ماضيه بوصفه متعاونًا مع المُستعمِر، حيث اختار "الخيار الثوري" لا كقطع مع الماضي، بل بتحليله بعمق و"تفكيك بنيته"، و"الانتقال في التحليل من مونتسكيو إلى ماركس". فقد "اهتزّت يقينيّات بنّيس الليبرالية"، وخصوصًا بعد اختطاف المهدي بن بركة و"تغييبه" أو اغتياله ربّما، حيث صار رمزًا وذاكرة "بصفته وِجدانًا..." يتمّ الوقوف عليه بالترحّم لروحه. ذلك أنه كان من أوائل من نادوا بالتربية العصريّة المعتمِدة على العقل "احنا أحفاد ابن رشد وابن خلدون"، وكان يدعو الشباب إلى "ثقافة جديدة. ثقافة مبنيّة على العقل" لا على التقليد والخرافات، و"يلزمنا ثورة ثقافية".
كثيرة هي أسئلة الرواية، أسئلة الفرد وأسئلة الجماعة، وهي بالمختصر أسئلة المؤلّف التي يلخّصها المهدي بن بركة بقوله "الثالوث المعروف: الرجعيّة والصهيونيّة والإمبرياليّة. تحامَوا عليّ، وها أنتَ عارف". وتضجّ ذاكرة بنّيس وذهنه بأسماء وذكريات قديمة أو حديثة العهد تكاد تودي به إلى الجنون؛ منذ القسطل والنكبة، وحرب التحرير الجزائرية والنكسة ومعركة الكرامة، أو بذكريات العبور وقصيدة درويش "مديح الظلّ العالي"، وصولًا إلى "أطفال الحجارة".


تحميل المقال التالي...