}
عروض

"الصمت لم يعد جوابًا": خريف العواطف المعولمة

بلال خبيز

27 مايو 2026



 

نشرت دموع مصطفى مجموعتها الشعرية "الصمت لم يعد جوابًا" عن دار نينوى في دمشق. هي مجموعتها الأولى. لكنها أولى بكل المعاني. تكتب دموع كما لو أنها تستعير لغتها من تقارير الأمم المتحدة وجماعات حقوق الإنسان. لغة جافة مقررة، وبالغة الاقتصاد. لكنها تصف معاناة وموتًا وتفجّعًا وأوجاعًا لا تحصى، كما لو أن هذه اللغة تستجيب لما فرضته علينا لغة التقارير. فيصبح القول إن 80 بالمائة من أهل غزة تحت خط الفقر مثلًا، إعفاء للقارئ ومنتج التقرير من معاينة الأحزان والأوجاع الفردية. وتشجيعًا لهما معا للنظر إلى الكارثة بعين من يريد أن يتعلم، لا من يريد أن ينقذ. ما الذي يمكن لدموع أن تفعله، وهي تشاهد هذا الألم على الشاشة. الدم الذي تعرف حقًا أنه دم أسيل حقيقة، هو دم مصور. يشبه كل الصور التي سبق للناس وشاهدوها، ثم انصرفوا عنها ليلقوا التحية على أصدقائهم، أو يفتشوا عن حكاية طريفة تجعلهم يبتسمون قليلًا على صفحة فيسبوك، أو وهم يتابعون ما تقترحه عليهم خوارزمية يوتيوب. في الأثناء، وبين هذا الموت وذاك الجرح، ثمة إعلانات تخطف الذهن قليلًا. ولا بد أن ينتبه المرء إلى أن الإعلان الذي يسوق أحذية رياضية، قد نبّهه إلى حاجته لحذاء مماثل، لكن انشغاله بشؤون الحياة جعله ينسى حاجته هذه. لا بأس بلحظات قليلة نقتطعها من زمن الأهوال، لنهتم بما نحتاجه لإكمال يومنا التالي. ثم نعود إلى ذلك الزمن لنمرّن أنفسنا وأرواحنا على ما قد نختبره غدًا، أو ما كنا قد اختبرناه سابقًا. ثم، لا بأس أن نتذكر. دموع مصطفى تراقب أمًا وطفلها الذي يحبو في غزة على الشاشة. هذا ألم مباشر، يحصل الآن في هذه اللحظة. لكنه بمعنى من المعاني، ألم بات مألوفًا للجميع، إلا من ماتوا تحت وطأته. وهم في سورية بالملايين، وما زالت جثثهم مجهولة المصير. وهم في لبنان يتناسلون غابرًا عن غابر، في حروب أهلية وخارجية عمرها أكبر بكثير من أعمارنا.

"ترسمُ على رغيف الخبزِ شيئًا بإصبعِها
أكبرَ من أن يكون خارطةَ بلادٍ
أصغرَ من أن يشكّلَ أمنيةَ مَن دخلَ المقتلةَ
قبل أن ينضجَ تفّاحُ إبليسها،
وتقول: لعلَّه يشبه الحياة
كرةً تتقاذفُها أسئلةُ الأطفالِ الجائعين!

لا أخاطرُ بقولِ "مرحبًا"
لأنّ "كيف حالكِ" ستكونُ المشقّةَ التالية.
أكبرُ ما أطمحُ إليه
أن ننظرَ إلى سماءٍ واحدةٍ
تغسلُ بدمعٍ واحدٍ
شهوةَ المراثي هنا
نسغَ العروق هناك .

كلّ ما في حياتينا يزهرُ على مهلٍ
ابنُها يحبو تحت خيمةٍ
يشاهدُها ابني في التّلفازِ فيرسمها
ويرسم صغيرًا يحبو داخلَها.
بعد أشهرٍ قليلةٍ
هدمَ الحزنُ نفسُه قلبَ الرّسّام
تحطّم التّلفاز
تنفّسَ الصّبرُ الحطامَ
وهبّ من أضلعِنا وخزٌ غريبٌ

يذبُّ الموتَ بيدٍ
وبالأخرى يحمي الخيمةَ
من السّقوط عن الجدار". 

لغة دموع مصطفى القاطعة، الشبيهة بلغة التقارير، هي المدخل الأمثل لتفكيك الجناية الكبرى التي ارتكبتها الحداثة المؤسساتية بحق الألم البشري، لأنها نجحت في مأسسة الألم البشري وحوّلت، هذه المنظّمات، موتنا إلى رقم. والحال لم تنجح في إنقاذ الضحية، وربما لم تحاول أصلًا، بل نجحت في إدارة كلفة الضحية. لا أكثر ولا أقل. لكي تنجح هذه المؤسسات في ابتلاع الموت وتحويله إلى ملفات قابلة للتمويل والجدولة، كان عليها أن تجرد الألم من حرارته. فعبارات من قبيل: أضرار جانبية، نزوح قسري، انعدام الأمن الغذائي، هي مصطلحات مخبرية باردة تستخدم كبديل تقني عن عبارات من قبيل: أشلاء، طرد من البيوت، مجاعة. وهذه اللغة التقريرية هي الصابون الذي يغسل الدم عن يدي النظام الدولي لكي لا يشعر بالتقزز أو الرعب، ولكي لا يلوّث ثيابه حين يمد يده إلى جيوبه ليلقي لمن نجا ببعض الفتات.

من تعبّر عنه دموع هو كائن، فضلًا عن كونه يخفي الألم بحياد اللغة ودقتها، إلا أنه أيضًا كائن يخفي أي رغبة في أن يكون مرئيًا، مثيرًا، ومنظورًا، إذا افترضنا أن النظر هو ما نكسبه من الآخر حين نتزيّن أو نتغاوى لأجله. إنه كائن بالغ الحيادية. أعضاؤه ليست للاستعمال، إنها لصاحبها أو صاحبتها فقط. لا تدعو ولا تقول للآخر أنا هنا، تريد أن تكون مختفية. لهذا السبب يبدو أنها استعارت لغة تقارير الأمم المتحدة لتقول إن الحب ليس كما وصفه يوسا، أو كما كتبه بابلو نيرودا. الحب هو شأن شخصي جدًا جدًا وحميم جدًا جدًا، ليس على المستوى الجسدي والحسي، بل أيضًا على مستوى النظر والسمع.

(من قصيدة "اعتراف" - ص 47):

"أنا كائنٌ هشٌ ولا جدوى من إنكار الأمر.
نعم، أستمتعُ بصحبتي
لكنّي أتحسّسُ الفراغَ في قلبي
كلّما خضّني وجود أحدهم
كزجاجة مياهٍ غازيّة
فورانُها يكتب نهرًا
وأنا أكتب ماءً على قياسِ النّهر
ثمّ نتبخّرُ معًا في الهواء.

هل ينبغي أن يكون حالي عكس ذلك؟
ظهيرة هذا اليوم، قابلتُ بشرًا كثيرين
تشغلهم ظلالُ الحياة الواضحة
ولمّا انفردتُ بظلّي الخاصّ
تعرّفتُ إليه من إشاراتك الغامضة
ذات مساءٍ يرتديني كجسدي
لذا أغفو على العشب المضيء
لأضمّني إليك". 

ليس الحب فقط، بل كل المشاعر التي تتغنى بها اللغة. الشجاعة، الحزن، الكرم، الجمال. كل هذه المشاعر المنفوخة باللغة، على حد الأسطرة، تحوّل لغتنا التي نعبّر بها عن ألمنا وحبنا ورغبتنا بالمساعدة، إلى بيانات سياسية. تخالف تمامًا ما تذهب إليه تقارير الأمم المتحدة، لكنها تقوم بإلغاء الشخص موضوع المشاعر أيضًا، مثلها مثل هذه التقارير. ذلك أن الجسم الموصوف باللغة، يحيلنا دائمًا إلى مونيكا بيلوتشي. كل حب كتب في القصائد موجّه لصاحبة هذا الوجه والجسم الكاملين. وليس إلى من اختبر هذا الحب أو تفاعل معه. وكل تضحية بالنفس تحيلنا إلى قيس أو روميو، وكل شجاعة تحيلنا إلى عنترة. اللغة التي تتجنبها تقارير الأمم المتحدة هي لغة التواطؤ من فوق. التواطؤ الذي يجعل كل الناس ضحايا في لحظة ما وكلهم عشاق في لحظة أخرى. وهو بالضبط ما يجعل المرء قادرًا على أن يحزن لمقتل طفل على يد سفاح، لمدة عشرين ثانية، ثم يضحك ملء فيه على امرأة خرقاء اصطدم رأسها بالزجاج الملمع والنظيف وهي تحاول دخول المبنى الذي تعيش فيه.

 (من قصيدة "موهبة داكنة" - ص 39):

"أخافُ أن أعرفَ أنّني سعيدةٌ
فتتقلّص ضحكتي مع التقدّم في المعرفة

أخافُ أن أصبحَ بيتًا حداثيًّا
لا أقفالَ على أبوابِه
يرميه الزّمن المُستجدُّ بعيونٍ صدئة
تفتحُ فراغه على حقائق الوحدة
وشتائم الأيام الجافّة.

أخافُ نقمةَ الإنسان على الضّوء
نقمته على الصّدف
وقد التحمت بظلالِ الحياة
كي لا يسبقَ طولُ النهار
الوقتَ الذي ينظرُ به الليل
إلى ترسباتِ النور في مصفاتِه.

أبحثُ عن الجمالِ في العالم
كي يهدأ الذّعر في نفسي التي لا آمنُها
لكن، من يُقنعُ الطَفلَ المجلودَ بالخَيبةِ فيّ
أن كل جميلٍ في العالم
ليس مرعبًا لذاته". 

ما تحاول هذه القصائد أن تقوله هو الكائن نفسه، ولا أحد غيره. الكائن الذي أحب أو خاف أو اختبر الحزن، ليس كمثل ما خاف أو أحب أو اختبر الحزن جاره الذي يقطن في البناية نفسها. ففي الوقت الذي تدين قصائد دموع لغة التقارير الأممية، تنجح في استخدامها بوصفها وثيقة إدانة للغة الخطابات الأيديولوجية والقيمية، التي تجعل كل العشاق روميو وكل الجنرالات نابليون.

لكن ما لم تقله دموع مصطفى علنًا، وتكفّلت جملها القاطعة بالإيماء إليه، هو أن نجاتنا الوجدانية لن تأتي من ترميم القواميس القديمة، بل من إعلان إفلاسها الشامل. لقد حان الوقت لكي يسعى كل واحد منا إلى ابتكار لغته الحميمية والحارة الخاصة؛ لغة سرية ترفض الامتثال للغات التي أمّمت عواطفنا وحولتنا إلى كائنات تشتهي أنماطًا وصورًا جاهزة، وجعلت من مونيكا بيلوتشي حبيبة الجميع الكونية، ومن بابلو نيرودا ناطقًا رسميًا باسم كل العشاق.

إننا بحاجة إلى لغات تشبهنا نحن فقط، لغات تولد بغرفنا المغلقة وتخاطب من نُحب بعيدًا عن الرموز الجاهزة والاتفاقات المسبقة، إلا حين يكون الاتفاق قسريًا على أمر واحد: التواطؤ الساخر من كل المطلقات العاطفية والمشاعرية الكبرى. السخرية هنا ليست استخفافًا، بل هي الدرع الوحيد المتبقي لحماية حبنا الهش والواقعي من قسوة الأرقام، وجفاف التقارير، وزيف المسارح.

دموع مصطفى: شاعرة لبنانيّة، حاصلة على ماجستير في الكيمياء الحيويّة، تدرّسها إلى جانب اللّغة الفرنسيّة وتشارك في مشاريع التّرجمة.

"الصمت لم يعد جوابًا": مجموعة شعرية صادرة عن دار نينوى بدمشق، شباط/ فبراير 2026، 120 صفحة.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.