}
عروض

"جهانكشاي...": المغول إذ يُطيحون خلافة العباسيّين روائيًّا

عمر شبانة

3 مايو 2026


تُسهم الرواية، بوصفها، في أحد جوانبها، إحدى أدوات تصوير التاريخ، والأكثر تفصيلًا وصدقًا، كما يعتقد الناقد والباحث جورج لوكاتش، في استجلاء ما حدث في التاريخ. ولكن كيف يتأتّى لها أن تفعل ذلك؟ أي أن تفهم التاريخ؟ ولكن ما هو التاريخ؟ من أين يبدأ؟ وما القوى التي تشارك في صنعه، وكيف تصنعه؟ هذه بعض الأسئلة التي يمكن عرضها أمام "الرواية التاريخية"، كما حدّدها الناقد لوكاتش في كتابة الشهير الذي يحمل هذا العنوان، لكنه يشترط لها عدم التعامل مع التاريخ وكأنه مجرّد أزياء، بل أن يكون الشخوص حقيقيّين، اجتماعيًّا ونفسيًّا، ومن الصدق التاريخي فنيًّا أن يلتقط الروائي روح ذلك العصر، لغةً وتصويرًا وحوادث وبيئة اجتماعية واقتصادية، بالرغم من أن مسألة "الصدق التاريخيّ"، في الانعكاس الفنيّ للواقع، بحسب لوكاتش، هي مسألة "بعيدة عن الوضوح".
ولعلّ من بين أبرز الخيوط التي يمكن أن يلتقطها قارئ رواية "جهانكشاي: صاحب الديوان والحشّاش" للروائي السوداني زياد مبارك (دار نوفل ــ بيروت، 316 صفحة)، هو تمكّن الروائي من التقاط روح العصر الذي يعالجه، وهو نهايات العصر العبّاسي، وسقوط الخلافة العباسيّة على أيدي المغول. وليس روحه وحسب، بل أيضًا التفاصيل اللازمة لبناء رواية تعكس ما كان عليه ذلك المجتمع، وطبيعة العلاقات بين حكّامه، من الخليفة والأمراء والجُند، وسواهم، والمؤامرات والوشايات في ما بينهم، ثم طبيعة علاقة الحكّام المسلمين بالمغول والإفرنج والفُرس والدول المحيطة، من أرض فارس وأفغانستان، وقبل ذلك ملامح من حياة دمشق وبغداد، بشرًا وطبيعة، وتصوير ذلك بالملامح الملائمة. ولكن القارئ حيال تساؤل إن كنّا أمام رواية تاريخية بالمواصفات المعروفة، أم أننا مع رواية تقرأ التاريخ وتوظّف ما تريد منه لخدمة رؤية الكاتب؟ وما حجم التاريخيّ ــ الوثائقيّ فيها، وما حجم المتخيّل، أو التخييل؟ وما مدى واقعية ــ تاريخية شخوصها؟
هنا وقفة وقراءة في أبرز ملامح هذه الرواية، وأهمّ معالمها، خصوصًا لجهة الشخصيات وتكوينها وتطوّرها:
الرواية التي تشتمل على فصول عدة، تبدأ بتقديم أسماء شخوصها، ثم بمَسْرد لمعاني المفردات والألفاظ المغولية، ليست رواية تقليدية، أو حكايةً تُحكى ويمكن اختزالها في سطور، بل إنها سلسلة من الحكايات، متداخلة ومتشابكة، يشوبها قدْر من الغموض، وتأمّلات فكرية وسياسية وإنسانيّة، فرديّة وجماعية، وقراءات في نصوص متعددة المصادر. والحدث الأساس فيها هو سقوط الخلافة العباسيّة، ووقائع من تاريخ هذه الخلافة، ثم يأتي الغزو المغولي متشابكًا مع حروب الفرنجة (الصليبيين)، وغير ذلك من تبعاتها وآثارها. لذا يصعب الوقوف على مفصل من هذه الحوادث المترابطة.

صراع شخصيّتين
في البدء، يُطلعنا الروائيّ على عالَم الرواية "جماعةٌ اجتمعوا ورأوا أن تُكتَب روايتُهم"، وهؤلاء هم شخوص الرواية، وهو يتّخذ موقع الراوي/ السّارد الذي يبني شخوصه مطلقًا العنان لخيال واسع يدرك ما يريد، وتحديدًا الشخصيّتين الرئيستين في الرواية، والشخصيّتان هما عنوان الرواية، أعني؛ صاحب الديوان (علاء الدين عطا ملك الجويني)، وجوتيار، وهو رجل كرديّ قاتل محترف وحشّاش، يمثل تيارًا عقائديًا، كما يمثّل أساليب الحشاشين وأفكارهم، ويتّخذ أسماء عدّة (آزاد وحسن والظافر بدين الله!). وسوى هاتين الشخصيتين، ثمّة شخوص، نساء ورجال وأطفال وعجائز، ليست رئيسة، لكنّها في المقابل ليست ثانوية، ولا هامشية، فلكلّ شخصية دورُها ووظيفتها. والعلاقة بين الحشّاش والجويني معقّدة.





أبرز ما يميّز هاتين الشخصيّتين هو أنهما، كما يقول المؤلّف "التقيا في حانةِ التاريخِ، بميقاتِ عبثِ البداوة: خزائن بيت الحكمة، التي كحّلت النهرَ بأوراقِها كتابًا تلو كتاب. والنهر، إذ محا ماؤه أحبارَ الطروسِ كيما يفيضَ حبرًا ويصير سيدَ الأنهار". وتقلّبهما سلوكيًّا وروحيًّا ونفسيًّا، وتناقضهما وتواصلهما. أمّا الحوادث، فمنها ما هو شهير في التاريخ، لكنه يتلبّس قدرًا من التخييل... أو ما يمكن تسميته "تخييل التاريخ"، وليس التاريخ المتخيّل. وكي يؤكد التباس الوثائقي بالمتخيّل، يقول الروائيّ نفسُه "وددتُ أنْ أُسجّل قائمةً بالمراجع البحثية والمصادر التاريخية القديمة التي استعنتُ بها في كتابة الرواية، ولكن بما أنّ عمادَ الكتابة السرديّة يظلّ هو التخييل؛ رأيتُ أنّ لا ضرورّةَ لذلك". وعلى سبيل المثال، فثمّة شخصيّات تاريخية شهيرة؛ جنكيز خان وهولاكو، المعتصم والمستعصم، لكنها في الرواية شخصيات بلا حضور فاعل ومؤثر روائيًّا أو فنّيًّا.
يبدأ الفصل الأول من الرواية "أطراسُ جوتيار الكُرديّ" بواقعة تلقّي صاحب الديوان (علاء الدين) رسالة من الحشّاش، تُسلّمها له امرأة. ويكتب الروائيّ ــ يتحدّث السارد ــ بلغة ذلك الزمن، واصفًا الموقف كما يلي "في بُكور أحد الأيّام تلاحقتْ دقّات صاخبة على باب داري. فزعتُ من غفوتي لأجد امـرأةً تقف على عتبة الـدار. لم تُحدّثني كثيرًا من تحت البُرقعِ على وجّهها، خامرتْ دهشتي بصندوق صغيرٍ من خشبْ السنديان مدّته إليّ، وقالتْ إنَه مُرسَلٌ من الظافر بدين الله مُستَوفِي الديوان... اختليتُ بالصندوقّ يومذاك، قبل أن تذرّ الشمسُ ضوءَها، ولمّا فتحتُه وجّدتُ فيه أربعةَ طروسٍ كتبها الظافرُ بخطِّ يده. قرأتُها في يومين، وذرفتُ بكاءَ عمرٍ بأكمله...". وفي موقع آخر من قراءته لرسائل الحشّاش إليه، يبدو علاء الدين غاضبًا، يقول "لم يكتفِ (أي الحشّاش) بقتل ابني غـدرًا قبل ثلاثين عامًا، فبعثَ إليّ ليخبرني بأنّه هو مَن أزهق روحَّه، ليقتلني كمَدًا".

مثقّف السلطة وتحوّلاته الجذرية
أمّا صاحب الديوان هذا، فهو وصل إلى منصبه الرفيع هذا بالوراثة من الأسرة الجوينية العاملة في دواوين المغول، وبطرق ملتوية، وليس المهمّ هو "حكايته" المعقّدة، بل ما كان عليه من "خيانة" لانتمائه وهويته، فهو كاتب "تاريخ جهانكشاي"، إذ يُعلن نادمًا "لقد كتبتُ سيرة جنكيز خان وأبنائه وأحفاده، إلى فتح القلاع، كنتُ أودّ أن أذيّله بسيرة حسن الصبّاح" (صاحب قلعة ألَموت)، وما آلَ إليه من "صحوة" وقرار للانتقام من ماضيه الأسود، فيتوجّه إلى النهر "أخـرجَ من جيب ردائــه عشرات الدويّات، تلك المحابر التي يستعملها الكُتّاب في الكتابة... ملأها من النهر، وعبّأها بالماء المخلوط بالحبر والدماء! من يفعل شيئًا كهذا؟!"... إذ يبدو أنّه قد "أُصيبْ بلوثةٍ في عقله، بعد أن صُدم بمشاهد الذبح والقتل التي جرتْ أمام عينيه"، ويريد كتابة فظائع المغول في بغداد.
وكان بين أبرز ملامح علاء الدين، التي يستحضرها الروائيّ ــ السارد، عالَمه الثقافي والأدبيّ، المثقف في ظِلّ السلطة، سلطة الغازي ــ المحتلّ، فهو مؤرخ وكاتب، يوثّق تاريخ المغول، ويكتب تاريخهم من موقع السلطة. ومع ذلك يُبرز اهتمامه واحترافه في عالَم فنّ الخطّ العربي... فهو يعِد رفيقه البائس حسن الحمّال (عتّال بالأحرى) الذي يلجأ إليه: "سأعلّمكَ الخطوط العربية كلّها، الثلث والكوفي والديواني والفارسي والنسخ والرقعة، إنّنا "الجوينية" عائلة شيّدت أمجادَها بالكتابة، منذ جَدّي بهاء الدين، مــرورًا بأبي وإلــى إخوتي، جميعنا تعلّمنا الكتابة والقرآن والعلوم والآداب منذ الصغر، وينخرط المرء منّا في الديوان السلطاني كاتبًا قبل أن يبلغ العشرين من عُمْره".
هذه أضواء على الشخصيتين المركزيّتين، وبعض الوقائع الأليمة، ويبقى إلقاء إضاءات وأمثلة على لغة الكاتب وتصويره وحواراته وتوصيفاته، على مواقف بارزة في الرواية، على السخرية فيها، ففي وصفه الطبيعة وجمالها يقول بلغة تقارب الشعر "مع انحدار الشمس إلى المغيبْ نثرتِ السماءُ الضبّابَ من جِرابها في الأفق بامتداد بساتين اللوز والفستق المُزهِرة، وحقول القمح والأعشاب في سهل قزوين". وفي سياق آخر، يبدع في وصف "مـواكـبْ اللطم والتطبير والنِّياحة فــي أوائل محرّم، كما جرتِ العـادة فــي الشعائر مــع ذكرى مقتل الحسين في عاشوراء". ولعلّ الأبرز هو ما يصف به "مجزرة الكتب في نهر دجلة" يقول في نبوءته "قلتُ للنهر أحدّثه: "إنْ نجَت المدينة من المغول فسآتي إليكَ كلّ ليلة، وإنْ لم تنجُ فستجري الدماء بين شطَّيك...".
ويضيف إلى الصورة بُعدًا أشدّ مأساويّة "حُمِلَت الكتبْ من الخزائن، وسِيقتْ كما تُجرّ الشياه من شمائلها إلى خارجِ حظائرها. طاف بمكتبات الرُبُط، لا يوجد غير الفراغُ في خزائنها. سار إلى المدرسة النظامية، لا شيء". ويوغل في التصوير المشهديّ "اليوم الذيّ سبقَ إعلان المؤذّنين الأمانَ لأهل بغداد، بعد أسبوع من جوَلان السيوف في طرقات ومّتنزّهات وخانات ومساجد ورُبُط وأّسواق ودُور بغداد، حينذاك خرجِ إلى نهر دجلة. وكان النهر قد تغيّر لونه بما طمره الجند فيه من الكتبْ؛ آلاف الآلاف منها. أفرغ الجند مكتبات بغداد رفّا رفّا، وحمّلوها على ظهور جماعات من أهل بغداد إلى النهر، سخّرُوهم كالدّواب، وما إنْ يصل الواحد منهم إلى النهر حتّى يذبحوه فيجري دمُه مع حبر الكتب في مجرى النهر".
وفي وصف نهايات الخلافة العباسيّة، وما جرى للحكّام وللناس، يكتب بأسىً "في سرادق حقير احتفظ المغول بالخليفة وأبنائه. لن يسفحوا دمه، سيربطونه في جوالق، ويرفسونه بأرجل الخيل حتّى يموت... ونهاية الأسرة العباسيّة ترتسمُ مقبرةً بطولِ القرون في مخيّلته... غطّى أنـفَـه بكُمّه، فرائحة الــهــواء لا تُطاق، انتهت المذبحة وأنشأت الجثثُ المتحلّلة غمامةً من الهواء المُمْرِض الفاسد الذيّ يُنفِذُ في الصدر رائحةَ الموت. يطوف الجند في الطرقات ويَلِجُون الدور بحثًا عن الناجين، ويَستخرجون من الأحياء الأموال والدفائن". لكنه يرى تفسير ذلك الهوان في أنه "ليس للخليفة جيش، إلّا إنْ كان سيحارب المغول بأهل الطرب والرقص من العوّادين والدفّافين والطبّالين والزمّارين، وبالمغنّين والقِيان والخِصيان والجواريّ. ليقضِ الله أمرَه، ليقضِ الله أمرَه، سيلحق الخليفة بركن الدين خورشاه الأشدّ منه قوةً ومنَعة".
ونختم بتصويره المجتمع لجهة التعدّدية والتعايش، إذ يقول "طالما عشنا متسامِحين، مسلمين ونَصارى تحت سماءِ دمشق. سماءٌ تصدحُ فيها مآذنُ المساجد ونّواقيسُ الكنائس بتناغمٍ ووئام". ويتحدث عن الحاكم الذي "أوقف حياته لإنسان العراق من دون أن يميّز بين سنّي أو شيعيّ أو معتزليّ أو صوفيّ أو نصرانيّ أو يهوديّ أو وثنيّ". لنخلص إلى أنّنا كنا حيال دولة مزدهرة في جوانب، لكنها كانت هشّة من جوانب أخرى، وكأنّ المصير الذي آلت إليه هو نتيجة حتميّة لما آلت إليه هذه الدولة، بما كانت عليه من خلافات داخلية.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.