صدر حديثًا عن دار الحوار للنشر والتوزيع ضمن سلسلة "فلسفة" كتاب "فلسفة التمرد"، من تأليف حيدر عبد السادة جوده.
ويقع الكتاب في 176 صفحة.
وجاء في تقديمه: في زمنٍ يتكاثر فيه الضجيج وتبهت فيه الحقيقة، ينهض كتاب "فلسفة التمرّد"، كرحلةٍ فكرية عميقة تحاول أن تعيد الإنسان إلى مركز وجوده. ينطلق المؤلف من واقعٍ صعب، حيث تتداخل السلطة بالدين، وتُختزل القيم في شعارات، ويُدفع الفرد إلى العيش داخل قوالب جاهزة لا تسمح له بأن يكون ذاته.
يتقدم السرد ليكشف أن التمرّد، في جوهره، ليس هدمًا بقدر ما هو إعادة بناء؛ إنه لحظة وعي يدرك فيها الإنسان أنه محاصر بقيودٍ ظاهرة وخفية، فيبدأ بمساءلتها بدل الخضوع لها. هنا يتحول التمرّد إلى مشروع لتحرير الذات، لا من المجتمع فقط، بل من الداخل أيضًا. فيظهر هذا بتعريف الكاتب للتمرد: التمرّد، في جوهره العميق، ليس مجرد فعل رفض عابر، ولا خروجًا ميؤوسًا منه على الواقع القائم، بل هو حالة وجوديّة متعالية، ترفض الاختزال البشري في قوالب الخضوع والتسليم، وتثور على كل السياجات التي سعت وتسعى إلى فرض القيود والإكراهات على إرادة الإنـسان.
يحاول الكاتب أن يضيء على المعنى الحقيقي للحرية، ويقلب مفهومها المتداول بقوله: التمرّد لا يمكن أن يُفهم كغاية في ذاته، فلا يوجد تمرّد من أجل التمرّد، بل هو وسيلة لتحقيق فضائل أعمق، وأهمها الحريّة، والحريّة هنا ليست مجرد القدرة على اتخاذ القرار من دون قيود، ولا مساحة خالية من الجبر الاجتماعي، كما تحاول بعض التعريفات الأكاديمية أن تصورها، فهذه التعريفات، حين تحصر الحريّة في مجرد اختيار بلا عقاب، أو التزام، تجهل جوهرها التمرّدي، وتحوّلها إلى سلعة أخلاقية قابلة للاستهلاك، بينما الحريّة الحقيقية هي وعي مستمر بالذات، وبالقيود المفروضة عليها، وفعل واعٍ لكسر القوالب، وإعادة صياغة الذات بما يحقق التوازن بين المسؤولية الفردية والتمرّد على ما هو مفروض.
ومع اتساع الرؤية، يعود المؤلف إلى تاريخ الفلسفة، ليُظهر أن كل تحولٍ حقيقي في الفكر الإنساني كان وليد تمرّد ما؛ من لحظة انتقال الفكر من الأسطورة إلى العقل، إلى ثورات الفلاسفة الذين رفضوا المسلّمات، وأعادوا تعريف الحقيقة. فيكتب: الفلسفة نفسها، منذ بدايتها، كانت شكلًا من أشكال التمرّد: تمرّد الفكر على الجهل، العقل على الأسطورة، والحريّة على الضرورة.
التمرّد الفلسفي هو رفض للمعطيات المفروضة، بحث مستمر عن إمكانيات جديدة للوجود، إعادة بناء للمعنى من الصفر، وتمرّد على كل الأفكار والقيود الجاهزة، التي تحاول أن تثبّت الإنـسان في قوالبٍ جامدة، فالتمرّد هو فعل مستمر، صراع دائم، انحياز للفرد ضد التنميط والتدجين، ومعركة وجوديّة للحفاظ على الاختلاف، وعدم الاستسلام لما يُصوَّر على أنه نهائي.
هذا الكتاب يغوص في تمثيلات رمزية عميقة تكشف أبعاد التمرّد المختلفة. ويوضح أن التمرّد ليس طريقًا سهلًا نحو الخلاص، وليس فعلًا عشوائيًا يقودنا إلى الحرب مع الآخر، أو المجتمع فيكتب: فلسفة الـتمرّد الوجودي هي إدراك الإنسان لعبوديته الناعمة، ومن ثم انطلاقه نحو حرية حقيقية، لا عبر الانفلات العشوائي، بل عبر إعادة خلق ذاته، والفعل الأخلاقي الواعي في مواجهة كل أنواع الرقابة، سواء كانت اجتماعية، دينية، أيديولوجية، أو حتى نفسية داخلية.
ويعود هذا الكتاب إلى الإنسان ذاته، ليؤكد أن التمرّد الحقيقي يبدأ من الداخل، من لحظة رفض الخضوع لما تم فرضه علينا منذ ولادتنا من دون تفكير. وينطلق من العالم الذي يروج للحرية كشعار لا كوعي، ويؤكد أن التمرّد هو الطريق الوحيد لممارستها كفعل وجودي حقيقي، لا كترف فكري، أو شعار فارغ.


تحميل المقال التالي...