تتساءل الروائية السورية سمر يزبك في كتابها: "ذاكرة النقصان: روايات أهل غزة عن الإبادة"، الصادر عن دار الآداب عام 2025، عن الآلية التي يمكن بها تدوين الوجود الإنساني عندما يتعرّض للمحو والإبادة والنقصان. وما هو الأسلوب الذي سيتم اللجوء إليه، سواء كان عبر الاستعارة والتشبيه والمجاز لجبر الكسر في عظام المعنى في كل ما حدث ويحدث؟ أو هل سترفض اللغة التعبير وتتنحّى وتصمت أمام الألم والموت عندما تغيب العدالة؟ أو هل سيستمر النظر إلى الضحايا من خلال عدسة قداسة عقيمة تخصّب بالشعارات السياسية الأيديولوجية الحزبية، فلا تنجب غير السراب المتراكم منذ احتلال فلسطين؟ أو أنّ التوحّش الإسرائيلي سيكون قادرًا على سلب حتى الآهات، فكيف بالتكلّم عن حيوات أناس كانوا يومًا هنا بلحمهم وأرواحهم وماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، وفي ومضة انفجار تبخّروا كلهاث على زجاج الحياة المتشظّي من هول القصف والتدمير؟
الإجابة على هذه الأسئلة لن تكون من شأن الكاتب وحده، وإنّما بالتعاضد الحقيقي مع الضحايا، محوّلًا قلمه للسان للضحية، كي تسرد نجاتها كما اختبرتها أثناء الفاجعة، حيث تصبح الأعضاء المقطوعة والجروح والحروق واجتثاث شجرة العائلة من جذورها تحت وقع القنابل والصواريخ، هي الحبر الذي ستكتب به الضحايا وجودها في مقابل العدم الذي فرضته آلة القتل الإسرائيلية على غزة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
لقد سعت الكاتبة إلى لقاء من نجا من المجزرة والإبادة في مجمع الثمامة في العاصمة الدوحة، لتسجل شهاداتهم، وتختبر مفهوم النقصان الوجودي معنى وتجربة، حيث تصبح الأعضاء المبتورة هي الهوية الجديدة، ويصبح اليتم هو الوطن، فالضحايا يتكلّمون عن اللحظة التي يتهشّم فيها الزمان، ويتفتّت فيها المكان لحظة نزول الصاروخ، أو البرميل، على بيوتهم، أو مدارسهم، أو مشافيهم، وتحويل ما اعتقدوا بأنّه سفينة نجاة إلى مقتلة تقضم أرض غزة كدودة موت جبارة. لقد استقبلت قطر هؤلاء الناجين مع عائلاتهم في مجمع الثمامة لأجل علاجهم وتأهيلهم، والتقت معهم يزبك لتدوّن شهادات نقصان حيواتهم، وكيف حولوا هذا الاجتزاء الوجودي لحياتهم إلى تأسيس جديد لمعنى لا تستطيع إسرائيل محوه، فهم ناجون، والناجي، بما أنّه اختبر الموت مباشرة، فهو الأقدر على خلق الحياة "غصبًا" عن آلة الإبادة الإسرائيلية.
لم تلجأ يزبك إلى تزويق شهادات الناجين بإمكانات اللغة البلاغية، كي لا تصادر ألسنة الضحايا في التعبير عن ذواتها باللغة المناسبة التي تمكّنها من قول ما حدث، وبالأسلوب التي تراه موافقًا لمشاعرها وأفكارها. ومن هذه النقطة، جاءت الشهادات حيّة، تملك وثوقية تجابه عنف الإبادة والإلغاء.
سجّلت يزبك عددًا من شهادات الناجين الذين تراوحت أعمارهم ما بين 13 و65 سنة، من أطفال ونساء ورجال، ومن خلفيات اجتماعية متعدّدة ومناطق مختلفة من قطاع غزة. بدأت سرديات الناجين من يوم 7 أكتوبر، وكيف استيقظوا على صوت الصواريخ، ومن ثم تغيّرت حياتهم إلى الأبد. لقد كان الضحايا يصرّون على قول كل شيء بمواجهة رقمنة حياتهم وتحويلهم إلى مجرد عدّاد أرقام من الموتى والجرحى، كبارًا وصغارًا، سواء سمّوا كشهداء، أو كقتلى، أو كأضرار جانبية، وفق الجهة السياسية التي تعلّق على ما يجري، أو الجهة الإعلامية التي تغطي الحدث الدموي، فلم يكن يعنيهم ما يقال عنهم، لأنّهم الوحيدون القادرون على تحويل النقصان الذي اعترى الوجود إلى اكتمال، وتغيير الرقم إلى حرف واسم وهوية وعائلة وبيت وحارة وقطاع يسمى غزة تعمل آلة الموت الإسرائيلية على تقطيع أوصاله، كما كانت تفعل قنابلها وبراميلها وصواريخها على قتل الأجساد ومحق الأرواح وبتر الأعضاء واقتلاع شجر العائلات وتهديم البيوت والمشافي.
لقد تكلّم الناجون عن حياتهم قبل السابع من أكتوبر، وما آلت إليه حيواتهم بعد ذلك. فسردوا عن لحظة الانفجار، وكيف دفنوا تحت الركام، وكيف أنقذوا وهم ما بين الحياة والموت، ومعاناتهم الشديدة في إيجاد أسباب الحياة من المعالجة الطبية إلى الطعام والشراب، وهم الطبيب والمدرس والمهندس والمعلّم والعامل والزوج والزوجة والابن والابنة والأخ والأخت والأعمام والأخوال والأجداد والجدات. لقد كانوا مجرد أناس طبيعيين يحاولون أن يعيشوا في زمكان غير طبيعي، غير منتسبين سياسيًا لحماس، أو لغيرها، فهم مدنيون لا عسكريون. لقد كانوا بشرًا في أرضهم، لكنّها كانت تهمة قاتلة بحقّهم من قبل الإسرائيليين.
تتعدّد الشهادات من أمهات فقدوا فلذات أكبادهم، إلى رجال مُحيت حياتهم بلحظة، إلى أبناء وأخوة صاروا مقطوعين من شجرة العائلة كأغصان في عاصفة، إلى عائلات دمرت مساكنها وجنى عمرها، إلى حيوات توقّف الزمن فيها في برزخ بين الحاضر المميت والمستقبل المجهول. وأمام الصعوبة في الاختيار بين هذه الشهادات بما يناسب مقال صحافي، لا يذهب إلى التنظير، ولا يغفل شهادة أحد الناجين، وقع الاختيار على شهادات عدة فيها ميزة لا تتعلق فقط بالخسارة والموت وتقطع الأوصال، بل لأنّها دليل على الحياة، حيث لا يتخيّل وجودها.
سين، 34 سنة، وسط غزة
أصرّ جميع الناجين على ذكر أسمائهم وأسماء أفراد عائلاتهم الذين استشهدوا في الإبادة، إلّا سين، مع أنّها خسرت زوجها وبناتها والجنين الذي في بطنها في القصف الإسرائيلي. كانت سين تسكن مثل كثير من العائلات الفلسطينية في بناء واحد يضم العائلة بأكملها، وكان لديها ثلاث بنات؛ الكبرى في الخامسة عشرة، ربّتها لتعرف كيف تقول كلمة "لا"! عندما وعت سين نفسها بعد الانفجار، كانت مدفونة تحت الركام، لا يصلها بالحياة إلّا نفق دقيق يدخل لها الهواء والضوء. لم تكن تستطيع الصراخ، لكنّها سمعت أمّها تنادي أخوتها الذكور. لقد تمنّت أن تنادي أمّها عليها، أن تشعر بأنّ أمّها تتضرّع إلى الله أن تكون ابنتها حيّة ترزق، لكن نداء الأم اقتصر على أولادها الذكور! لقد كانت سين ترغب بأن تدرس الصحافة، وتشتغل في الأدب، لكن الأم كانت ترى بذلك عيبًا، فزوجت سين مبكرًا، التي أنجبت لزوجها البنات، وفشلت بأنْ تنجب له الذكر العزوة.
إنّ التوقّف عند شهادة سين يبرز لنا مقدار الرغبة في الحياة، فعلى الرغم من هول المصاب ورغبتها بأن تنتحر لولا مخافة الله، لم تتخل سين عن معنى حياتها، قبل القصف أو بعده، مع أنّها خسرت بناتها وزوجها وجنينها، وبترت ساقها، وفقدت أربعًا من أصابع يدها، ولديها خيبة كبيرة من مجتمعها الذكوري، وخصوصًا أمّها. لقد حجبت اسمها، لكنّها كما قالت، ستكتب يومًا، لا عن الإبادة الإسرائيلية فقط، بل عن إبادة أخرى، أيضًا، تمارس في الخفاء بحقّ الأنوثة المبدعة.
فراس الشيخ رضوان، 21 سنة، حيّ التاج، غزة
يقول فراس: قبل أن أصبح نصف إنسان، كنت أدرس المحاسبة في جامعة القدس المفتوحة، أعيش في غزة مع عائلتي. أصيب فراس في ظهره قبل النزوح إلى رفح، وفي الطريق إليها قصِفت سيارتهم، وما بين الغبار والنار والشظايا، وهو ما بين اليقظة وغياب الوعي رأى جسدًا مقطعًا؛ الرأس استقر على بطن الجثة، واليد فوقهما، كلوحة محطّمة. هذا المشهد الغرائبي الذي تحف به الأحشاء أثار الضحك في نفس فراس، على الرغم من فظاعة المشهد، وساقيه المبتورتين، والجروح التي تتفتح في جسده. يقول: "لقد ضحكت وكنت أسمع ضحكتي"! عندما وصل إلى المشفى لم تكن في جسده أيّة إشارة للحياة، عينان مفتوحتان كعيون الموتى ونبض مخفي تحت سابع أرض. يقول فراس: لقد وضعت في براد الجثث في كيس نايلون. وعندما جاء الأهل لاستلام جثة ابنهم، أقاموا صلاة الموتى عليه وبكوا، وعندما أمسك عمّه بيده صرخ: "عايش عايش". لم يصدّقه أحد من الأطباء، إلى أن جاء أحدهم وكشف على فراس، ووجد الحياة تدبّ فيه. من يستطيع أن يجد سببًا ليضحك في هكذا وجود منقوص؛ هو التمام بذاته!
براء حمادة، 17 سنة، الشيخ رضوان
لقد قطعت ساق براء، وأعطبت الأخرى، في القصف. وفي الطريق إلى المستشفى الأوروبي، استوقفهم حاجز للجنود الإسرائيليين. لقد اعتقد الجنود بأنّ براء أحد الأسرى الذين أخذتهم حماس. لم يستوعب براء تلك المفارقة، على الرغم من أنّه أكّد للجنود الحمقى بأنّه فلسطيني. لقد خدعوا بمظهر براء، فهو شاب أشقر بشعر فاتح، وبعينين زرقاوين، فأخذوا يحقّقون معه، ليعترف بأنّه أحد الأسرى الإسرائيليين الذين أخذتهم حماس، لكن براء دافع عن نفسه، وأثبت لهم فلسطينيته. وهنا انقلب المشهد، فتحوّل الجنود إلى وحوش يضربونه بأعقاب بنادقهم ويلعنونه. تذكرتُ وأنا أقرأ شهادة براء كتاب: "صناعة الوحوش" لـِديفيد لـ. سميث كيف أنّ النازيين كانوا يميّزون اليهود من سحنتهم السامية، وعندما يجدون يهوديًا بملامح آرية مثلهم كانوا يحتارون في كيفية إثبات يهوديته! ولقد ظهرت قصص تسخر من هذه العبثية الوجودية تصوّر كيف أنّ اليهود حاولوا أن يتمظهروا بالشكل الآري عبر صبغ الشعر باللون الأشقر، وجعله مرسلًا لا مجعدًا، وتبييض جلودهم. لقد تفنّن اليهود في إظهار هذه المظلومية، ومن سخرية الأقدار بهم أنّهم لعبوا مع براء دور النازي الذي كان يحتار أمام سحنة اليهودي الشبيه بالآريين. في خضم هذا الجنون كان براء يفكّر في السباحة، ويتساءل هل سيكون قادرًا على السباحة بساق واحدة؟
هذه ثلاث شهادات تؤكّد أنّ الإبادة الإسرائيلية بحقّ الفلسطينيين لم تكن قادرة على كسر إرادة الحياة فيهم، وغيرها كثير، تثبت ذلك في ثنايا الكتاب. إنّ إسرائيل تستطيع أن تنتصر عسكريًا، وتستطيع أن تهدم العمران، وتشطب أحياء وعائلات من سجلات الوجود والحياة، وتستطيع وتستطيع...، لكنّها غير قادرة على محو إرادة الوجود في الفلسطيني التي تنبت كالنبض في قلب النقصان، ليصبح الوجود الإنساني ذاته، ناقصًا بذاته، من دون الفلسطيني. إنّ أول ما يتبادر إلى ذهن القارئ بعد قراءة شهادات الناجين بخصوص الأسئلة التي طرحتها سمر يزبك في مقدمة كتابها، أنّ الإجابة محسومة: أنصت للفلسطيني، فهو الذي رأى!
* كاتب سوري.


تحميل المقال التالي...