}
عروض

"العروسة في الفن والحياة": وعيٌ يكشف أصالة الإبداع

سعد القرش

2 يونيو 2026
سماء يحيى بجوار أحد أعمالها في معرض عنوانه "سرجي مرجي" وكتابها "العروسة في الفن والحياة"


لا يعي الفنان، في العملية الإبداعية، الخط الفاصل بين الخيال والمعرفة. لا يضبط المسافة، ولا يدرك أين ينتهي هذا، ولا أين تبدأ تلك. تتراكم الخبرة فتصهر الفطرة، ويتجدد العطاء، وتتوالى القفزات. وكل مبدع مثقفٌ كبير يمكن قراءة تفرُّده في ضوء وعيه، وحجم معرفته، وأصالة موهبته. مَن يتوقف عن الإضافة والإدهاش يستند إلى ثقافة محدودة. والثقافة أهم روافد الإبداع الذي يبدو قمة هرم، رأسًا صغيرًا بارزًا لجسد ضخم، غير مرئي، يغذّي التجربة بالوقود اللازم لفعل الإبداع. هذا بعض ما يثيره كتاب "العروسة في الفن والحياة" للدكتورة سماء يحيى، وبروح الفنانة قامت برحلتها مع العروسة.

سماء يحيى تتعمد الاستغناء عن اللقب العلمي. ولم تطبع رسالتيها للماجستير والدكتوراه. ولا يستهويها تأليف الكتب، على الرغم من مشاركتها في ملتقيات علمية بدراسات متخصصة، منها "تأثير مفهوم الزمان والمكان في الثقافة الهندوسية وعلى الفن الهندي المعاصر"، و"التعبير الفني عن الأم الكونية في فنون الحضارات القديمة"، و"التأثير والتأثر ما بين الفنون الإسلامية والبوذية عبر طريق الحرير". وفي مسارها التشكيلي، في التصوير والنحت والأعمال المركَّبة، جاذبية إلى العرائس، في معارض صريحة العنوان، منها "هنا عرايس بتترص" 2017، و"عرايس الخبيز" 2021، و"سرجي مرجي" 2022. وأحيانًا ترواغ باستخدام عنوان آخر مثل "حلاوة زمان" 2018، و"سوق ديانا... سيرة الناس والحاجات" 2025. لكن العروسة حاضرة.

استعاد معرض "حلاوة زمان" روح طفولة يكبحها التعقل، وتُذعن لاشتراطات مجتمع يتصحَّر؛ فلا يبالي أحيانًا بالحنين إلى منابع الدهشة، ويمنعه العناد من أن يستجيب لفنون البهجة. إذا كان للتيار قطبان موجب وسالب، وللعربة جوادان، وللكائن الحي نوعان، فالمصريون ابتدعوا من العروسة والحصان أشكالًا تبعث الفرحة، وتجدد روح الروح. ولو أن معرض "حلاوة زمان" فيلم سينمائي، فبطلاه هما العروسة والحصان، وللبطلَين أن يستبدَّا بمشاهد الفيلم، منفردين أو يتأرجحان على الحبال أو يقفزان فوق سفينة. واستنادًا إلى خيال طفولي طليق، تتداخل الأزمنة، وتتعدد خامات العروسة والحصان، من الورق، إلى محاكاة تماثيل الأوشابتي الجنائزية في مصر القديمة، إلى عرائس وأحصنة الحلوى في المولد النبوي.

أما معرض "عرايس الخبيز" فمنحوتات برونزية، قبضٌ على طقس يكاد يختفي، رضوخًا لعولمة أطعمة متشابهة، تُعدُّ للاأحد، تخلو من نَفَس أنثى عجنت وخبزت. البرونز مادة صلبة تتحدّى الزمن، تجسد روح طفولة العرائس. لم يستهدف المعرض محاكاة أجواء الخبيز، بل ابتدع واقعًا آخر، وعلاقات بعضها مركَّب، تنتهي بما يشبه سيرة تجمع الإنسان وسنبلة القمح، وعلاقتها بالنار، وتطوّر أدوات الخبيز. وفي مصر نحو ثلاثين نوعًا من الخبز الذي يسمَّى "العيش"، والقسم "بالعيش والملح" عظيم. ومن استلهام قرص الشمس، رمز الإله المصري آتون، تاج الإلهة حتحور، تنحت سماء يحيى وجوهًا كالرغيف لنساء تفيض ملامحهن بابتسامة الرضى، حفيدات حتحور وإيزيس رمزي الأمومة والعطاء والبعث.

تمثال شيجير/ دمية المرأة الطائر، متحف بروكلين/ دمىة طينية: المرأة تحمل طفلًا في مصر، نحو 4500 قبل الميلاد/ دمى إناث من الطين والعظام في مصر نحو 4500 قبل الميلاد


ربما يصدق القول إن الكاتب، مهما تتعدد مؤلفاته، يظلُّ يكتب كتابًا واحدًا. وكذلك المخرج أيًّا كان عدد أفلامه. في اللاوعي دائمًا دوافع شخصية توجّه الفنان، وتمنحه القدرة على معالجات وحلول فنية متنوعة لقضيته. من زاوية النظر هذه، أرى في كتاب "العروسة في الفن والحياة" تفسيرًا لانشغال مؤلفته سماء يحيى بالعرائس، جماليًّا وفكريًّا. التيمة، أو الفكرة الدرامية، تتجسد وتتحوّر، وفي العمق منها سرُّ الفنان. ثم يكشف عمل فكري، مثل هذا الكتاب الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، ما وراء التصوير والنحت. وخلافًا للباحث والناقد الأكاديمي، فإن الفنان يجعل العمل الفكري أكثر متعة. وهنا تجعل المؤلفة بحثها التاريخي عن العروسة رحلة شائقة.

في البدء كان الخلاء، وكان الخوف، ورأى الإنسان أن يبدأ رحلة اكتشاف الكون الغامض المحيط به. حاول اتّقاء شرّ المجهول، باللجوء إلى تشكيل مخلوقات تمدُّه بالسكينة. ومن البوص النابت في الأحراش، ومن القشّ والخشب والطين والعظام، وغيرها من الخامات المتاحة، صنع عرائس يحتمي بها من شرور الطبيعة، ويتوسل بها لجلب الرزق والإنجاب. وكانت العروسة المنحوتة على هيئة إنسان أو حيوان، من أقدم التشكيلات النحتية التي صنعها الإنسان، بحجم صغير، منها عرائس للعب، "وعرائس لأغراض تزيينية وطقسية وفنية"، كما تقول المؤلفة. وعلى هذا المشترك الإنساني اتفقت تجمعات بشرية متباعدة جغرافيًّا، ربما قبل أن تنشأ بينها علاقات، وتواصل يسمح بتبادل الخبرات والمعارف.

تبدأ رحلة العروسة في التاريخ بتمثال شيجير، "أقدم قطعة خشبية ثقافية موجودة في العالم". نُحت بأدوات حجرية منذ نحو اثني عشر ألف سنة، من قطعة خشبية واحدة، مأخوذة من شجرة صنوبر عمرها 175 عامًا. وعُثر عليه مقسمًا إلى عشر قطع، في مستنقع قريب من منجم للذهب، في منطقة الأورال الروسية عام 1894. ويُحفظ حاليًا في متحف سفيردلوفسك بمدينة يكاترينبورج. والتمثال الضخم المنحوت على هيئة عمود له ملامح إنسانية، وتزيّنه نقوش، ومن الخلف والأمام نُقشت عليه ثمانية وجوه بشرية، وينتمي إلى عصور الصيد، ويُرجّح أنه "صُنع لتقديس أرواح الغابة"، والعثور عليه يثبت أن لدى الناس في تلك المنطقة "قدرات إبداعية وتعبيرية".

لعل التقادم أكسب تمثال شيجير أهميته. هو عمل صرحي؛ فلا أظنه يُدرج ضمن مفهوم العرائس ودلالاتها. والمؤلفة تسمّيه "صنم شيجير". ولا أجد سببًا لإصرارها على تسمية تُقحم فيها ثقافة ومفاهيم دينية إسلامية. وصفُ التمثال بأنه تمثال يغني، ويحمل حيادًا يلائم طفولة البشرية، في مجتمع صيد أبدعه قبل اكتشاف الزراعة. حتى المسلمون حين صنعوا عرائس صغيرة، وتماثيل صرحية أو بالحجم الطبيعي، سمّوها تماثيل لأنها بالفعل تماثيل، والمؤلفة تسمّيها تماثيل. وأقدمها التماثيل التي اكتُشفت في موقع عين غزال في الأردن، وعددها 36 تمثالًا، وتنتمي إلى مجتمع زراعي، وتحمل "أثر الإنسان النحتي الأول والأقدم... هي شهادة فريدة على بداية التمدن، ونشأة النظم الاجتماعية المركبة".

 سماء يحيى في معرض "سوق ديانا" وعرائس المعرض


وددتُ لو تجري المؤلفة مقارنة بين تطور النظم الاجتماعية والبلاغة في الآداب والفنون، وما تثمره من تجريد وإيجاز. في فتوّة الكاتب وذروة إبداعه يصوغ أعقد المعاني بأقل عدد من الكلمات، حتى إذا ضمرت همّته واعتلّت صحته، تراجعت قدرته على الإيجاز، فيركن إلى الإطالة، ويستسهل الإسهاب. في الفن التشكيلي أيضًا بدأ النحت صرحيًّا، كتمثال شيجير. وبنمو الوعي الجمالي، واختراع أدوات أكثر حداثة وقدرة على تطويع الخامات، تمكن الفنان من نحت تماثيل صغيرة أكثر دقة. مجتمع الصيد في الأورال نحت تمثالًا واحدًا كبيرًا، ومجتمع الزراعة في عين غزال، وكذلك في كهف وادي حمار في فلسطين، أبدع العشرات من الأقنعة والتماثيل الأصغر حجمًا.

قفزة النحت الكبرى شهدتها مصر القديمة. هذه الحضارة تنقسم إلى عصور وأُسر حاكمة. نحو ثلاثة آلاف سنة ليست كتلة واحدة يُطلق عليها الكثيرون، جهلًا أو كسلًا، "الحضارة الفرعونية". جذورها أقدم بكثير من كلمة "فرعون" التي صارت، جهلًا أو كسلًا، دليلًا على الاستبداد. والمبتدئ في الدراسات التاريخية والأثرية لا يجد، على الإطلاق، في أي مصدر تاريخي أو أثري، كلمة "فرعون" لقبًا أو اسمًا لحاكم مصري. يبدو "فرعون"، في القرآن، اسم حاكم أجنبي عاصر النبي موسى. أما لقب الحاكم فهو "الملك". ولم يحمل حاكم مصري اسم أو لقب "فرعون". وبسبب رغبة مزمنة في انتقام اليهود من مصر، صارت كلمة "فرعون" عنوانًا للطغيان.

أولى التماثيل الصغيرة اكتُشفت في منطقة "تل الفرخة" بمحافظة الدقهلية في دلتا مصر. عثرت بعثة تنقيب إيطالية عام 1987 على معبد ضخم، أقدم من الدولة المركزية التي أسسها الملك مينا بنحو ستة قرون. ضمَّ المعبد ورش نحت دمى، وتماثيل صغيرة لرجال ونساء وأطفال وأقزام، وآنية وقوارير حجرية، وقردة وتماسيح، وحيوانات منزلية منها "كلاب مروَّضة في وقت مبكر من التاريخ". في المجتمع المستقر تنوعت الخامات، وأبدع النحات تمثالًا لامرأة تحمل طفلًا، وتمثالًا من العاج طوله ثمانية سنتيمترات لطفل يضع إصبعه في فمه. وتفنَّن النحات في تغليف تمثالين خشبيين برقائق الذهب، يُرجّح أنهما "لملك وابنه في أول تمثيل لحاكم مصري وربما لمعبودين".

غامر النحات في مصر القديمة بالتجريب السريالي. تذكر سماء يحيى أن الفنان المصري، في تلك الفترة المبكرة، "استخدم أسلوب الجمع بين وجه امرأة وجسد ثعبان، أو رجل وجسد حيوان للإشارة إلى دلالات طقسية دينية"، فضلًا عن النحت الواقعي للعشرات من التماثيل الصغيرة، بأقدام مضمومة، وأيدٍ تتقاطع مع الأجساد، وأعضاء تناسلية واضحة، والآذان يغطيها الشعر المفروق من المنتصف، والحواجب المحددة. وانتقل التجريب السريالي إلى أقصى الجنوب، إذ عثر المغامر الأميركي هنري دي موجان في قرية المعمارية شمالي مدينة أسوان على "تمثال طيني مذهل في جماله"، طوله 29 سنتيمترًا، لامرأة بأنف يشبه منقار طائر. وحاليًا يوجد تمثال "المرأة الطائر" في متحف بروكلين.

يرجع تمثال المرأة الطائر إلى منتصف الألف الرابع قبل الميلاد. آنذاك انتشرت التماثيل الطينية الصغيرة خارج وادي النيل، ففي موقع جبل الكحل المطلّ على البحر الأحمر اكتُشفت تماثيل من الطين المحروق، أطوالها بين 12 و18 سنتيمترًا، بعضها قُدِّم قرابين في المعابد طلبًا للسلامة وللخصوبة. ثم استُخدمت خامات صلبة مثل الحجر الجيري والجرانيت في صنع تماثيل جنائزية صغيرة (أوشابتي) ترافق المتوفى في رحلته البرزخية نحو الخلود؛ ضمانًا للخصوبة في حياته الثانية. ثم جاءت العرائس، التي ارتبطت بالمولد النبوي منذ العصر الفاطمي، تنويعًا على لحن مصري قديم يرى العرائس تراثًا جماليًّا، فصار وصف "عروسة المولد" يُطلق على كل ما هو جميل وأنيق.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.