}
عروض

مجلّة "شعر": علامة فارقة في تاريخ الشعر العربي المعاصر

محمود شريح

20 يونيو 2026


جاك أماتييس السالسي، الأب السالسي، المولود في كونيو على مقربة من تورينو في إيطاليا، نزيل بيت لحم في معهد السالزيان دون بوسكو، في مبحثه النفيس "فهرس مجلّة شعر: المرحلة الأولى 1957-1964" (دار نلسن، 2026)، يؤرّخُ لمرحلة نهضويّة في بلاد الشام عبّرتْ عنها ومثّلتْها مجلة "شعر" الصادرة في بيروت بدءًا من عام 1957، وحتى عام 1964.
في مقدّمته إلى سفره النفيس هذا، يعالج الأب أماتييس، في القسم الأوّل منها، أبواب المجلّة، فيما يتناول في القسم الثاني منها منهج الفهرسة، فأبوابها هي: الافتتاحيّة، القصائد، الترجمات، في التراث القديم، من التراث الشعري العربي، في الشعر، في الشعر والشعراء، في النقد، أخبار وقضايا، قضايا وأخبار، النشاط الشعري، الرسائل، بريد الشعر، المساهمون (في المجلّة).
أمّا الملاحق فقد أوردَ فيها حضرة الأب كشّاف القصائد العربية، وكشّاف الترجمات عن اللغة الفرنسية، وكشّاف الترجمات عن اللغة الإنكليزية، وكشّاف الترجمات عن اللغة الإيطالية، وكشّاف الترجمات عن اللغة الإسبانية، وكشّاف الترجمات عن لغات أخرى، وكشّاف الكتب، الكتب العربية والأجنبية، وكشّاف المقالات والمحاضرات والقصص، وكشّاف الصحف والمجلات، العربية والأجنبية، إضافة إلى كشّاف الأعلام وكشّاف صور الأشخاص.
في المرحلة الأولى (1957-1964)، أبدت المجلّة اهتمامًا خاصًّا بنشر التجارب الشعريّة الجديدة التي تتميّز بصدق التجربة والمستوى الفنّي اللائق، وبالإضافة إلى ذلك قدّمت المجلّة قصائد مُترجمة لكبار شعراء الغرب من مختلف اللغات مع دراسة عنهم، ودعت إلى اعتماد طريقة نقديّة تستفيد من اتّجاهات النقد الحديث. ولفترة ما نشرت مقتطفات من الشعر العربي القديم تتضمّن عناصره الجماليّة، ذلك فضلًا عن الافتتاحيات التي حملت أهمّ مبادئها ونظريّاتها الفنيّة والأخبار الأدبية والتقارير عن نشاطاتها وإنجازاتها.
أمّا في المرحلة الثانية (1967-1969)، فقد أضافت المجلّة إلى همومها السّابقة السعي إلى هدم الحواجز القائمة بين مختلف القطاعات الفنيّة، فعنيتْ بالحركة التشكيليّة، لا سيّما الرسم والنحت والتصوير، وأفسحتْ مجالًا واسعًا لأخبار الفنّ وإنتاج الفنّانين.
استفادت المجلّة في انطلاقتها من حركة الشّعر الحرّ التي كانت قد بلغت في الخمسينيات نموًّا ملحوظًا وانتشارًا واسعًا، فاحتضنتها ودفعت بها إلى المزيد من التخطّي في سبيل إلغاء الحدّ الفاصل بين الشعر والنثر، مع طرح قصيدة النثر نموذجًا لنوع أدبي جديد، فكان من أهم مبادئها فصل الأدب عن السياسة والمطالبة بالحريّة الفنيّة، شحذَها تمرّنٌ متواصل وثقافةٌ واسعة، بعيدًا عن ضغط الأحداث ووطأة التقليد، وشدّدت على أولويّة المضمون على الشكل.
كرّس يوسف الخال جميع طاقاته وإمكاناته في سبيل إنجاح مشروعه الثقافي الذي جنّد له عددًا من الشعراء الناشئين الذين عُرفوا بـ "جماعة مجلة شعر"، وهم: يوسف الخال، أدونيس (علي أحمد سعيد)، شوقي أبي شقرا، أنسي الحاج، نذير العظمة، فؤاد رفقه، عصام محفوظ، والناقدة خالدة سعيد التي رافقتْ المجلّة عن كثب وساهمتْ بمقالات نقديّة رفيعة المستوى.
أطلقت المجلّة حركة ثقافيّة واسعة سُمِّيت "حركة مجلّة شعر"، وشملت "دار مجلّة شعر للنشر" وندوة الخميس المعروفة بـ "خميس مجلّة شعر"، الذي أصبح مرصدًا ومختبرًا ثقافيًّا لعب دورًا هامًا في صياغة مفاهيم الحداثة ونشرها، وفي إبراز مواهب جديدة، وتهذيب ذوق الشعراء الفني، من خلال قراءة القصائد الجديدة ونقدها، وإخضاع المواد المعدّة للنشر في المجلّة لمقاييس نقديّة صارمة، ومناقشة شتّى المواضيع الأدبية والثقافية.




أثارتْ المجلة جدلًا وشكوكًا وغضبًا في مختلف الأوساط، وأصبحت منذ سنواتها الأولى هدفًا لاتهامات عديدة، سياسية وثقافية، الأمر الذي أثار موجة عارمة من المعارضة واجهتها المجلّة من دون مساومة على مواقفها الفكريّة والفنية.
وكان من بين المعارضين لخطّ المجلّة بعض الأنظمة العربية في مصر والعراق وسورية في فترات مختلفة، لذا مُنع دخول المجلّة إليها لاعتبارات سياسيّة. أضف إلى ذلك أنّ أنصار القديم لم يرتاحوا إلى اتّجاهها الفني والشعري، أما أشدّ هجوم على "شعر" فقد شنّته الأوساط العروبيّة بزعامة مجلّة "الآداب"، لأنّها لم تطمئنّ إلى اتّجاه المجلّة الفكري وحركتها الثقافيّة وتنكّرها لنظرية الالتزام في الأدب.
ومهما قيل، تبقى مجلّة "شعر" علامة فارقة في تاريخ الشعر العربي المعاصر. فقد بثّت معاني الحداثة، ورسمتْ خطّ اللارجعة في مسيرة تطوّر الشعر في الثقافة العربية.
كان أهمّ إنجاز لغوي- أدبي حققته مجلّة "شعر" يكمن في بلورة قصيدة النثر. صحيح أن ألبير أديب وإبراهيم شكر الله وجبرا إبراهيم جبرا وتوفيق صايغ نشروا نماذج من النثر الشعري، إلّا أنّ قضية قصيدة النثر لم تُعالج إلا مع وصول الشاعر السوري محمد الماغوط إلى بيروت وانضمامه إلى "شعر"، ذلك أن قصائده الحرّة، المجرّدة من الإيقاع العروضي ومن القافية -والتي تفجّر المنحى الصُّوري- قد لفتت انتباه أعضاء التجمّع إلى الامتيازات الكبيرة التي يتيحها للشاعر تخلّيه الكامل عن الشكل التقليدي. فجأة دار نقاش حول قصيدة النثر، وظهرت أواخر الخمسينيات ومطلع الستّينيات مجاميع شعرية، تُرسّخ المنحى هذا، دفع بها -إضافة إلى الماغوط (حزن في ضوء القمر)- أُنسي الحاج (لن) وجبرا (تموز في المدينة) وتوفيق صايغ (القصيدة ك) وأبي شقرا (ماء إلى حصان العائلة) وأدونيس (أغاني مهيار الدمشقيّ) وهنري حاماتي (إلى الفقر) وميشيل كمال (رحلة العودة).
استفادَت جماعة "شِعر" من نتاج الدّادائيّة والسّورياليّة في ما يختصّ بالتّنقيط والتّوزيع في القصيدة، وهذا ما حطّم العبارة التّقليديّة. لجأ بعضُهم إلى إذابة الجُمَل واستبعاد الحدود الفاصلة بينها، وإلى استعمال الجملة غير التّامّة وتبسيط الخطاب الشّعري. استفادوا من ترجمة الشّعر الأجنبيّ واحترموا النّصّ وحافظوا على بنيته بهدف القبض على خصائص الشّاعر البنائيّة والحذاقة الأسلوبيّة لتركيبه الشّعريّ.
في عام 1968، أصدرَ أدونيس من بيروت مجلّة "مواقف" داعيًا فيها إلى الحريّة والإبداع والتّغيير على مدى ربع قرن، فجاءت مجلّته اتّصالًا بدوريّة "شِعر" التي انضمّ إليها في 1957، وخرج منها في 1963، وانقطاعًا عن "شعر" في آنٍ؛ وقد توجّه في "مواقف" إلى الإحاطة بِمُجمل قضايا الحداثة، شعرًا ونثرًا، سياسةً وفلسفةً، أدبًا وفنًّا، مُكملًا رؤيته النّقديّة في أثره النّفيس "الثّابت والمتحوّل: بحثٌ في الإبداع والاتّباع عند العرب".

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.