في الزمن الذي يستسلم فيه الضمير العالمي لسبات طويل متواطئ مع المحتلّ الإسرائيلي، تتساءل فرانشِسكا ألبانيزي، المقرّرة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلّة، كيف للعالم أن يصمت والإبادة مستمرة في غزّة، وذلك عبر كتابها: "عندما ينام العالم: قصص، كلمات، وجروح فلسطينية مفتوحة"، الصادر عن دار هاشم لعام 2025 بترجمة أحمد ع. محسن. إنّ كتاب ألبانيزي ليس مصنفًا تقريريًا حقوقيًا جافًا، أو رصدًا إجرائيًا باردًا، وإنّما هو حفر تاريخي وتاريخاني يغوص عميقًا في روح ولحم المأساة الفلسطينية، من منطلق الحياد الإيجابي الذي يحكم عملها، إذ الحفاظ على حقوق الإنسان هو المعيار الذي يجب أن يُهتدى به.
يمتلئ الكتاب بقصص وشهادات شخصيات لم تنم ضمائرهم على غرار آلون كونفينو، وهو أستاذ جامعي إيطالي يهودي، درّس التاريخ والدراسات اليهودية في الشرق الأدنى في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وكان مديرًا لمعهد دراسات المحرقة والإبادة الجماعية والذاكرة في الولايات المتحدة، وإلى جانبه تحضر إنغريد جرادات غاسنر الخبيرة بالشأن الفلسطيني، والجراح البريطاني الفلسطيني غسان أبو ستة الذي كان موجودًا في غزة بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وإيال وايزمان بصفته مؤسسًا لمجموعة أبحاث: "الهندسة الجنائية المعمارية"، وغابور ماتيه الطبيب الاختصاصي الكندي اليهودي في طب الصدمات النفسية، ليدلي كل منهم بدلوه في مشروعية القضية الفلسطينية. وكانت إلى جانب هؤلاء المفكّرين ذكرى الطفلة هند رجب ذات الأعوام الستة التي قتلتها إسرائيل بكل عنجهية، والمقدسيين "أبو حسن" و"جورج" والغزاوية ملك مطر، الرسّامة التشكيلية البريطانية التي زيّنت لوحتها غلاف كتاب ألبانيزي.
إنّ هذه الشهادات التي يختلط بها الشخصي مع الفلسفي والنقدي والقانوني تتآلف مع توجّه ألبانيزي التي أدركت ضرورة اغتنام أيّة فرصة متاحة للدفاع عن فلسطين، لذلك كان هذا الكتاب الذي لا يسجل رؤيتها كناشطة فقط، وإنّما شهد أيضًا بداية تعرّفها على فلسطين من خلال دراستها في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن، بدءًا من عام 2005 حيث ظهر فضولها حول هذا البلد، ومن ثم تطور ليصبح معرفة قانونية دعمتها دراستها لقضايا حقوق الإنسان وتفكيك الاستعمار من منظور نقدي، غير متأثر بالمركزية الأوروبية، لتصل إلى نتيجتين حاسمتين سارت على هداهما فيما بعد، عندما عملت مع الأمم المتحدة؛ الأولى: أنّ فلسطين تُظلم عندما تختزل كقضية سياسية فقط، إذ هي قضية إنسانية في البدء والنهاية. والثانية: تمثلت في ضرورة مقاربة قضية فلسطين من منظور نقدي ما بعد استعماري وتأطيرها في منظور تطور تاريخي، يتعلق بالشعوب التي ناضلت ضد الاستعمار القديم والحديث.
وقبل الخوض في ثنايا هذا الكتاب، لا بدّ من تقديم نبذة صغيرة عن المؤلّفة لتكتمل أبعاد الصورة. فرانشسكا ألبانيزي، محامية وباحثة إيطالية، عيّنت كمقرّرة خاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي تضم الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية. وتتمثّل مهمتها في تقديم تقارير إلى الأمم المتحدة حول حالة حقوق الإنسان هناك. ومنذ استحداث منصب المقرِّر الخاص عام 1993، ظل منصبًا مثيرًا للجدل إذ تعرّض المقرّرون السابقون لانتقادات لاذعة من الحكومات الإسرائيلية وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل بسبب ما اعتبر تحيزًا ضد إسرائيل.
ولم تكن ألبانيزي استثناء، فمنذ توليها منصبها في عام 2022، واجهت حملة منسقة لإجهاض جهودها نظرًا لنقدها الراديكالي للاحتلال، وخاصة حرب الإبادة على غزة، حيث جادلت بأنّ أفعال إسرائيل تستوفي أركان جريمة الإبادة الجماعية، مؤكّدة ذلك في مداخلتها الشجاعة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2024 بينما كانت إسرائيل تعمل على محو غزة من الوجود: "... وإن كان صحيحًا أنّنا هنا اليوم، لأنّنا نحترم القانون الدولي، فلا سبيل آخر أمامنا سوى فرض عقوبات على إسرائيل، ومراجعة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والاستراتيجية التي تربطنا بهذه الدولة، لعلّها تكون آخر إبادة جماعية في تاريخ البشرية".
تنطلق ألبانيزي في كتابها من أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وترى أنّ من ينظر إلى هذه الأحداث على أنّها صراع بين طرفين كمن يقرأ كتابًا من منتصفه متجاهلًا صفحات كثيرة من الألم والدماء والموت دفعها الفلسطينيون من أيام الاحتلال البريطاني، مرورًا بإعلان دولة إسرائيل والنكبة، وصولًا إلى غزة التي تباد، فلا وجود لطرفين متكافئين، وإنّما ثمة محتلّ يمارس الإجرام البنيوي بحقّ الشعب الفلسطيني، وشعب يناضل من أجل استرداد حقوقه. وتتابع التوضيح بأنّ من ينتظر أن تصدر محكمة العدل الدولية رأيًا استشاريًا بوقوع الإبادة، فلقد أكّدت المحكمة احتمالية وقوع إبادة جماعية بحق الغزاويين في عام 2024 ومع ذلك تصرّفت الكثير من الدول، كما لو أنّها لم تفهم من قرار المحكمة شيئًا أو تجاهلته. هذه التوطئة التي قدمتها ألبانيزي لم تقصد بها توصيف الوضع الدولي بعد السابع من أكتوبر، وإنّما كان القصد أنّ هذا حال دول العالم تجاه الواقع في فلسطين المحتلة منذ نشوء دولة إسرائيل. تقول ألبانيزي بأنّ التضامن مع الحقوق الفلسطينية والوقوف في وجه الإبادة التي يتعرّضون لها يجب أن يكون استفاقة أخلاقية بمواجهة المعايير المزدوجة في العالم الغربي. إنّ هذا التضامن هو موقف يرفض الانصياع للترهيب الفكري والقانوني والسياسي الذي تقوم به إسرائيل والدول الداعمة لها، وفي مقدّمتها الولايات المتحدة الأميركية، تحت شعار معاداة السامية الذي جرى تشويهه وعزله عن سياقه بربطه قسرًا بالصهيونية. وقد اختبرت ألبانيزي إرهاب معاداة السامية هذا بنفسها، حين هدّدتها السلطات الألمانية بالاعتقال في شباط/ فبراير 2025 في أثناء تقديمها محاضرات حول تقريرها المرجعي "تشريح عملية إبادة جماعية" الذي عرضته كمقرّرة أمام الأمم المتحدة في أيار/ مايو من عام 2024، ولولا تدخل الأمم المتحدة لصالحها لكونها مقرّرتها وتتمتع بالحصانة الدبلوماسية، لم تكن لترتدع الحكومة الألمانية عن ذلك.
تبدأ ألبانيزي الشهادات التي وضعتها في الكتاب بالطفلة هند رجب، لا كتوثيق مأساوي لرحيل طفلة برصاص الجنود الإسرائيليين، وإنّما هو حفر معرفي يمهّد لكشف سياسة نزع الإنسانية التي تمارسها أيديولوجيا الاحتلال على الفلسطينيين. تستحضر الكاتبة تسجيلات الاستغاثة المرعبة للطفلة هند ذات السنوات الست وهي محاصرة بالدبابات والشهداء من عائلتها، لتفكّك من خلالها عقلية الوحش الصهيوني. ترى ألبانيزي أنّ قتل هند واستهداف طاقم الإسعاف الذي نسق رسميًا مع إسرائيل لإنقاذها، ليس خطأ عسكريًا عارضًا، لكنّه التجسيد الحقيقي للمفهوم الاستيطاني الاستعماري الإسرائيلي الذي يعدّ الطفل الفلسطيني تهديدًا ديموغرافيًا مؤجّلًا، وليس كائنًا يستحق الحياة والحماية الدولية. في هذا الفصل تصدم ألبانيزي القارئ الغربي بمرآة عجز منظومته القانونية، فالقوانين واتفاقيات حقوق الطفل التي صيغت في أروقة جنيف تتبخر تمامًا عندما تصطدم بجدار الفصل العنصري ومنهجية الإبادة المعتمدة من قبل إسرائيل، ليصبح مقتل هند قرينة أبدية على نفاق المنظومة الدولية عندما يتعلّق الأمر بجرائم إسرائيل.
من بعد هند تأتي عروسة المدائن: القدس، لتشرح بهذا الفصل سياسة الفصل العنصري/ الأبارتهايد إلى جانب آليات الاقتلاع الصامت للفلسطينيين، فعبر قصة "أبو حسن" تأخذنا الكاتبة إلى أزقة الخليل والقدس، لتبيّن كيف يجري تقطيع أوصال الحياة اليومية عبر الحواجز والبوابات الإلكترونية والمستوطنات المقامة في قلب الأحياء العربية، فتسلط الضوء على العنف المكاني الذي تمارسه إسرائيل من خلال مصادرة البيوت والأراضي وتحويل التواجد الفلسطيني إلى سجن. وتنتقل بعد شهادة "أبو حسن" إلى المقدسي الآخر "جورج" لتغوص عميقًا في الترسانة القانونية للاحتلال وفي مقدّمتها "قانون أملاك الغائبين" والهندسة الديموغرافية للقدس، لتبين كيف يوظّف القانون كأداة حرب ناعمة لإلغاء حق الفلسطيني في الوجود داخل مدينته. إنّها تثبت أنّ هدم المنازل وسحب الهويات وفرض الضرائب الباهظة؛ هي عمليات تطهير عرقي مقونن يجري بارتياح شديد تحت غطاء محاكم احتلالية تدعي النزاهة، مما يفرض على الفلسطيني حالة طرد دائم من أرضه وسياقه التاريخي.
يعالج فصل آلون كونفينو السؤال التالي: "كيف يمكن التعرّف إلى الشخص المعادي للسامية؟"، وذلك لن يكون إلّا عبر إعادة ضبط جراحية للمفاهيم، من خلال التفرقة بين العنصرية البنيوية الحقيقية، والابتزاز السياسي المعاصر الذي تمارسه إسرائيل عبر ربط معاداة السامية بها، حيث يرى آلون أنّ المعادي الفعلي للسامية يعرّف بمعيار حقوقي وإنساني واضح؛ هو من يوجه الكراهية، أو التمييز، أو العداء ضد اليهود كأفراد أو كجماعة بسبب هويتهم الدينية أو العرقية. هذا النمط من العداء هو ربيب الفاشية واليمين المتطرّف التاريخي في الغرب والذي يرى في الآخر الديني تهديدًا لنقاء الغرب. ومن ثم يقدّم الفصل دليلًا عكسيًا لتبرئة المدافعين عن فلسطين، فالشخص الذي ينتقد الترسانة الاستعمارية الإسرائيلية أو يناهض الأبارتهايد، أو يدين الإبادة بحقّ الفلسطينيين، لا ينطلق من كراهية لليهود وإنّما من انحياز قيمي للحقوق الكونية. ويرى آلون بأنّ الماكينة الصهيونية بإصرارها على دمج الهوية اليهودية بالدولة الصهيونية، هي من يمارس معاداة السامية، لأنّها تحمّل كل يهود العالم وزر جرائم احتلال استيطاني إسرائيلي. وبناء على ذلك، يتم التعرّف على المعادي للسامية عبر فحص بوصلته؛ هل يهاجم الإنسانية في الهوية اليهودية؟ فإذا كان الجواب بالإيجاب، فالعنصرية تكمن بذلك. أما إذا كان يهاجم الوحشية في الممارسة الصهيونية؛ فهو ليس معاديًا للسامية.
تدين فرانشسكا بعلاقتها العميقة مع فلسطين لإنغريد جرادات غاسنر، لأنّها كانت البوابة التي عبرت منها القضية الفلسطينية إلى عقلها وقلبها، ومن ثمّ تحوّلها من مجرد ملف قانوني مكلّفة به إلى قضية إنسانية وأخلاقية تتطلّب انحيازًا وجوديًا وعملًا ميدانيًا لا يتوقف. وتكشف ألبانيزي في هذا الفصل عن عقدة الذنب الأوروبية نحو اليهود وكيف توظّفها الصهيونية لشرعنة الإبادة بحقّ الفلسطينيين، الآن في غزة، ومنذ لحظة نشوء إسرائيل. ولقد تعلّمت ألبانيزي من إنغريد بأنّ الاكتفاء برصد التجاوزات الحقوقية في فلسطين لا يكفي، إذ يجب البحث عن بديل تحرّري أقرب إلى "أممية التضامن" بين الشعوب، كما حدث في مواجهة نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، عبر تأطير قضية فلسطين وعدّ التضامن معها كحركة تصفية للنهج الاستعماري.
أمّا الطبيب الجراح غسان أبو ستة فقد تجاوز دوره التقليدي في الطب، ليصبح مترجمًا لأثر الجريمة على الجسد الفلسطيني في غزة. إنّ مشاهداته السريرية داخل مستشفيات القطاع عبارة عن تقرير تشريح جنائي يثبت ارتكاب إسرائيل لجرائم الإبادة بواسطة الأسلحة المحرّمة دوليًا، حيث يقول: إنّ حصار المستشفيات وتدميرها وقطع الإمدادات الطبية والوقود عن غزة لم يكن تفصيلًا عسكريًا عارضًا، وإنّما ركن أساسي في هندسة الإبادة التي تقوم بها إسرائيل؛ فبدلًا من أن تكون المستشفيات ملاذًا آمنًا بموجب القانون الدولي، حوّلتها إسرائيل إلى مقابر جماعية للموت، مما يعني أنّ إسرائيل تريد جعل الحياة غير ممكنة في قطاع غزة. ومن ثم يشرح إيال وايزمان بأنّ محو مدن قطاع غزة واستهداف بنيتها التحتية وتحويل الأحياء إلى ركام يخدم الهدف الاستراتيجي لإسرائيل؛ بأن يجعل قطاع غزة أرضًا غير صالحة للحياة. ولكي تكتمل مشهدية التحليل الذي اعتمدته ألبانيزي للواقع الإبادي في فلسطين المحتلّة، كان لا بدّ من شهادة وخبرة الطبيب غابور ماتيه الذي يرى من موقعه كناجٍ من الهولوكوست، بأنّ الشفاء من الصدمات التاريخية والحاضرة، لا يمكن أن يتحقّق عبر خلق ضحايا جدد، كما تفعل إسرائيل، وإنّما عبر التحرّر الفلسطيني من نير الإبادة التي عاشها اليهود. في خضم هذا الخراب الذي رصدته ألبانيزي، تأتي ملك مطر الرسّامة التشكيلية الفلسطينية الغزاوية، لتقول إنّ الفنّ أداة حيوية للمقاومة وحفظ الذاكرة. فالفنّ هو الآخر شاهد على الحيوات التي يحاول الاحتلال محوها.
إنّ كتاب "عندما ينام العالم: قصص، كلمات، وجروح فلسطينية مفتوحة" إذ يضفر الشهادات الحيّة مع التحليل القانوني والنفسي والفلسفي والفنّي التي قدّمتها فرانشسكا ألبانيزي، يغدو مانيفستو وجوديًا، يؤكّد بأنّ التضامن مع الحق الفلسطيني هو الاختبار الأخير لما تبقى من إنسانيتنا، والسبيل الأوحد لضمان ألا يكون العالم شريكًا صامتًا على أفظع جرائم الألفية الثالثة، وإلّا لن تكون غزة آخر إبادة جماعية في التاريخ.
* كاتب من سورية.


تحميل المقال التالي...