}
عروض

"أرابيسكو": مُغامرات جامِعِ تُحَفٍ في طنجة

منى ظاهر

26 يونيو 2026

في رواية "أرابيسكو"، للكاتب الإيطاليّ أومبيرطو باستي، الصّادرة حديثًا في هذا العام 2026، عن المعهد الثّقافيّ الإيطاليّ بالرّباط، في طبعة محدودة، بترجمة مِن الكاتب المغربيّ نبيل مادا، ومراجعة الكاتب والشّاعر حَسن نَجْمي، ننكشف على مدينة طنجة المغربيّة مرّة أخرى، مِن منظور تخييليّ إيطاليّ، وهي الفضاء السّحريّ الّذي يستأثر بأحداثها قاطبة، مِن خلال مغامرات شخصيّة جامِع التّحف، الّذي يبدو ساخطًا في تمهيد الرّواية، إثر انكسار قطعة خَزَف تعود لطقْم أوانٍ نادر، صُنعَ بأمْر مِن رحّالة مثقّف ضمّ رحلته العظيمة "ستونهينج" الأفريقيّة، ولهذا يصيح السّارد في استياء:
(كلّ المصائب تنهالُ عليّ. كلّ هذا بسبب شخصيّة خياليّة، تدعى دويندي دييغو، الّذي يسكن بيته كشبح، وخوفًا مِن اندثار التّحف في القصر، يفكّر في حتميّة الكتابة لتخليده بتحريض مِن الشّبح دويندي دييغو:
يجب أن تكتب عن قصْري؟
سيأتي زمن الحكاية... الحكاية، الحكاية!).
فيجلس السّارد إلى مكتبه الصّقلّيّ المُهدى إليه مِن أمّه، مُنقادًا لتهديد وتحفيز الشّبح في آن، بأن يكتب كي يُنقذ روحه، أن ينقذ بيته بالأحرى، وكأنّ هذا هو الأصل في ولادة الكتاب السّرديّ الّذي بين أيدينا.
قبل التّطرّق لمُجمل المحكي وقضاياه، رؤاه وجماليّاته في الفصول الثّلاثة الّتي تنقسم إليها رواية "أرابيسكو"، لا بُدّ مِن الوقوف عند عتبة التّصدير لهذا العمل السّرديّ:
(دويندي طيْف الإلهام، أتوسّل إليك وأستحلفك، إنّ بيتكَ صَدَفَةٌ خاويةٌ فدَعني أملأها كسرطانِ البحر النّاسك).
بهذه الإشارة يبدأ السّارد توسّله، في توطئة الرّواية، ويرجع إليها لاحقًا في خاتمة "أرابيسكو":
(نحن الثّلاثة (أنا وستيفان ودييغو) عبارة عن سراطين شيطانيّة احتميْنا في ذات الصَّدَفة، إلى الأبد: "تبارك الله"!)
ليس مِن الاعتباط أنّ معظم حكايات الرّواية، تأمّلاتها، وقائعها، تقع بين هذين الحدَّيْن السّرديّين. إنّها علامة لإطار "أرابيسكو"، وهذا ما يستوجب عدم السّهو عنها.
لماذا طنجة؟
يصدح سؤال السّارد في الجزء الأوّل؛ لماذا طنجة؟ ويجيب مُعربًا: (لأنّنا سلكنا الطّريق الخطأ، كان ذلك في كانون الأوّل/ ديسمبر، منذ سنوات طويلة).
يحكي السّارد عن مجيئه مِن الشّمال الإسبانيّ، بصحبة فرنسيّ يدعى "ستيفان"، حيث صادفا رجل النّياشين، صاحب الصّقر "غدامس"، الرّجل الغريب الشّبيه بِشَامان، الّذي فتنهما، إذ أخبرهما بأنّ النّجمة المعلّقة على سُترته تدعى "دُموع الزّمن"، وقد حصل عليها في كنز "عشتار" لدى جدّة "جنكيز خان"... وأمّا الصّليب الصّغير المصاحِب له، فقد كسبه في مدينة الملاهي يوم عاشوراء... وكذلك اللّيرة الذّهبيّة مِن طائفة "حمادشة" في المغرب، بينما ينتمي هو لِطائفة "هدّاوة"... أكثر مِن ذلك أغراهما بالزّهور المقاتلة وحِيتان الشّواطئ، والحمامات...
ذلك هو دليل السّفر إلى طنجة السّحريّة، ليُقيما في فيلْلا اشتراها مِن أميركيّين، وتسمّى "تبارك الله"، بمنطقة الرّميلات، وقد تعاقب على هذه المنطقة الخلّابة، فيما مضى، القرطاجيّون والفينيقيّون والبرتغاليّون... إنّها فيلْلا مُشيّدة على الطّراز الموريسكي، والسّرّ في تسميتها بـ"تبارك الله"، هو الحماية الإلهيّة مِن كلّ شرّ، في قلب الغابة، تحيط بها حقول خضراء، على تُخوم بلدة منسيّة في تلك الحقبة السّحيقة. البلدة الّتي ستتحوّل فيما بعد إلى منطقة دوليّة، بعد ثلاثين عامًا مِن ضمّها إلى المغرب.
في فيلْلا "تبارك الله" الّتي اشتراها مؤخّرًا، ستصخب الأمسيات، مُستقطبة المشاهير مِن الموسيقيّين، والشّعراء، وأصحاب العقارات، والبازَارات، عشاءات بحفلات تنكّريّة، يتذكّر منها السّارد ليلة أنشَد أحدهم وصْفة السّعادة الكاملة... ومِن الحاضرين كان الكاتب الأميركيّ بول بولْز، و"ألفونسو" صانع البيتزا مِن إشبيلية، وتلك كانت صورة طنجة الفاتنة، المتموّجة لياليها في كرنفال الأجانب مِن مُضاربين عقاريّين، ووكلاء أملاك، وسماسرة كلِّ شيء مِن كلّ العالم.


فنّ جمْع التّحف

إثر ذلك، قرّر السّارد إتقان اللّهجة المغربيّة، وجاب الشّمال بدءًا بشفْشَاوِن وأصِيلة ووزّان وتِطوان، وفي قرى نائية مِن بني جَرْفَط (الجيم تلفظ كالجيم المصريّة)، وبني عروس، بين قمم شاهقة، ووديان يسطو فيها الخلنج، وإلى جانب تعلّمه اللّغة، عاد إلى ولعه الحميم، وشرعَ بشغفٍ في جمعِ التّحف: قِطع مِن بلاطات الأندلس، وكلّ ما يصادفه مِن فنّ وحضارة سكّان الجبال، مُدوّنًا الأغاني الشّعبيّة، ووصفات الطّعام، والحكايات، حريصًا على جمْع البطّانيّات، الأقمشة، الأواني المائيّة، حاويات الحُبوب والعسل، المدقّات، وأدوات الزّراعة، والخَزَف...
وفجأة ظهرت في محيط فيلْلا "تبارك الله"، فيلْلات طارئة مِن زُجاج، خرسانيّة كالفِطر لبارونات المخدّرات.
حين ييأس جامِع التّحف مِن الرّكض وراء القِطع التّراثيّة، ينزوي إلى نباتاته، وكتابة رسائله.
في جناح رسام الكاريكاتور بالفيلْلا دائمًا، يدُور الحوار عن بناء الصّينيّين الوافدين للسّوبرماركت عند النّهر، فتدمّرت أكواخ الفلّاحين بسبب زحْف الجرّافات، بعدها يشرعان في الرّجوع لسيرة البيت أيّام كان بمُلكيّة أميركيّين؛ حيث ضاقت زوجة السّفير الأميركيّ برتابة الدّبلوماسيّة، وجاءت لتعيش مع حمار في الفيلْلا، الآهلة بعبور معماريّين، وكتّاب مذكّرات، وشخصيّات مرموقة تركت أثرها في مسرح بيت "تبارك الله".
وفي جناح الفهود السّوداء، يستمرّ البحث والتّفكير في التّميمة المفقودة، ويتواصل الحديث عن فنّ المجوهرات، وإقبال الرّسّامين والسّينمائيّين، على الفيلْلا، عن الشّعراء- خاصّة جيل البيت، وعن حادثة استيلاء الفهود السّوداء على طائرة ركّاب مِن طراز دي سي-8، قامت برحلة بين ديترُويْت وميامي، إذ أجْبِرت على الهبوط في الجزائر.
تحتفي الرّواية بطنجة العتيقة، في الشّقّ المعنيّ بالخزفيّات والمزهريّات، ويستغرق السّارد في استطرادات عن ولعه بالأيقونات، والأنصاب، وفنّ التّجميع، والعلاقة الجماليّة بالبيت.

"دييغو" رُوح البيت
في الجزء الثّاني؛ يستشيط الشّبح "دييغو"، غضبًا وهو يوضّح:
(هذه قصّتي وحْدي، قصّتي وحْدي، ليست قصص صديقاتك المجنونات والهراء الّذي تجمعه في بيتي).
وفي هذه المزايدات بينه وبين السّارد، ما يغذّي ازدواجيّة الحكي في الرّواية، حدّ يتشابه علينا الأمر، ونعتقدهما واحدًا، أو هما بالأحرى: شخص منفصم، أحدهما يمثّل الجانب المنطقيّ، والآخَر يمثّل الطّرف المجنون.
يعود السّارد لهوسه بتطريزات شمال المغرب، ويقف عند تطريز مِن تِطوان خلف رأس السّرير، عبارة عن أزهار تحرس أحلامه. وأمّا ما يسمّيها تطريزات الخيال- فعبارة عن وسائد مِن فاس، شرائط مِن سْلَا وزمُّور، ستائر مِن الرّباط، أقمشة جْبالة المخطّطة، قصصها وحدها تكفي لملء "ألف ليلة وليلة".
وبعد أن يستفيض في هوَس التّطريزات، يفتح المجال لوَلَع ثانٍ لا يقلّ شأنًا عن الأوّل، وهو الشّغف بالنّباتات، الأزهار بالذّات، وهندسة الحديقة، وفي استعاداته لسيرته مع النّباتات تُطالعنا ظلال حقول القصَب، وأشجار الكافور، وطقوس حلْب الأبقار، وتجفيف اللّوز، والتّين على الشّراشف، بينما يفغمنا عبق أزهار الأغابانثوس، عطر شجرة المانيولا، أريج أزهار الكالا البيضاء، وتتوقّد ثمرات التّوت بجوار أناقة القطط وشغَب العنزات... كلّ هذا المشهد المختلج مُندًى بشلّال البغونيّات البيضاء ذات السّيقان القرمزيّة الّتي تتدفّق مِن الجدار.

فنّ الحديقة
وهذا ما سيستأنفه في الجزء الثّالث؛ إذ يمعن في الحديث عن الحدائق والنّباتات وطرائق الرّبح مِنها فوق ذلك، ولا يكسر مِن فرط الخطاب حول مملكة الأعشاب سوى الالتفات مرّات إلى اهتمامات موازية، مِنها مثلًا عشق السّينما الصّينيّة، ومتعة كتابة الرّسائل القصيرة:
(منذ أن وعد الحروف، بدأت كلمات غريبة وجميلة تتدفّق في ذهنه، كما لو أنّها تبحث عن موطئ قَدَم، فالكلمات حين تشاء، قادرة أن توهم الأبكم بأنّه خطيب، والحمار أنّه شاعر... والعكس صحيح).
في الخاتمة، يغادر صديقه البلجيكيّ "غاسبار" الّذي يمتلك معرفة موسوعيّة بالنّباتات، وعنه تعلّم بأنّ الحديقة ليست مجرّد مساحة خضراء بل مسرحًا مأساويًّا. مع الامتنان له، لأنّه مَن فتح وعيه على عالم النّبلاء التّائهين، مَن يصفهم ببُستانيّي العالم، حُماة الجَمال، وأرستقراطيّي الحياة الخضراء.
وتتحوّل نبرة السّارد إلى رثاء، حينما يفصح بأنّ طنجة- تلك الأسطورة المُفرِطة في الضّوء، قد احترقت صُورها وتبعْثرت شظاياها في الرّيح.
ثمّ يتدارك، محافظًا على بصيص أمل، إذ أنّ خيطًا مِن النّور لم ينطفئ بالكامل، بل ما يزال متواريًا في مشاتل أصدقاء "غاسبار"- في عرباتهم الصّدئة، في غرف نائية مفعمة بالأحلام والحيوانات.
في الخاتمة شذرة مشحوذة تُوجِز الرّواية، مِن ألِفِها إلى يائها، إذ يعترف السّارد:
(لطالَما كنت جامِعًا، لا وصْف يلائم روحي أكثر مِن هذا، وككلّ جامِع، كانت حياتي منقسمة بين رجل يحبّ التّأمّل والحُلم، ومسافر لا يهدأ، يبحث دائمًا عن الجديد، عن المفقود، عن المجهول).
وكحاشية ملازِمة لجمْع التّحف، لا بُدّ مِن الإلماع إلى سيرة البيت موجَزة هي الأخرى في شذرة لاحقة على سبيل النّسْغ:
(البيت ليس مجرّد حضن أمٍّ، بل رحلة عودة إليه لا تشبه شيئًا إلّا مغامرة طويلة، مجنونة، تشبه الحُلم أكثر ممّا تشبه الطّريق).

على سبيل التّركيب
تمزج رواية "أرابيسكو" بين السّيرة الذّاتيّة والصّنف السّرديّ القوطيّ، كما تُزاوِج بين التّأمّل الفكريّ والحسّ الشّعريّ. إنّها بصورة مِن الصّور التّجسيد السّرديّ للصّراع بين الذّاكرة والنّسيان، بين الحُلم والحقيقة، بين الواقع والخيال، ومِن خصائصها الحكائيّة أنّها لا تعتمد على خطّة تقليديّة في الكتابة- مع أنّها تتضمّن تمهيدًا وخاتمة. ومِن ميّزاتها على مستوى الرّؤية أنّها لا تجترّ التّقاليد السّرديّة الاستشراقيّة، إذ مِن الملاحَظ أنّ هذه النّبرة خافتة، مع أنّها حاضِرة... ويظلّ السّؤال الملتبِس الّذي نجحت الرّواية في أن تُبقينا في ظلّه هو:
هل هي رواية عن البيت أم عن طنجة؟ هل هي رواية عن طنجة أم عن قرية "رهونة" في المنطقة بين طنجة والعرائش؟ هل هي رواية عن فنّ جمْع التّحف أم عن سحريّة عالم النّباتات وجماليّات الحدائق؟ هل هي رواية عن المكان أم عن الذّاكرة؟
ولعلّ هذا اللّبْس الجميل، ما يجمعه فنّ زخرفة عنوانها: "أرابيسكو".

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.