}
عروض

"علم نفس القومية": عن الديناميات النفسية للنزاعات القومية

أنور محمد

28 يونيو 2026

هو اللعب؛ لعبُ الكبار بالصغار؛ فمن الحروب مرّةً بدافع سيادة الدولة القومية إلى الحروب مرّةً بدافع سيادة الدولة الدينية، ومرّةً بدوافع ودوافع تخترعها الدولة الأكبر والأعظم، يحلّل جوشوا سيرل وايت في كتابه "علم نفس القومية" (ترجمة زياد حسون - مبادرة ترجم 2025) النزعةَ القومية التي تنتقل من بلد إلى بلد مثل كيبيك وأرمينيا وأذربيجان وسريلانكا وغيرها، وانفجار الصراعات الإثنية فيها. الكتاب من سبعة فصول: ما الذي نعرفه عن القومية، التفسيرات إلى الآن، الهوية - خاصيةٌ مطردة، هشاشة الهوية، القومية والحاجات الإنسانية، نتائج للمفاوضات، هل ثمة أمل؟ وهو بحثٌ ميداني استقصائي بقصد - كما يقول الكاتب- فتح نافذة على الديناميات النفسية للنزاع القومي، بحيث يتسنى للتدخلات أن تحدّ من آثاره المدمّرة على نحو أكثر فعالية. فالقومية ليست شرًّا بطبيعتها؛ بل يمكن للولاء لأمّة أن يبرز فضائل متعالية لدى البشر كالإيثار والشجاعة والمثالية. مع ذلك، فإنّ آثارها بادية للعيان في أرجاء الدنيا؛ والخسائر ـ في الأرواح والآلام والممتلكات والكرامة الإنسانية ـ غالبًا ما تكون صادمة، لا سيما أنّ معظم ضحايا النزاع القومي هم من غير المقاتلين، أولئك الذين يُستهدفون بسبب هويتهم. وبقدر ما يرتبط النزاع القومي بالهوية فإن حلّه، أو إدارته على الأقل، يتطلّب حذاقة في التعامل مع قضايا الهوية.
ففي حالة النزاع القومي يأخذ المؤلّف كمثال حالة أرمينيا وأذربيجان وما جرى بينهما خلال الحرب حول ناغورنو كاراباخ، وهي منطقة حرجية خصبة ترقد تحت تربتها موارد معدنية، من تبادل عمليات قتل أطفال واغتصاب للنساء، مع أنّ كلتي الدولتين كانتا من الأعضاء في دولة الاتحاد السوفياتي. إذ إنّ من يستمع إلى مروياتهما عن قصص الفظائع التي ارتكبوها سيجد أنّ كلا الطرفين يبرر لنفسه وحشيته تجاه الآخر، وهذه تزيد من الاحتقان القومي وتطيل من أمد الحرب. كذلك في البوسنة، تعرضت النساء على نحو ممنهج للمعاملة الوحشية والاغتصاب في أثناء أحداث "التطهير العرقي" وهنا لا بدّ من التساؤل: لماذا يسهل توقّع سلوكياتنا للغاية في تفاعلاتنا ما بين المجموعات؟
المؤلف جوشوا سيرل وايت يرد هذا السلوك إلى أنّ هناك نظريات محتملة لشرح القومية؛ إذ إنّ النزاع ينتج أساسًا عن أفعال قلّة من المتطرفين، وهؤلاء من يجب التركيز عليهم، كما أنّ العداء بين المجموعات العرقية ما هو إلّا نتيجة طبيعية للتنافس على الموارد، وما القومية إلّا نوع من أنواع ذلك العداء، كذلك الامتثال للمعايير الاجتماعية أو الميل البيولوجي للعداء. وإنّ هناك ثمّة "محرّضين" يثيرون عداوة إثنية أو قومية لأسباب تخصّهم. فالحقيقة تبقى أن كثيرين منّا يستجيبون لتحريضٍ كهذا. ومثل هؤلاء هم من يشكّلون الخطر على البشرية، وتراهم كما أشار المؤرّخ والطبيب الفرنسي غوستاف لوبون (1841-1931) يبحثون عن مجموعة ينضمون إليها؛ جماعة تستولي عليهم على نحو تضمحل فيه شخصياتهم الفردية ضمن "عقل جمعي" مشترك، وَوَصَفَهُم في حال انضمامهم هذا بأنّهم هبطوا عدّة درجات في سلّم الحضارة، وقد يكون الواحد فيهم مثقّفًا لكنّه وهو في الجماعة يكون غريزيًّا، ومن ثمّ يكون همجيًّا. وقد بنى الطبيب ومؤسّس علم التحليل النفسي سيغموند فرويد (1856-1939) على أفكار لوبون لاحقًا؛ أنّ الرعاع يميلون إلى أن يكونوا مندفعين وانفعاليين وانقياديين ولا عقلانيين، وأنّ الأفراد في حالة الجماعة مهيؤون لاختبار عاطفةٍ مضاعفة وأداء فكري منخفض. وفي هذه الحالة يفقد هؤلاء الإحساس بهويتهم، ويتضاءل معه حس المسؤولية الفردية تجاه الأفعال التي يرتكبونها.
المؤلّف جوشوا سيرل وايت بعد ذلك، يرى أنّ "الهوية" القومية وهي إحساسنا بِمَنْ نكون، تشكّل عنصرًا مركزيًّا في كل التفسيرات النفسية المختلفة للنزاع القومي، فالهوية هي موضوعة شائعة، كما أنّها موضوعة ثابتة في دراسات الحالة، وأنّ إحساسنا بهويتنا نابعٌ من جانبين مختلفين لكنّهما مهمّان: الأوّل هو هويتنا الشخصية التي تُستَمدّ من تاريخنا وتجاربنا الفردية، والثاني هو هويتنا الاجتماعية التي تُستَمدّ من انضمامنا إلى مختلف أنواع المجموعات الاجتماعية، وكلاهما جزء من ذاتنا، وهي أيضًا حسبَ المؤرّخ بنديكت أندرسون (1936-2015) ليست مجرّد هوية عرقية أو إقليمية أو اقتصادية أو سياسية؛ بل إنّها أيضًا نفسية. ويرى الباحث جوشوا على سبيل الاقتراح أنّ سبب اندلاع النزاعات الإثنية في أماكن مثل: البوسنة، والشيشان، وناغورنو- كاراباخ، وغيرها من مناطق الاتحاد السوفيأتي السابق وأوروبا الشرقية؛ هو أنّ عديدًا من هذه الشعوب عانت من تنافسات وكراهية إثنية عتيقة. ثمّ عمل النظام السوفياتي السُلطوي ببساطة على إخفاء تلك العداءات وعلى إبقائها تحت السيطرة قبل نصف قرن من الزمن، أما وقد انهار هذا النظام فإنّ تلك المشاعر القومية والعداءات التي صاحبتها أطلّت برأسها مجدّدًا. ذلك أنّ الهوية القومية تلعب دورًا خاصًا، وإذا نظرنا إلى أنحاء العالم، فبوسعنا العثور بسهولة على عديد من الحركات القومية، من تيمور الشرقية إلى التيبت وغيرها، وهو السبب الذي دفع المؤلّف كما يقول لوضع هذا الكتاب.

في حالة النزاع القومي يأخذ المؤلّف كمثال حالة أرمينيا وأذربيجان وما جرى بينهما خلال الحرب حول ناغورنو كاراباخ (Getty)


في سياق آخر يرى المؤلّف أنّ هناك أنواعًا أخرى من الهوية (مثل الدينية والإثنية)، وهي تؤدي ذات الوظيفة، وقد تكون أكثر أهمية من الهوية القومية، وهذا ما كان فعلًا في أوروبا خلال معظم العصور الوسطى، وهناك أيضًا الهوية الطبقية التي صارت الهوية الأبرز من خلال الثورات الطبقية في جميع أنحاء العالم. ثمّ يتساءل الكاتب والباحث جوشوا: لماذا يتعيّن علينا أن نكافح من أجل شعورٍ إيجابي بالهوية؟ ربّما لأنّ هوياتنا القومية معرّضة لخطر الاندثار. فمثلًا حين قام نمور التاميل بتفجير معبد السن فهو محاولة للهجوم على الهوية السنهالية، وقد حصل مثل هذا الهجوم الهوياتي في عديد من دول العالم، وهو ما يشكل تهديدًا ماديًّا لبقاء شعب ما على قيد الحياة ما يسهم في الشعور بهشاشة الهوية القومية.
ثمّة هشاشة أكثر إيلامًا من هذا (التفجير) في النزاعات القومية تترك آثارًا يصعب نسيانها؛ فالجراح التي تتسبّب بها أمّة لأمّة أخرى ليست ببساطة مسألة موارد منهوبة أو أراضٍ يمكن استعادتها. إذ هناك مكوّن نفسي في المظالم التاريخية يجعل الرغبة في الثأر شائعة للغاية ولها ما يبررها. فيأخذ المؤلّف جوشوا بمثال على المستوى الفردي: دعونا نفترض أنني أمشي على الرصيف، ثمّ يأتي شخص يركض فيدفعني ويأخذ حقيبتي ويهرب. في هذه الحالة أكون قد تعرّضت للظلم، وصار هناك مكونان في مظلوميتي، الأوّل: هو الأذى الفعلي بفقدان حقيبتي فضلًا عن الكدمات التي قد أصاب بها خلال سقوطي. والثاني: هو أنّ المُعتدي بدفعه لي وأخذه حقيبتي قد أشعرني بعدم الاحترام وبأني أتمتع بحقوق أقل من تلك التي يتمتع بها أو أنني أقل أهمية، أو أنني أستحق هذا الضرب من المعاملة لسبب ما. فإذا كان هناك ثمّة مكوّن بدني وآخر نفسي في كون المرء مظلومًا؛ وبشكلٍ مشابه، فإن تدارك الأذية لها مكونان أيضًا (بافتراض اعتقال السارق)؛ أوّلهما التعويض عن الأذى الفعلي - استعادة حقيبتي ودفع تكاليف الطبابة؛ ومع ذلك فإنّ هذا التعويض لا يتناول الأذى النفسي اللاحق بي بسبب عدم احترام السارق لي. وهنا سينشب موضوع (الثأر) و(الانتقام) ومن جانبه السلمي هو أن يعترف السارق بأنه ليس أفضل مني، وأن ليس له الحق أن يدفعني ويسرق ممتلكاتي - ذلك حتى لا نذهب إلى الجانب الحربي. وقد أثار عالِم النفس النمساوي فريتز هيدر (1896-1988) هذه النقطة بإشارته إلى أننا نميل في لغتنا اليومية، إلى استخدام تعبيرات من قبيل: "سألقنه درسًا – يجب أن يعرف أنه فعلَ ذلك"، وهو ما يشير إلى أن الغاية النفسية من القصاص هي تغيير الطريقة التي يفكّر من خلالها المُعتدي. أو سنذهب إلى الثأر أو الانتقام؛ حيث سنتأزّم نفسيًّا ويتصاعد الإحساس بالانتقام الذي من مبدأ "العين بالعين" وهو وصفة للحفاظ على التعادل بالأذى، إلّا أنّها وصفة غير مُرضية نفسيًّا في الممارسة العملية، وبدلًا من ذلك، وكما يقول المُنتقم الكلاسيكي في مسرحية لوكيوس سينيكا (4 ق.م - 65 ب.م) وهو فيلسوف رواقي في روما القديمة، ورجل دولة، وكاتب مسرحي ساخر في مسرحيته Thyestes "ثييسيتس": (لا يمكن أن تنتقم للجرائم الكبرى إلّا إذا تفوقت عليها). وعندما قُتل جد البطل القرطاجي هنيبعل (247-183 ق.م) أحد أعظم القادة العسكريين والاستراتيجيين في التاريخ القديم، قيلَ إن هنيبعل قد انتقم لجدّه بالاستيلاء على كامل المدينة وقَتلَ 3000 من الذكور الأسرى في الموقع الذي قُتل فيه جدّه.
المشكلة- كما يراها الباحث والناقد جوشوا سيرل وايت- هي أنّ الاعتراف بشرعية الآخر وثيق الصلة غالبًا في النزاعات القومية، بقضية تقرير المصير - وهو حقّ أي مجموعة في تقرير كيفية حكمها لنفسها. وسنرى (الدس) هنا، ولا موضوعية ولا معقولية ما يطرحه الباحث جوشوا في قضية النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني كمثال يستعرضه في بحثه للاعتراف بشرعية اغتصاب إسرائيل للأرض الفلسطينية: وبما أنّ النزاع يتعلّق بشعبين يقول كلاهما أن لهما الحق في العيش في منطقة محدّدة، فقد كان هناك ميلٌ إلى الافتراض بأنّه يمكن لشعب واحد منهما أن يحظى بالاعتراف بأحقيته بدولة قومية. فإذا ما اعتُرف لأحدهما بكونه أمّة شرعية تربطه صلات تاريخية بالأرض، فيجب عندها استبعاد الشعب الآخر. وقد كان النظر إلى الهوية القومية باعتبارها مسألة (إمّا/ أوْ) أو (شذرة حياة) - وهو عنوان كتاب للفيلسوف سورين كيرككورد (1813-1855)، اعتُبِرَ بموجبها الحق الإسرائيلي في الوجود على أنّه مناقض للحق الفلسطيني في الوجود (والعكس بالعكس)، عقبةً كبيرة أمام حلّ ذاك النزاع حتى عام 1993 عندما اعترف كلا الطرفين بحق الآخر في الوجود رسميًّا.
بعد هذا الاستعراض سنرى أن الباحث جوشوا وبنعومة جارحة يقرّ بحق إسرائيل باغتصاب فلسطين.
مع ذلك فالكاتب يرى أن الحل الحقيقي للنزاع القومي لا يعني إنهاء العداوات فحسب، ولكن تحقيق التسويات - أي التصالح على نحو ما مع الجروح التي أصابتنا خلال النزاع. والتصالح مع هؤلاء الذين تسببوا لنا بالأذى.
لا أعرف، وبعد هذا الجهد الكبير من البحث والترحال والدروس في مخابر التحليل النفسي التجريبي التي بذلها المؤلف جوشوا سيرل وايت، تراه يذهب للاستحمام بمياه التسامح والعفو والصفح عن القرصان الأكبر الذي يشعل الحروب بين الشعوب؛ تارةً دينية مذهبية وطائفية، وتارةً إثنية عرقية، وتارةً طبقية أو حسب مصلحته.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.