}
عروض

"لن يصدق أحد أنني جثة": مراقبة العالم بعد الموت

حسام معروف

29 يونيو 2026
 


يمثل الموت الحد الفاصل والنهائي لرحلة الإنسان، النقطة العميقة في آخر السطر التي تنهي سردية الحياة. غير أن هناك مساحات أخرى، يفقد خلالها الموت طبيعته الحاسمة ليتحول إلى حالة يومية متكررة، ومحطات انتظار لا نهائية. في مجموعته "لن يصدق أحد أنني جثة"، الصادرة عن دار طباق للنشر والتوزيع (2026)، يبحث الشاعر الفلسطيني إيهاب ياسر بسيسو عن تلك الخطوط التي تعطي صوتًا إنسانيًا مختلفًا. إذ يضع المادة الخام للموت على طاولة مضاءة، ليرى تحركاتها، بينما يراقب واقع بلاده الكارثي.  

تكمن محورية المجموعة في كونها مساءلة وجودية للذات التي تتبقى بعد إبادتها، فالمفاهيم التي يعززها بسيسو تدور حول ثقل الخطوة لرجل يمشي بين الأحياء، وهو يدرك تمامًا أنه مجرد شبح نجا بمصادفة لم تتح لآخر غادر هذه الحياة بفعل قسوة الحرب. هنا، يمحو الشاعر الحدود بين طريق وآخر، ويذهب نحو تشريح دقيق للحظة ثقيلة داخل الحرب تتساوى فيها كل الاحتمالات السيئة.

فيما تتمركز بؤرة الشعور، تلك النقطة المطلقة التي تنطلق منها دومًا نصوص بسيسو وتعود إليها، في هذا الإدراك الموحش للوجود ما بعد الموت. الشاعر لا يبكي واقعه فحسب، بل يراقب هذا الحزن من مسافة لا يتوقف خلالها الرعب، مسافة الكائن الذي عبر إلى البرزخ الغامض ووقف يتأمل أشلاءه.

هذا الصوت الشعري يحافظ على مسافة فلسفية مع الواقع الفلسطيني المكتظ بالفظائع، وهو ترفع يسمح له برؤية المجازر والدبابات والجثث والدمار، ما ينذر بانهيار أنطولوجي للكون بأسره. في ظل واقع كهذا، يصبح ما يقدمه الخيال البشري قاصرًا على الفهم والتجسيد، ولربما عبئًا لا يستطيع تجميل وجه العالم، كما كان يفعل مسبقًا.

تراكم

خلال مجموعته، تمضي مسارات المشاعر، بشكل عرضي ودائري وتراكمي؛ تبدأ من ألم جسدي ناتج عن شظية تجري داخل الذات، فالألم الذي لا يتوقف، يراكم فوقه آلامًا أخرى، فيما يمضي الجسد دون صورة نهاية واضحة، أو بوابة خروج.

نقطة الصفر مع الوعي بعد الموت تتم بطرح مفهوم الكتابة ذاته من خلال بسيسو، تلك المنطقة الضبابية المغبرة بقصص البكاء ونهايات الأصوات. حيث يتساءل:

"هل فكرت يومًا
في كتابة نص بعد الموت؟
لا بأس، حاول الخروج
من ثقل الوقت
الملبد بضجيج القاذفات
ومتاهات الدخان...".

هذا تحويل للكتابة من فعل توثيقي للحياة إلى رسالة مشفرة من الضفة الأخرى للوجود، كسر للقالب الوجودي، بحثًا عن إجابات تعيد تجميع الوعي الذي تفتت بفعل الإجرام الاحتلالي، أو لربما هنالك من يحاول بيده رفع الغطاء عن حقيقة مخفاة.

أما الصورة الشعرية عند بسيسو، فلا تمضي في خط مستقيم، لكنها تتراكم دائريًا حول لحظة قتلت فيها دهشة الإنسان، وانتزع من داخلها جمال الحياة. تلك محاولاته المستمرة خلال مجموعته تقصدت البحث عن شكل متخيل للإنسان وهو يواجه ثقل قنبلة تسقط في محيطه.

تصل هذه المواجهة مع الفناء إلى ذروة فلسفية في أنسنة الصدمة، عندما يخاطب الشاعر الفراغ الذي يحل بعد انكماش الحرب. يكتب بسيسو:

"عزيزي الفراغ...
الممتد عبر أزمنة المحو
والحدقات المنسية في كتب التاريخ،
ما زلت في انتظار المزيد
من ديدانك وقوارضك".

استخدم الشاعر في ذلك أداة التشخيص بوجود مفارقة تراجيدية، فالفراغ يصبح مراسلًا حميمًا، وصديقًا عزيزًا في مشهد الخراب المطلق. العمق المفاهيمي يكمن في الإدراك المرعب بأن الفراغ لا يعد مساحة خواء، في حين أنه يحمل ذاكرة مرء مسحت الحرب جسده. تتراكم الصور بشكل سينمائي، حيث يرحب الشاعر بالديدان والقوارض لأنها تمثل الحركة الوحيدة المتبقية في عالم أفرغ من معناه بحركة صغيرة من القاتل. تلك التراكمية، هي الوزن التي يسعى الشاعر لوضعها داخل النص، لتتشكل صورة واحدة للخراب الطائل.

ولكن، أمام هذا المحو الممتد، ما الذي يتبقى؟ هذه مهمة الشعر لربما، البحث عن المفقودات وبقايا الموجودات لتعريف وتأويل المعنى الجديد. تلك الغرابة التي ينطلق منها الشعر، ويشق من خلالها أبوابه، ليدخل الحيز الإنساني مهما كانت قسوة واقعه.

ففي عالم جُرد من إحداثياته، وانقطع عن الجغرافيا الأخرى، يصبح المشهد الداخلي هو ساحة المعركة الحقيقية، ويصير الإنسان مجرد لحظات من ماضيه. يقول بسيسو:

"النسيان رصاصة غير مرثية،
في بندقية قناص محترف
يسمى الزمن. ..
من أنت بلا ذاكرة،
أيها الفتى الصاعد من صورة مدينة متوهجة
في بهو الغزالة؟".

تفكيك

الاستعارات في نصوص بسيسو حادة وقاتلة، فالنسيان ليس تلاشيًا طبيعيًا للصور، ولا نزولًا طبيعيًا مثل شمس في الأفق. إنه عملية اغتيال مع سبق الرأس، فجأة وجد منظوره شاشة بيضاء. رصاصة يطلقها قناص محترف فينمحي الزمن من المعادلة. الكسبة الفنية تكمن في دمج مصطلحات الحرب المادية (رصاصة، بندقية، قناص) مع الصراع الوجودي الداخلي (النسيان، الزمن، الذاكرة). الإيقاع اللاهث والمتقطع في هذه الأسطر القصيرة يحاكي الضربة المباغتة وغير المرئية للقناص. والسؤال الختامي "من أنت بلا ذاكرة؟" يمثل ذروة الرعب الوجودي، مشيرًا إلى أن النجاة من القذيفة المادية تفقد معناها إذا ما اخترقت رصاصة معنوية عقل الإنسان؛ حينها يُترك الفرد ظلًا خفيفًا بلا وزن ولا تعريف، يتخبط في أنقاض ماضيه.

تأتي لغة بسيسو مثل معمار هندسي بتناقضات متراكمة. فهو يضع معجم الحداثة الثقيل والوحشي (دبابات الميركافا، طائرات الإف 16، الفولاذ، الكونكريت، الشظايا) في مواجهة قاسية مع المعجم الهش للإنسانية (الشرفات، عصافير الدوري، قطن الوسائد، الرسائل القديمة للأب). هذا الارتطام اللغوي يولد شعورًا بالدوار. أما الإيقاع الشعري، فهو يتخلى عن الانسيابية الموسيقية التقليدية لصالح إيقاع متكسر ومضطرب، إنه يشبه ضربات قلب يتسارع هلعًا.

إلى جانب أن الصور تمضي بشكل تراكمي بهدف نثر المزيد من الغبار والدخان في الوجه، مما يجبر القارئ على اختبار ذات العجز البصري والأخلاقي، وتصبح اللغة ذاتها مساحة ضيقة تتصادم فيها الكلمات كما تتساقط الجدران والأسقف على النائمين.

في المجموعة المكونة من 204 صفحات، سؤال كبير في طبيعة الكينونة الإنسانية، حين يقرّر العالم إبادتك. يلتقط بسيسو تلك المفارقة الموجعة للشرط الإنساني في أقصى تجلياته التاريخية، فالورطة التي لا تطاق لامتلاك جسد معرض للتمزق في أية لحظة، يقابلها براح أن تتخفى، وتشعر أنك غادرت هذا الجسد سلفًا لتراقب العالم وهو يتشكل. الشاعر الواقف في قلب الفراغ، لا يقدم عزاءً زائفًا ولا تجميلًا مصطنعًا، إنه يقدم تشريحًا دقيقًا للجثة الحية. ذلك الحوار الداخلي يؤهل الشعر لتخطي حالة الخراب، ولكنه في الوقت نفسه يورط القارئ في مسألة أخلاقية أخرى، حول جدوى هذا الوجود أمام تلك الكتلة الثقيلة من مكونات الموت، التي إن تعايشنا معها، حتمًا سيفقد الشعر كينونته الأزلية.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.