
بعد صدوره في طبعات ثلاث (قطرية، وسعودية، ومغربية)، صدر حديثًا ضمن سلسلة كتابات الذات عن دار "نقوش عربية" التونسية كتاب "أمواج: سيرة ذاتية" للمفكر والناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، وكانت الطبعة الأولى الصادرة عن (دار جامعة خليفة للنشر) في قطر عام 2017 تحمل عنوان "أمواج: سيرة عراقية". وقد كتبت الدكتورة جليلة الطريطر، محررة السلسلة، مقدمةً تقول فيها: "أمواج سيرة ذاتية ضخمة تقاطعت خلالها عقود من تاريخ العراق الحديث السياسي والاجتماعي والثقافي مع تاريخ مؤلفها الشخصي، الذي نكتشف فيه عبد الله إبراهيم (روائيًا) ومواطنًا عراقيًا مجندًا وباحثًا يبني مشروعًا نقديًا ومعرفيًا طموحًا. إنها سيرة ذاتية ملحمية يحق لها أن تتصدر أبرز السير الذاتية العربية الحديثة".
مواجهة الذات
لا شك في أن كتابة السيرة الذاتية تتطلب شجاعةً عاليةً في مواجهة الذات، وقدرةً على التوازن بين "الخاص" الحميمي و"العام" المجتمعي والسياسي. وقد نجح إبراهيم في تقديم نموذج استثنائي لسيرة ذاتية تتجاوز الفرد لتصبح سيرة وطن بأسره، فهي وثيقة سوسيو-ثقافية وتاريخية بالغة الأهمية، في 11 موجة متعاقبة، يسرد فيها إبراهيم مسيرة حياته متقاطعةً مع التحولات العنيفة والمفصلية التي مرّ بها العراق على مدى عقود.
يشرّح إبراهيم، من خلال هذه السيرة، ذاكرته، مستخدمًا أدوات الناقد ومخيلة الأديب، ليرسم لوحةً معقدةً لـ "العراق" عبر أمواج متلاطمة من الحروب، والحصار، والاغتراب، والتحولات الفكرية.
ولم يأتِ اختيار عنوان "أمواج" من فراغ، فالأمواج ترمز إلى الحركة الدائمة، والتقلب، والاضطراب. وهي تمثل دورات الحياة التي عاشها الكاتب؛ ما بين صعود وهبوط، واستقرار واقتلاع.
أما العنوان الفرعي "سيرة عراقية"، كما ورد في الطبعة الأولى، فهو بمنزلة إعلان صريح من إبراهيم بأن حكايته ليست ملكًا له وحده، بل هي قصة جيل عراقي كامل وُلد في منتصف القرن العشرين، وعاش طفولةً وشبابًا محاصرين بالحروب، وكهولةً مثقلةً بالغربة وفقدان الملاذ.
يبدأ إبراهيم سيرته من الجذور، من البيئة الريفية في قرية تقع إلى الغرب من كركوك، وقد آل مكانها بعد إزالتها إلى ضاحية من ضواحي المدينة، حيث يصف بدقة الإرث العشائري، وحياة الفلاحين، والصلة العميقة بالأرض. هذه البدايات الفطرية سرعان ما تصطدم بالمدينة عند الانتقال للدراسة.
في هذا الجزء يرصد الكاتب:
- التحوّل الطبقي والثقافي: كيف يساهم الانتقال من القرية إلى المدينة في خلخلة المفاهيم القديمة وبناء وعي جديد.
- شغف القراءة المبكر: يتحدث عن ركائز تكوينه المعرفي، وكيف تحوّلت الكتب إلى ملجأ وسلاح لمواجهة واقع بدأ يتشكل بطريقة مرعبة سياسيًا واجتماعيًا.
موجة حرب الثماني سنوات: جيل تحت المقصلة
يُشكل الفصل الخاص بالحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) واحدًا من أقسى الفصول وأكثرها صدقًا في الكتاب. هنا، لا يتحدث عبد الله إبراهيم كمنظّر سياسي، بل كشاهد عيان وعسكري أُجبر على خوض حرب استنزفت شبابه وشباب جيله.
يصف الكاتب بجرأة:
- عبثية الموت اليومي: الجبهات، الخنادق، الخوف المستمر، ورائحة الموت التي كانت تزكم الأنوف.
- المفارقة المؤلمة: كيف يمكن للمثقف الباحث عن الجمال والمعرفة أن يتعايش مع آلة دمار لا ترحم؟ وكيف نجح في الحفاظ على توازنه العقلي والنفسي عبر القراءة والكتابة خفيةً وسط أصوات الصواريخ والمدافع؟
الحصار الثقافي والاقتصادي: سنوات الرماد
بعد الحرب، جاءت موجة الغزو العراقي للكويت وما تلاه من حصار اقتصادي خانق في التسعينيات. يوثق الدكتور عبد الله إبراهيم في "أمواج" هذه المرحلة بوصفها مرحلة "موت بطيء" للمجتمع العراقي، إذ لم يكن الحصار اقتصاديًا فحسب، بل كان حصارًا معرفيًا عزل المثقفين العراقيين عن العالم. يروي الكاتب تفاصيل مؤلمةً عن اضطرار الأكاديميين والمثقفين إلى بيع مكتباتهم الشخصية النادرة من أجل لقمة العيش، وكيف تحوّلت المؤسسة الجامعية إلى هيكل تلتهمه الفاقة والفساد الإداري والسياسي.
موجة الاقتلاع: الغربة الأكاديمية والفكرية
أمام انسداد الأفق، اتخذ الكاتب قراره الصعب بالرحيل عن العراق. يمثل هذا الجزء "موجة الاغتراب"، حيث تنقل عبد الله إبراهيم بين عدة جامعات عربية (في ليبيا، وقطر). وقد واجه في منافيه المتعددة تحديات من نوع آخر:
- الهوية المعلقة: شعور المغترب الذي يحمل وطنه في حقيبته، وعجزه عن الانفصال عن هموم بلاده رغم بعد المسافات.
- المشروع المعرفي: في الغربة، نضج مشروع عبد الله إبراهيم النقدي الضخم (مثل دراساته عن السردية العربية، والمركزية الغربية). يوضح الكتاب كيف كان العمل الفكري الدؤوب هو وسيلته الوحيدة للانتصار على الغربة والتشظي.
الأسلوب والمنهج
ما يميّز "أمواج" عن غيرها من السير الذاتية هو الأسلوب. عبد الله إبراهيم لم يكتب مذكرات استرجاعيةً بسيطةً، بل وظّف خبرته الطويلة كأحد كبار نقاد السرد في العالم العربي:
- التفكيك والتحليل: لا يكتفي بذكر الحدث، بل يحلل سياقه التاريخي والاجتماعي والنفسي.
- اللغة الرصينة: تمتاز لغة الكتاب بالعمق والنبرة الفلسفية الهادئة، بعيدًا عن الصراخ الأيديولوجي أو المظلومية المستكينة.
- الأمانة التاريخية: يبتعد المؤلف عن تجميل الذات؛ فهو يطرح انكساراته، وشكوكه، ومخاوفه بكل صراحة أمام القارئ. وقد ذكر في حوار صحافي معه نُشر مؤخرًا في مجلة "الشارقة الثقافية" أن "السيرة الذاتية تقتضي الأمانة".
إن كتاب "أمواج: سيرة عراقية" للدكتور عبد الله إبراهيم ليس مجرد كتاب يُقرأ للاطلاع على حياة ناقد كبير، بل هو مرثية حية، وشهادة تاريخية صاغها عقل عراقي بارع عايش التحولات من الداخل والخارج. إنه كتاب يثبت أن حياة الفرد، عندما تُكتب بصدق وعمق، يمكنها أن تختزل تاريخ أمة بأكملها، لتظل "الأمواج" تتدفق في ذاكرة الثقافة العربية كشاهد على عصر عراقي صاخب بالأمل والألم.


تحميل المقال التالي...