يكاد يكون وارد بدر السالم متفرّدًا في عملية اشتغاله على واقعية الأحداث المتخيلة، عبر لغةٍ لا توحي بالمباشرة ولا تعطي شاعريتها كمذهبٍ اتّكائي، بقدر ما تكون الأحداث الواقعة من خلال تفاعل الفكرة الهائمة التي تحوّلت إلى حكاية مع البيئة التي استخلصت منها الرواية.
هذا ما نجده في روايته "ضفدعة"، حيث تدور أحداثها حول مأساة إنسانية ونفسية معقدة خلّفتها فظائع الحروب والإرهاب في العراق، وتحديدًا من خلال تبعات تفجير سيارة مفخخة في بغداد. ربما تكون ثيمة التفجيرات هي القاسم المشترك للعديد من الروايات العراقية التي تتفرّع منها الحكايات وتتجمّع في بوتقتها الأفكار، لكن وارد يأخذ الواقعة ويحوّلها إلى ثيمة تمازج بين الفانتازيا والسخرية والواقعية والتأملية. فالرواية ابنة المجتمع، ولكنها أيضًا ابنة المخيّلة. وهي حاضنة مثلما هي موزعة تفاصيلها.
حكاية الرواية
تبدأ الحكاية من الطبيب الجراح السبعيني المتقاعد الدكتور قيس فاضل، الذي يقرر نبش أرشيفه الطبي القديم لكتابة مذكّراته وتوثيق الحالات الجراحية الاستثنائية التي واجهها خلال سنوات الدم في بغداد. يستوقّفه ملف طفل صغير يُدعى "إسماعيل"، كان قد أُحضر إليه قبل نحو ثمانية عشر عامًا وهو بين الحياة والموت إثر انفجار سيارة مفخّخة. الطفل كان مشوهًا وممزّق الجسد وفاقدًا لأجزاء حيوية من أعضائه التناسلية. وقد قام الدكتور قيس وفريقه الطبي بعمليات جراحية معقدة ومركبة لرتق جسده وإنقاذ حياته.
تبدو الحكاية هنا طبيعية، لكن وارد بدأ من حيث النهايات، ومن حيث العودة بطريقة النبش الفني... فقد جعل من الدكتور، وبدافع الفضول الإنساني والطبي لمعرفة مصير "إسماعيل" وكيف عاش حياته بعد تلك الجراحة التاريخية، يحاول الاتصال برقم هاتف والد الطفل "المحامي إبراهيم" المدون في السجل. تجيبه فتاة شابة تُدعى "زيتونة"، وتصدمه بأن والدها قد توفي، والأغرب من ذلك أنها تؤكد له مرارًا أنه لا يوجد في بيتهم أي ولد يحمل اسم "إسماعيل"، وأن البيت لا يضم سوى بنات. والطريقة التي جعلها السالم تبدو وكأنها طرق الباب لكنه كان اتصالًا، لتتكوّن هذه المقدمة قبل الدخول في التفاصيل. فالمقدمة الحوارية تعني إحداث التقنيات وإعمالها في اللعبة التدوينية. ليدخل مباشرة بعنوان اسم الولد "إسماعيل" لتتكشف الحقائق الصادمة عبر سلسلة من رسائل "الواتساب" والمحاورات الطويلة بين الدكتور قيس والأخت الكبرى "لميعة". يتبين أن الطفل "إسماعيل" لم يمت، بل إن الجروح البالغة والتشوهات التي أصابت أعضاءه الذكرية، جعلت والده يقرّر بالتنسيق مع جراحات تجميلية وتكميلية لاحقة، تحويله طبيًا وجسديًا إلى أنثى تُدعى "زيتونة" ليعيش حياته كبنت، نظرًا لاستحالة استعادته كذكر. وهذه اللعبة سواء على مستوى الحكاية أو الفكرة توضح التحولات الكبرى للشخصية مثلما تشير إلى تأويلات نوع الإصابة.
الفكرة والاشتغال على الشخصيات
تناقش الرواية في فكرتها الأزمة الوجودية والجندرية العميقة لـ"زيتونة" حيث تحوّل جسدها الظاهري إلى أنثى فاتنة تدرس في الجامعة، بينما ظلّ عقلها وبقايا هرموناتها وتفكيرها الداخلي ينزع نحو الذكورة. تتفاقم المأساة عندما يتقدّم أحد الأساتذة الجامعيين/ الدكتور ماجد، لطلب يدها للزواج، فتعيش الأخت الكبرى "لميعة" في ورطة أخلاقية ونفسية حول كيفية كشف هذه الحقيقة الطبية المعقّدة للخاطب، وسط ضياع هوية زيتونة التي تجد نفسها معلّقةً كشبحٍ بين ذكر وأنثى. وتصل المأساة إلى ذروتها بإصابة زيتونة بمرض خبيث في أعضائها الصناعية المرمّمة نتيجة المخلفات الجسدية لتلك الحرب القديمة.
إن الرواية في فكرتها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بحركة الشخصيات وتحولاتها. فالشخصيات الرئيسية التي تدور حولها الأحداث، هي الدكتور قيس فاضل، طبيب جراح عراقي متقاعد في السبعين من عمره. هو الخيط الرابط في الرواية، والذي يبدأ بالبحث عن مصير الطفل إسماعيل بدافع أرشفة الحالات الطبية والإنسانية التي عاصرت الحرب.
إسماعيل / زيتونة، الشخصية المحورية ومحرّك الأحداث. هو الطفل "إسماعيل" الذي استُئصلت طفولته وذكورته جراء شظايا الإرهاب، وتحوّل بفعل مبضع الجراح ورغبة الأب إلى الفتاة الجامعية "زيتونة".
تعيش هذه الشخصية تمزقًا هوياتيًا ونفسيًا وجسديًا قاتلًا بين ما يبدو عليه جسدها الخارجي وما يختلج في عقلها من بقايا ذكورة مقتولة.
لميعة، الأخت الكبرى لزيتونة. وهي الشخصية المكافحة التي تحملت عبء هذا السر العائلي الثقيل ومأساة أخيها/ أختها بعد وفاة الوالدين. تمثل دور الراوي المكمل للأحداث من خلال رسائلها الطويلة الموجهة للدكتور قيس والتي تفضفض فيها عن الورطة النفسية والاجتماعية التي تعيشها الأسرة.
المحامي إبراهيم، الأب المتوفى، وعلى الرغم من غيابه عن الحاضر، إلّا أن قراره التاريخي بتحويل ابنه الوحيد والوريث المنتظر إلى أنثى (هربًا من كلام المجتمع وبحثًا عن مخرج لحياة الطفل المشوه) هو الذي أسس لدراما الرواية بأكملها.
من هنا فإن الاشتغال على الفكرة والشخصيات تؤدّي إلى إسقاطٍ رمزيّ جريءٍ صاغه السالم ليقول إن "الحرب تصنع الكائنات المشوهة إذا لم تقتلها" (ص188)، مستخدمًا جسد "زيتونة/إسماعيل" كمرآة للتشوه والضياع الذي حل بالبلاد.
العنوان وفاعلية الارتباط
يرتبط عنوان الرواية بالحكاية ارتباطًا وثيقًا وعميقًا، وهو ليس مجرّد عتبةٍ نصيةٍ عابرة، أو أنه باب الدخول إلى مدينة الرواية فحسب، بل يحمل دلالات رمزية، نفسية، وبيولوجية تختزل المأساة التي عاشتها الشخصية المحورية (إسماعيل/ زيتونة). ويمكن تفكيك هذا الارتباط وأهميته من خلال:
أولًا: البرمائيات والتحول البيولوجي بين عالمين، فالضفدعة في علم الأحياء هي كائن برمائي يمر بمرحلة تحولٍ جذريّ كامل، يبدأ حياته في الماء ككائن يشبه الأسماك، يتنفّس بالخياشيم، ثم يتحوّل ليعيش على اليابسة ويتنفس بالرئتين.
هذا التحول البيولوجي يطابق ما حدث لشخصية الرواية المحورية، حين تتحول من طفل/ إسماعيل، إلى صبية/ زيتونة، بمعنى هناك هويتان دون الانتماء الكامل لأي منهما، تمامًا كالضفدع المعلق بين الماء واليابسة.
ثانيًا: رمزية الجسد والمسخ والتشويه، حيث يرتبط لفظ "الضفدعة" في المخيال الإنساني أحيانًا بالغرابة أو المسخ، مثل الحكايات الشعبية عن الأمير الذي تحول إلى ضفدع بفعل لعنة. في الرواية، لم تكن الحرب مجرّد حدث سياسي، بل كانت "لعنة" ومسخًا حوّل جسد طفلٍ بريءٍ إلى كائنٍ هجينٍ مرمّز طبيًا وجراحيًا. والعنوان يمثل إسقاطًا على بشاعة التشويه الجسدي والنفسي الذي تتركه الحروب على الضحايا، حيث يُجبر الإنسان على العيش في جسد مستعار لا يشبه روحه.
ثالثًا: الصمت، والإنصات، والاقتراب من الموت، فالضفادع تظهر وتنق في بيئاتٍ معينةٍ وترتبط بالبرك والمستنقعات، وفي الرواية، يعيش البطل/ البطلة في "مستنقع" من الأسرار، الخوف، والترقّب الاجتماعي. كما أن حركة الضفدعة وقدرتها على الاختباء تشبه حالة الانكفاء النفسي والسرية التي عاشتها عائلة المحامي إبراهيم لإخفاء حقيقة "زيتونة" عن المجتمع وعن محيطها الجامعي، وحتى صدمة الطبيب قيس عند اكتشاف الحقيقة.
ولهذا فإن أهمية العنوان في البناء الروائي حملت تكثيف الدلالة، إذ اختصره السالم بكلمة واحدة "ضفدعة" بمعنى الأزمة الجندرية والوجودية المعقدة للشخصية، بدلًا من اللجوء إلى عناوين مباشرة أو طبية قد تفقد العمل شاعريته السوداوية. فضلًا عن إثارة الفضول والصدمة، حيث يثير تساؤلًا صادمًا لدى المتلقّي، ما علاقة هذا الكائن بحرب بغداد وسياراتها المفخخة؟ ولا تتضح هذه الإجابة إلا مع تدفّق رسائل الواتساب بين الآنسة لميعة والدكتور قيس، مما يمنح العنوان وظيفة تشويقية وبنائية ممتازة.
يضاف لها البُعد الإسقاطي المرتبط بالوطن الذي تحوّل إلى الضحية، ولا يقتصر على شخصية زيتونة فحسب، بل يمتد ليكون إسقاطًا على العراق نفسه، الوطن الذي مزّقته الحروب والإرهاب وجعلته كائنًا مشوّهًا يتنقل بين الأزمات والمراحل، فاقدًا هويته المستقرّة وأمانه الداخلي.
الأثر البيئي وإنتاج الفكرة
تلعب البيئة، بمفهومها المكاني، والسياسي، والاجتماعي، والنفسي، دورًا مهمًا في إنتاج فكرة رواية، وتشكيل حكايتها، وبناء شخوصها. فالبيئة هنا هي المُنتِج الأول والأساسي للمأساة. ويتأتى ذلك من خلال:
أولًا: بيئة الحرب والدمار، إذ وُلدت فكرة الرواية مباشرة من رحم البيئة العراقية بعد عام 2003، وهي بيئةٌ محكومةٌ بالعنف اليومي، والسيارات المفخّخة، والتشظّي. بيئة مأزومة تنتج أفكارًا استثنائية، لولا طبيعة البيئة البغدادية المليئة بالحروب والدمار لما خُسرت ذكورة إسماعيل، ولما فُرضت عليه تلك الجراحة التجميلية القسرية ليتحول إلى زيتونة. فالتشوه البيئي يعكس التشوّه الإنساني، لذا فالفكرة الفلسفية للرواية تقوم على أن البيئة الملوّثة بالدخان والمخلفات الحربية والإرهاب لا تكتفي بتدمير الجدران، بل تشوه الجسد البشري وتجرّده من هويّته البيولوجية والوجودية، فالبيئة المشوّهة أنتجت كائنًا مشوهًا معلّقًا بين جنسين.
ثانيًا: البيئة الواقعية اليومية، حيث تتحرّك حكاية الرواية وتتطوّر عبر جغرافيا واقعية، وتتأثّر حركة السرد بتفاصيل هذه البيئة، بيئة المستشفيات والطب الجراحي، تنطلق الحكاية من بيئة غرف العمليات والسجلات الطبية القديمة التي عاصرت تدفّق الجثث والجرحى، وهي بيئة فرضت الشخصية المحورية البحث والنبش في مذكراته لتوثيق تلك الحقبة الشرسة. وأيضًا البيئة الرقمية والخدمية المعاصرة، إذ تتجلّى البيئة المعاصرة للشخصيات في تفاصيلها اليومية القاسية، فحكاية الرواية تنكشف تدريجيًا عبر رسائل "الواتساب". وهذا التدفّق السردي لا يسير بسلاسة بل يصطدم ببيئة الخدمات المتردية في العراق، فنرى رسائل لميعة تنقطع أو تتأخّر بسبب انقطاع التيار الكهربائي، أو ضعف شبكة الإنترنت. بمعنى أن البيئة هنا تفرض إيقاعها على طريقة سرد الحكاية وتطورها.
ثالثًا: أثر البيئة على شخوص الرواية ومصائرها، فالشخصيات تتنفّس رئة البيئة المحيطة بها، وتتشكّل ملامحها وسلوكياتها وفقًا لضغوطات هذه البيئة، فشخصية الطفل/ الصبية هي نتاج مباشر لبيئة الإرهاب. ثم تتحوّل إلى ضحية للبيئة الاجتماعية المحافظة والذكورية. فالأب/ إبراهيم اختار تحويل ابنه جراحيًا إلى أنثى لأن بيئته الاجتماعية لا ترحم الذكر المشوه جنسيًا، ولقد رأى في تحويله إلى بنت مخرجًا اجتماعيًا هربًا من وصمة المجتمع. فضلًا عن شخصية الآنسة لميعة، حاملة العبء الاجتماعي، وتعكس صورة المرأة العراقية التي طحنتها الظروف البيئية والاجتماعية؛ فهي تحمل سر العائلة الثقيل وتعيش في قلق دائم من انكشاف أمر أختها/ أخيها أمام المجتمع/ البيئة المحيطة، وخاصة عندما يتقدّم أستاذ جامعي لخطبة زيتونة. وكذلك بقية الشخصيات الأخرى لها تأثير بيئي. ثم المرض الخبيث كأثر بيئي مدمّر، وفي نهاية المطاف، يظهر أثر البيئة الملوثة بمخلفات الحروب في إصابة زيتونة بمرض خبيث في أعضائها المرمّمة، ليكون السرطان البيئي الناتج عن اليورانيوم والبارود هو في منزلة الخاتمة المأساوية التي تفرضها البيئة على شخوص الرواية.


تحميل المقال التالي...