}
عروض

"الرحلة إلى جبل قاف": في دلالة التجريب السردي

نسرين النقوزي

4 يونيو 2026
 


صدرت المجموعة القصصية "الرحلة إلى جبل قاف" للكاتب المغربي محمد سعيد أحجيوج عن دار مرفأ (بيروت – إسطنبول)، وهي تضم تسع قصص تشكّل فيما بينها بناءً سرديًا متماسكًا. وقد وصلت المجموعة إلى اللائحة القصيرة لجائزة "سرد الذهب"، مؤكّدة حضورها كعمل لافت في المشهد السردي العربي المعاصر، وكمحطة جديدة في مشروع كاتب جعل من التجريب السردي، ومن مساءلة فعل الكتابة نفسه، جوهرًا لتجربته الأدبية.

تضم المجموعة تسع قصص، لكنها تُقرأ بوصفها كيانًا سرديًا واحدًا قائمًا على التشابك والتجاوب الداخلي، أقرب إلى ما يُعرف في النقد الحديث بـ Short Story Cycle أو Composite Novel. يتشكّل العالم السردي في هذه المجموعة من طبقات متداخلة من الحكايات، والأزمنة، والأصوات. تتقاطع القصص عند أسئلة كبرى تتعلق بالهوية، الحرية، الكتابة، والعلاقة بين الواقع والخيال. يظهر التداخل الزمني بوصفه أداة أساسية لتفكيك مفهوم الخط الزمني المستقر، فتتجاور الأزمنة داخل النص الواحد، تتحرك الشخصيات بين الماضي والحاضر والحلم من دون فواصل حادة. هذا البناء يمنح النص إحساسًا بالتيه المقصود، ويضع القارئ في حالة يقظة تأويلية مستمرة.

يحضر التراث السردي العربي، ولا سيما "ألف ليلة وليلة"، بوصفه مادة حيّة يعاد الاشتغال عليها ضمن أفق حداثي. كما تستعاد الحكايات القديمة كأنساق سردية قابلة للتفكيك وإعادة البناء. تتجاور هذه الاستعادات مع إحالات واضحة إلى عوالم بورخيس، وكافكا، وموراكامي، وبول أوستر، في سياق تناصي واعٍ ينتج نصوصًا عربية معاصرة تنفتح على الأدب العالمي من دون أن تفقد خصوصيتها الثقافية.

تعتمد المجموعة تقنية الميتافكشن بوصفها أحد محركات السرد الأساسية. تظهر الكتابة هنا موضوعًا للكتابة نفسها، ويُشرك القارئ في عملية الخلق السردي، فيصبح الوعي بالكتابة جزءًا من التجربة القرائية. في قصص مثل "البحث عن إدمون عمران المالح" و"الظهور الثاني لكتاب الرمل"، يتقاطع النص مع فعل التأليف، وتُعرض عملية السرد بوصفها فعلًا إشكاليًا، محفوفًا بالشك والأسئلة. يتقدّم النص باعتباره مختبرًا لفحص حدود الحكاية وطبيعة الحقيقة وإمكانية تمثيل الواقع.

يتكرّر حضور شخصيات سبق أن ظهرت في أعمال محمد سعيد أحجيوج الروائية، كما يحضر اسم الكاتب نفسه داخل النص، سواء بصيغة مباشرة أو ضمنية. هذا الحضور يرسّخ فكرة المشروع السردي الواحد الممتد، حيث تتنقّل الشخصيات بين النصوص، وتعيد تشكيل ذواتها داخل سياقات مختلفة. تتحول الذاكرة النصية إلى عنصر بنائي، وتصبح معرفة القارئ السابقة جزءًا من عمق القراءة، ما يعزز العلاقة التفاعلية بين النصوص والجمهور.

في هذا الإطار، يتحوّل حضور محمد سعيد أحجيوج المتكرر إلى استراتيجية سردية واعية. تجعل الكتابة من الذات الكاتبة محورًا للحكاية، ومن القارئ شريكًا في لعبة التذكّر والاعتراف. تُستدعى الأعمال السابقة وشخصياتها بوصفها علامات لا يجوز نسيانها، ويُطلب من القارئ أن يعبر النص عبر معرفة مسبقة بأعماله ومساراته، وكأن السرد يعمل باستمرار على تثبيت الوعي بالمؤلف داخل التجربة القرائية.

ويكتسب هذا البعد دلالة إضافية حين نقرأ منشور الكاتب الذي يقول فيه:

"أنا أكره أنني أحتاج القارئ… أكتب ثم أنتظر".

هذا الاعتراف يضيء العمل من الداخل، ويكشف أن إشراك القارئ في النص انعكاس لعلاقة قلق حقيقي بين الكاتب وجمهوره. القارئ هنا شاهد وحكم وضرورة وجودية للكتابة نفسها. تصبح القراءة فعل مشاركة، لا استقبالًا محايدًا، ويغدو الصمت جزءًا من التجربة السردية، مثلما يصبح الاعتراف جزءًا من بنية النص.

تطرح المجموعة أسئلة فلسفية كبرى من دون تقديم إجابات جاهزة: ما طبيعة الواقع؟ هل نحن شخصيات في نص أكبر؟ كيف تصوغ الحكايات هويتنا؟ وما علاقة التراث بالحاضر؟ تتحرّك القصص في فضاء تأملي يجعل من الزمن عنصرًا هشًّا، ومن الهوية بنية متغيّرة، ومن الحرية سؤالًا مفتوحًا. تتجلّى هذه الرؤية بوضوح في القصة التي تحمل عنوان المجموعة، حيث الرحلة إلى جبل قاف تتحوّل إلى استعارة للحد الأخير للسرد، للنقطة التي يلتقي فيها الخلق بالكلمة الأولى: "كن". تبدأ المجموعة بكتاب سحري لا نهائي، وتنتهي بمحاولة خروج من النص لتعود إلى البداية، في حركة دائرية تُحاكي منطق الأسطورة ومنطق الكتابة في آن.

بهذا المعنى، تقدّم "الرحلة إلى جبل قاف" تجربة قراءة تتجاوز تصنيفات النوع الأدبي، وتؤكّد قدرة محمد سعيد أحجيوج على بناء عوالم سردية تشتغل على التخوم: بين القصة والرواية، بين الذات والنص، بين التراث والحداثة. إنها كتابة تعي نفسها، وتضع فعل السرد موضع مساءلة دائمة، وتدعو القارئ إلى أن يكون جزءًا من هذه المساءلة، لا خارجها.

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.