}
عروض

رولان بارت في المغرب: حضور بلا ضفاف

بشير البكر

9 يونيو 2026
المعطي قبال 


يبقى رولان بارت أيقونة فكرية، رغم مرور نحو 45 عامًا على رحيله بحادث سير في باريس. مفكر وأديب عابر للثقافات، ومن جيل فرنسي ترك بصمة مهمة على الثقافة العالمية، من بين رموزه الكبار: ميشال فوكو، جاك لاكان، جاك دريدا، جوليا كريستيفا، جيل دولوز، تزفتيان تودوروف. وعلى هذا يبقى، حتى اليوم، محرِّضًا لكثير من الباحثين والنقاد لإلقاء الضوء على منجزه الكبير، وتأثيره على حركة الثقافة في أكثر من بلد، وخاصة المغرب، الذي ربطته به علاقة خاصة.

يأتي في هذا السياق الكتاب الصادر عن دار "توبقال" المغربية بعنوان "رولان بارت في المغرب"، للكاتب المغربي المعطي قبال، الذي درس في جامعة محمد الخامس في الرباط عند المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي، أحد تلامذة بارت ومحاوريه، والذي كان واسطة لاكتشاف المفكر الفرنسي. ويعود المحرِّض على تخصيص كتاب لعلاقة بارت بالمغرب إلى الاهتمام بفرنسا لهذه المسألة، والمرور عليها بسرعة في المغرب. وفي حين أن هناك دراسات وأبحاثًا بالفرنسية وندوات، فإن تناولها اقتصر على مقالات صحافية ظرفية باللغة العربية، لا يتوافر فيها الدقة والتوثيق.

يطرح الكاتب في مقدمة الكتاب، على نحو بيداغوجي، عددًا من الأسئلة المهمة: لماذا المغرب؟ وما الذي مثّله لبارت؟ ثم كيف تصوّر هو هذا البلد خارج الغرائبية السائدة، والجاري بها العمل في العديد من الكتابات الفرنسية الكلاسيكية والحديثة؟ وكي يجيب عليها، وعلى غيرها من أسئلة أخرى تتفرع عنها، يذهب، قبل كل شيء، إلى طرح السؤال: عن أي مغرب نتحدث؟ ويوضح أن المقصود في الكتاب مغرب نهاية الستينيات، حينما قدم بارت للتدريس في جامعة محمد الخامس في الرباط عام 1969. وقد أمضى هناك عامًا، كانت حصيلته كتابه "وقائع"، الذي بقي طي الكتمان، ونشر بعد وفاة بارت، مثيرًا الكثير من الجدل، بسبب موضوعه القائم على "الالتقاط السريع لصور من حياة المغاربة"، على حد وصف المؤلف. ويظهر هنا فهمًا سطحيًا من جانب بارت، ينسحب حين تتم المقارنة بين المغرب واليابان على مستوى دراسة العلامات؛ فقد رأى في اليابان بلد الكتابة، وأهمل الخط العربي كهندسة جمالية غنية بالعلامات، وما يجمع الشرق الأقصى بالعالم العربي هو الخط، غاب عنه أن الثقافة العربية ثقافة الكتابة بامتياز.

يرى قبال أن بارت متوسطي الهوية، بما يعني حوض البحر الأبيض المتوسط من تاريخ وأساطير وديانات وحكايات وحروب، ومشهد يطفح بالشعر والعنف، كما أنه مولد التراجيديا بمعناها الفلسفي والملحمي. وبالتالي، فإن المفكر الفرنسي أقرب إلى الشعراء والكتّاب المتوسطيين، وبالأخص منهم الإغريق من كتاب المسرح مثل سوفوكل، وهذا ما قاده إلى هناك، ومتن من علاقته بالانتماء المتوسطي، الذي أخرجه من فضائه الفرنسي لينقله نحو كثافة الضوء، وتمازج الشمس بالماء والتراب، وقد عثر بارت على كل هذه العناصر في المغرب.

أربعة بلدان حظيت بشغف بارت: اليونان، اليابان، إيطاليا، المغرب. لكن المغرب يبقى القارة التي انشدّ إليها، وعليها تركز اهتمامه، وسيفتن بجمالية الهوامش لأنها بقايا طقوس وافدة من الماضي. لكن الغريب أن مصر، التي عاش فيها لمدة عام في زمن الملكية، لم تحرّضه للكتابة عنها. ويقول قبال إن المغرب يظل بلد بارت بامتياز، ويعزو ذلك إلى كون هذا البلد وازن بين الحداثة والتقليد، كما أنه حافظ على تقاليد الضيافة في معناها الإقطاعي والاستعماري، الإمبراطوري والسلطاني، عدا عن أن المغرب بلد باذخ وغني باختلافه وتناقضاته. ولكن بارت لم يبد اهتمامًا بالأدب المغربي المكتوب باللغة العربية ولا بالفرنسية، واقتصرت علاقته على زغلول مرسي، عبد الله بو نفور، والخطيبي الذي كان بارت يكن له الإعجاب، كون نصوصه تتخطى الازدواجية للمطالبة بالتعددية التي تسكن الحضارات. ويقول عنه: "الخطيبي يعلمني شيئًا جديدًا، يخلخل معرفتي"، ولا يخفى أن بعض نصوص الخطيبي تحمل بصمات بارتية واضحة.

يقول قبال إن المغرب يظل بلد بارت بامتياز (Getty)


علاقة بارت بالعالم العربي إحدى الإشكاليات التي يثيرها قبال، فبارت عمل كموظف دبلوماسي فرنسي بمكتبة الإسكندرية، وقام بزيارات لكل من تونس والجزائر، في وقت ليس من السهل رصد إطلالة لرولان بارت في المشهد الثقافي بالمشرق، الذي كان يعاني من تيه بعد هزيمة حزيران/ يونيو 1967. وعلى أي حال، لا يمكن مقارنة ذلك بعلاقته ببلدان أخرى كاليابان التي أقام فيها، وزارها ثلاث مرات، وكتب عنها كتابه الشهير "إمبراطورية العلامات". وفي النهاية، لم يكتب شيئًا ذا أهمية عن البلدان العربية. ويتوقف الكتاب عند نقطة مهمة تتعلق بحضور بارت في العالم العربي، الذي يتجاوز مسألتي الكتابة عن البلدان العربية، والنظرية البنيوية ذات الشعبية الواسعة لدى الكتاب العرب، إلى دوره ككاتب فتح للثقافة العربية أبوابًا منهجية ونظرية غاية في الأهمية، لأنه اقتحم عدة ميادين، وناقش موضوعات ومفاهيم أثارها أو جدد البحث فيها، وباتت متداولة وحاضرة في المجالين الثقافي والإعلامي، مما جعل منه الأقرب من بين المثقفين الغربيين في العالم العربي.

ويسجل الكاتب للكتاب والمثقفين المغاربة الذين درجوا على نقل بعض أعمال بارت إلى العربية، بداية من "الدرجة صفر للكتابة"، الذي نقله أكثر من شخص إلى العربية: محمد البكري، ومن ثم محمد برادة، كما قام محمد بنيس بترجمة أجزاء منه، و"لذة النص" الذي ترجمه منذر العياشي، و"درس السيميولوجيا" بترجمة من عبد السلام عبد العالي، و"نقد وحقيقة" الذي ترجمه إبراهيم الخطيب. ويأخذ قبال على تعدد الترجمات أن بعض أصحابها غير ملمين بعالم بارت الفلسفي، ويستثني من ذلك برادة والخطيب. ولكن يبقى الكاتب والباحث عبد الكبير الخطيبي أهم دارس ومحاور لبارت، وهو أول طالب عربي أنجز بحثًا جامعيًا عنه، وتم تحت إشراف جاك بيرك.

ويرى قبال أن هناك مشكلة في تلقي بارت بالعربية، هي ذاتها لدى استقبال أعمال كتاب آخرين مثل سارتر ودولوز وكلود ليفي شتراوس ودريدا، كون القراءة العربية تحاكي وتستعيد المفاهيم والصيغ، ولا تطرح الأسئلة. ويتقصى تأثير بارت في المغرب من خلال مقابلة مركزة مع أول طالب لبارت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في الرباط عبد الله بونفور، الذي يقدم صورة منصفة عن هذا المفكر الذي جرى النظر إليه بسطحية وعدوانية من قبل بعض الأوساط، بسبب كتابه "وقائع" الذي تناول فيه بعض السلبيات في مغرب السبعينيات. ومن بين ما تعلمه الطالب من المفكر: "لا ابتكار من دون تمكن معرفي"، وفي صلب هذه المعادلة تقع العلاقة بين المتعة والقراءة. ثم إن تدريس بارت لمدة عام في جامعة الرباط أدى إلى إصلاح الدراسات الأدبية، ونقلها من النسق الكلاسيكي المحافظ الذي يدرس النصوص ويتتبع تطورها عبر الزمن، إلى تفكيك النصوص وفق مفاهيم ونظريات الحداثة التي كانت قد بدأت تهيمن على الدراسات الأدبية في أوروبا، كما كان له الفضل في تحقيق المغرب سبقًا مهمًا في ميدان اللسانيات.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.