لم ينشأ هذا الصراع فجأة، بل تعود جذوره إلى سلسلة من محطات تاريخية تراكم فيها التنافس والعداء بين الطرفين، حيث يُعد انقلاب عام 1953، الذي دعمت فيه الولايات المتحدة الأميركية الإطاحة برئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق بعد تأميمه النفط الإيراني، نقطة البداية في تشكل الذاكرة الإيرانية المعادية لواشنطن. ثم جاءت الثورة الإسلامية عام 1979 لتطيح بالشاه محمد رضا بهلوي، الحليف الأوثق للولايات المتحدة، وتؤسس لمرحلة جديدة، اتسمت بالقطيعة السياسية والأيديولوجية، وتعززت مع أزمة احتجاز الرهائن الأميركيين، والحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، ثم النزاع المستمر حول البرنامج النووي الإيراني.
في هذا السياق يكتسي كتاب "صعود إيران وتنافسها مع الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط" للباحث الأميركي، الإيراني الأصل، محسن ميلاني (بيروت، هاشيت أنطوان/ نوفل، 2025)، أهمية خاصة، لأنه يقدم قراءة تحليلية معمقة لمسار العلاقات الإيرانية الأميركية، ويشرح كيفية تحولها من علاقة تحالف وثيق إلى تنافس استراتيجي طويل الأمد، تشكلت ملامحه بفعل تداخل جملة من العوامل التاريخية والأيديولوجية والجيوسياسية.
ينطلق ميلاني من فرضية أساسية مفادها أن طموح الجمهورية الإسلامية إلى توسيع نفوذها الإقليمي وضعها تلقائيًا على مسار تصادمي مع الولايات المتحدة. ويتبنى أطروحة صمويل هنتنغتون التي طرحها في أواخر القرن الماضي، واعتبر فيها أن إيران قوة إقليمية صاعدة، ورجّح أن تتحدّى هيمنة ما أسماه "القوّة العظمى الأميركية"، مفترضًا أن "الحرب الباردة" المتواصلة التي تُخاض بشراسة في ساحات الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإيران، هي حرب مدفوعة في المقام الأول بصراع على المصالح الجيوسياسية، لا بخلافات أيديولوجية، أو مخاوف بشأن انتهاكات الجمهورية الإسلامية لحقوق الإنسان. وبناءً عليها يسعى ميلاني في كتابه إلى رواية القصة المثيرة لصعود إيران الثورية التدريجي في الشرق الأوسط، وتغلغلها في كل من العراق، وسورية، ولبنان، واليمن، وقطاع غزة، على خلفية حربها الباردة مع الولايات المتحدة، و"حرب الظل" التي كانت تخاض بينها وبين إسرائيل، وتنافسها الإقليمي مع المملكة العربية السعودية. وفي سياق ذلك، يبحث في أسباب وكيفية تبني النظام الإيراني سياسات معادية للولايات المتحدة وإسرائيل، والاعتماد عليها بوصفها ركائز أساسية لسياساته الإقليمية. ويتطرق إلى المنطق الاستراتيجي الذي يقف وراء سياساته والأساليب التي استخدمها لتوسيع نفوذه في المنطقة. كما يستشرف عواقب التنافس الجيواستراتيجي مع الولايات المتحدة، متسائلًا عما إذا أثبتت آلية الردع فعاليتها ضد الولايات المتحدة، وهل خدمت المصالح الوطنية الإيرانية؟
يروي الكتاب قصة الصعود الإيراني منذ انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، مستعرضًا الكيفية التي استطاعت طهران بواسطتها أن تبني نفوذها تدريجيًا في العراق وسورية ولبنان واليمن، وعلى نحو أقل في قطاع غزة، مستفيدة من التحولات الإقليمية، ولا سيما الفراغات التي خلفتها التدخلات العسكرية الأميركية في المنطقة.
يرفض ميلاني تفسير السلوك الإيراني باعتباره مجرد انعكاس لعقيدة ثورية أو دوافع أيديولوجية، ويرى أن القيادة الإيرانية تصرفت بقدر كبير من البراغماتية، حين سعت إلى تعويض اختلال ميزان القوى التقليدي عبر تبني استراتيجية تقوم على نقل ساحات المواجهة بعيدًا عن الحدود الإيرانية، وبناء شبكة واسعة من الحلفاء والوكلاء المحليين القادرين على ردع الخصوم واستنزافهم بأدوات غير تقليدية.
لقد ارتبطت استراتيجية النظام الإيراني الإقليمية بشكل وثيق مع تصوّره للولايات المتحدة كتهديد وجودي له. ومنذ الثورة الإيرانية قرر ساسة النظام تحدي الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بالرغم من إدراكهم الفوارق العسكرية الكبيرة بين إيران والولايات المتحدة. لذلك، اعتمدوا استراتيجية "العمق الاستراتيجي" أو "الدفاع المتقدم"، التي تُعدّ حجر الزاوية في سياسات النظام الإقليمية، وتهدف إلى خلق نوع من التكافؤ، وتخفيف الفوارق، وتوسيع النفوذ، وبناء قدرة ردعيّة عبر توسيع ساحات الصراع مع الولايات المتحدة إلى ما وراء حدودها، مما قد يستهدف المصالح الأميركية الحيوية. كما اعتمد النظام على أساليب الحرب غير المتكافئة أو غير التقليدية، بهدف بناء وتطوير قدرة ميليشيات محليّة ومستدامة.
يجادل ميلاني بأن إيران لطالما كانت تتطلع إلى توسيع نفوذها خارج محيطها الإقليمي المتقلب، وقد منحتها الثورة الإسلامية قوة تحفيزية، إذ أصبح توسيع أذرع نفوذها يتم باسم الإسلام وتصدير الثورة. وجسّد دستور 1979 الروح التدخلية للثورة وكراهيتها للولايات المتحدة، حيث دعا إلى "القضاء التام على الإمبريالية ومنع النفوذ الأجنبي"، وطالب إيران بدعم "نضالات المستضعفين ضد المستكبرين". وقد تلقف ذلك المتشددون في النظام الإيراني، الذين استندوا إليه، وجعلوه حجة لتبرير تغلغل نظامهم في شؤون الدول العربية الداخلية.
نهضت استراتيجية النظام الإيراني على أربع ركائز، أولها توسيع النفوذ والقوة، حيث اعتقد الخميني وخامنئي أن قوة إيران تتحقق من خلال تعظيم النظام الإسلامي ومعارضة الولايات المتحدة. واجترح خامنئي مقولة "التهديد مقابل التهديد" التي جعلها "الحرس الثوري" إحدى الركائز الأساسية للسياسات الإقليمية الإيرانية، وتفترض أن الأعمال العدائية للولايات المتحدة وحلفائها تتضاءل كلما وسعت إيران نفوذها خارج حدودها، لذلك اعتبر خامنئي أن أعداء إيران يعارضون وجودها في المنطقة "لأنه يمنحها عمقًا استراتيجيًا وقوة وطنية أكبر". وتتمثل الركيزة الثانية في إنشاء شبكة إقليمية سرية، وضعت أسسها خلال الحرب الإيرانية العراقية. وقام الحرس الثوري بإنشاء شبكة من الحلفاء والميليشيات المتماسكة أيديولوجيًا والمدربة على الحرب الهجينة غير المتكافئة. وتقوم الركيزة الثالثة على استراتيجيات التوازن والموازنة الهادفة إلى توسيع نفوذ النظام الإيراني وتقليل المخاطر المحتملة. واستنادًا إلى "موازنة التهديدات" أقام النظام الإيراني تحالفًا طويل الأمد مع نظام الأسد في سورية، كما شكل تحالفًا عسكريًا مع روسيا في سورية عام 2015 للقتال دفاعًا عن هذا النظام. أما الركيزة الرابعة، فتقوم على إنشاء مجمع صناعي عسكري شبه مكتفٍ بذاته، ثم تطور هذا المجمع ليشمل الإشراف على البرنامج النووي، وإنتاج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.
يحلل المؤلف بالتفصيل استراتيجية بناء ما بات يُعرف بـ"محور المقاومة" أو "الممانعة"، الذي يضم سورية و"حزب الله" اللبناني، والفصائل المسلحة العراقية، وجماعة "أنصار الله" الحوثي في اليمن، إلى جانب علاقات متفاوتة مع بعض الفصائل الفلسطينية، مثل حركة "حماس"، وحركة "الجهاد الإسلامي". ومنحت هذه الشبكة النظام الإيراني نفوذًا إقليميًا يفوق قدراتها العسكرية والاقتصادية المباشرة، لكنها في الوقت نفسه بقيت بنية هشة، نظرًا إلى اختلاف أجندات أطرافها واعتمادها الكبير على التمويل والدعم الإيراني.
تكمن المفارقة في أن تدخلات الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة أسهمت، من حيث لا تقصد، في تعزيز النفوذ الإيراني. فإسقاط نظام طالبان في أفغانستان، ثم نظام صدام حسين في العراق، أزالا أبرز خصمين إقليميين لطهران، وفتحا أمامها مجالًا واسعًا للتمدد السياسي والعسكري. إضافة إلى أن العقوبات الأميركية، على الرغم مما ألحقته من أضرار بالاقتصاد الإيراني، إلا أنها لم تحقق هدفها في تغيير سلوك النظام، بل عززت داخله عقلية "الحصار"، ورسخت قناعة بضرورة امتلاك أدوات ردع مستقلة، سواء عبر البرنامج النووي أو تطوير القدرات الصاروخية. لكن ذلك لا يعني انتصارًا إيرانيًا متواصلًا، بل يشير إلى أن النفوذ الإقليمي لطهران شهد تراجعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة نتيجة عوامل متعددة، من بينها اغتيال قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني، وتزايد الضغوط الاقتصادية، وتراجع فعالية بعض حلفائها الإقليميين. ويمكن أن نضيف إلى الكتاب، كونه كتب قبل هذه التطورات المتسارعة والهامة، التحولات التي شهدتها المنطقة منذ هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وكان أبرزها سقوط نظام الأسد في نهاية عام 2024، وإضعاف "حزب الله" اللبناني، بعد الضربات الإسرائيلية القاصمة التي تلقاها. ثم حرب الاثني عشر يومًا، ثم حرب التسعة والثلاثين يومًا التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل مؤخرًا على إيران.
يحسب لكتاب ميلاني أنه يجمع بين السرد التاريخي والتحليل السياسي المقارن، بالابتعاد عن الأحكام الأيديولوجية المسبقة، وتقديم تفسير متوازن لصعود إيران الإقليمي وحدود هذا الصعود. وتمكنه من تقديم قراءة نقدية للتحولات والتغيرات التي شهدها الشرق الأوسط خلال أكثر من أربعة عقود، والكشف عن الكيفية التي تحولت الفراغات التي خلفتها الحروب والتدخلات الخارجية إلى وسط مثالي لإعادة تشكيل خرائط النفوذ والهيمنة في المنطقة.


تحميل المقال التالي...