يُعد كتاب "جدران من قماش: العام الأول من الإبادة" للشاعرة والكاتبة الفلسطينية نعمة حسن، والصادر في طبعته الأولى عن دار الناشر في رام الله والأهلية في عمّان (2026)، وثيقة أدبية وشهادة إنسانية بالغة الأهمية، إذ إنه لا يكتفي بتوثيق الأحداث، بل يغوص في أعماق التجربة الفلسطينية تحت نار الإبادة الجماعية، محولًا اليوميات الرقمية إلى سجل حي يحفظ السردية الفلسطينية بأسلوب إبداعي يمزج بين الشعر، والنثر، والشهادة الحوارية المباشرة.
إن القيمة الحقيقية لهذا الكتاب لا تكمن في كونه مجرد توثيق تقني أو إخباري لأهوال الحرب، بل في كونه أرشيفًا للكتابة التي تتنفس وسط الركام، فقد نجحت نعمة حسن في تحويل صفحات هاتفها الخليوي إلى مساحة وجودية، حيث لم تكن الكتابة ترفًا، بل كانت ضرورة بقاء لتفكيك المحو الممنهج الذي يطاول الأجساد والأمكنة والذكريات، فصارت كل تدوينة خطًا زمنيًا يوثق صمود الذات الفلسطينية أمام محاولات المسح الشامل.
وعبر هذا الأرشيف، تظهر الكاتبة في صور متعددة، حيث تتنقل ببراعة بين دورها كأخصائية اجتماعية تلمس وجع المكلومين، ودورها كأم تضطر إلى تدريب أطفالها السبعة على التكيّف مع صوت الصواريخ، وبين كونها كاتبة تمتلك حدسًا شعريًا يحوّل التفاصيل اليومية (مثل طوابير الخبز أو رائحة المطر في الخيام) إلى أدوات لمقاومة النسيان، وهذا التعدد في الأدوار منح النص عمقًا إنسانيًا، حيث لم تعد الكاتبة مجرد راوٍ للأحداث، بل صارت جزءًا من نسيج المعاناة الذي تكتبه.
وتتجلّى لغة الكتاب في كونها لغة مُلحّة، ترفض القوالب الجامدة للشهادة الإخبارية، وتستبدلها بكلمات مشحونة بالعاطفة والألم، فحين تصف نعمة "الموت، والدمار، والخيمة، والخبز، والنزوح، والحصار"، فهي لا تستخدمها كمصطلحات إعلامية، بل كمفردات يومية يعيشها الفلسطيني، مانحةً إياها ثقلًا وجوديًا يربط القارئ باللحظة المعاشة، وهذا التكثيف اللغوي يجعل من الكتاب وثيقة تحمي المعنى من التآكل بفعل التكرار، وتنتزع الكلمات من فم الإبادة لتعيد لها دلالتها الإنسانية الخام.
إلى جانب التوثيق اليومي للأهوال، يحفل الكتاب بحكايات إنسانية دقيقة تبرز قدرة نعمة حسن على التقاط الشوائب الإنسانية وسط طوفان الموت، حيث تتجاوز في كتابتها القصص الكبرى لتغوص في حكايات الهامش والضعف الإنساني الذي غالبًا ما يغيب عن عدسات الكاميرات.
تروي نعمة حسن، مثلًا، حكاية الرجل العجوز الذي يعيش في خيمته ويغمره خوف عميق من رائحته الشخصية؛ لأنه محروم من أبسط مقومات النظافة والمياه، وهي تفاصيل تدمي القلب وتكشف عمق الإذلال الذي تحاول الإبادة فرضه على الكرامة البشرية قبل الأجساد، مما يجعل من الكتابة هنا وسيلة لإعادة الاعتبار إلى إنسانية هؤلاء المنسيين.
وتستحضر الكاتبة أيضًا وجع الأمومة المقاتلة، وتحديدًا في حكايتها عن المرأة الناجية الوحيدة التي تعرضت لهجوم من المجتمع المحيط بها رغم فاجعتها بفقدان عائلتها، وكيف تحاول هذه المرأة شق طريقها إلى الحياة من جديد، وهذه الحكاية تفتح الباب على تساؤلات مؤلمة حول كيفية إعادة تشكل المجتمع والذوات في خضم التدمير، حيث لا تكتفي الحرب بقتل الأجساد، بل تنهش في النسيج الاجتماعي والروابط الإنسانية، وتظهر نعمة هنا كأخصائية اجتماعية تدرك أن مهمتها ليست فقط تسجيل الألم، بل الإصغاء لصرخات الناجيات اللاتي يحملن أثقالًا تفوق قدرة البشر على الاحتمال.
الحضور الطفوليّ
لا يغيب عن الكتاب أيضًا الحضور الطفوليّ الذي يمزج بين البراءة والمأساة، كما في حكايتها عن الأطفال الذين يلعبون في ساحات الخيام، حيث يصبح الرمل نفسه خطرًا، وحكاية الطفلة التي سألتها ببراءة جارحة عن معنى "الشهادة" في سياق الجوع والعطش، أو تلك التي تحاول رسم وجعها على الورق حين لا تسعفها الكلمات. هذه الحكايات الصغيرة تشكل قلب الكتاب النابض، فهي ليست مجرد سرد لموت قادم، بل هي محاولة حثيثة من "امرأة بسبع رؤوس" – كما تصف نفسها– لترميم ما يمكن ترميمه من طفولة محاصرة، وحماية براءة الصغار من أن تتبدّد تحت وطأة الحديد والنار، مما يجعل من يومياتها فعلًا بطوليًا يوميًا يرفض فيه الإنسان أن يُختزل إلى مجرد رقم في عداد الضحايا.
تعتمد نعمة حسن في كتابها تقنية اليوميات المؤرخة بدقة متناهية، حيث نجد كل نص ممهورًا بتاريخه وساعة نشره، ما يمنح الكتاب هيكلًا زمنيًا يحاكي إيقاع الحياة تحت ضغط الإبادة، وهذا التوثيق الدقيق ليس مجرد وسيلة ترتيب، بل هو محاكاة أمينة لطريقة تدوينها على صفحتها في "فيسبوك"، حيث كان الزمن في غزة لا يُقاس بالسنوات، بل بالدقائق والساعات التي تفصل بين غارة وأخرى، أو بين وجبة طعام وأخرى.
هذه التقنية تضع القارئ في مواجهة مباشرة مع تدفق الأحداث، وكأنه يتابع بثًا حيًا لروح تحاول المقاومة عبر الكلمة، مما ينقل للقارئ شعور الترقب والقلق الذي كان يرافق الكاتبة لحظة بلحظة.
علاوة على ذلك، ينجح الكتاب في تحويل فوضى النشر الرقمي إلى سجل أدبي متماسك، من دون أن يفقد عفويته، فالتنقل بين التوقيتات يخلق تجاورًا غير مقصود؛ إذ قد ننتقل في صفحة واحدة من رصد عدد الشهداء في لحظة قصف رفح، إلى تأمل شعري في شجيرة قهوة، أو إدانة لاذعة لتواطؤ العالم.
هذا التباين في المضمون، الذي تفرضه طبيعة النشر على وسائل التواصل الاجتماعي، يُضفي على الكتاب صدقًا وثائقيًا وحيوية مفرطة، تجعل النص يبدو وكأنه قطعة من حياة نعمة حسن التي تتبدّل وتتجدّد يوميًا، مؤكدة أن الكتابة من داخل الإبادة هي محاولة للتمسك بالزمن ومنع لحظات الوجود من الانفلات نحو العدم.
تتجسد فصول الكتاب كرحلة زمنية ومكانية قاسية، حيث تتنوع المضامين بتنوع أهوال الحرب التي لم تكن حدثًا عابرًا في حياة نعمة، بل تحولًا جذريًا في تعريف "البيت" و"الشارع". في سرديتها عن النزوح وفقدان الأمكنة، توثق الكاتبة لحظات الفراق القسري الأولى، حيث تتحول بيوت العائلة التي كانت ملاذًا إلى ركام لا ملامح له. إنها تصف بلمسة شاعرية مؤلمة تلك "الجدران التي ترتخي" خلف أهلها، كأن البيوت ذاتها تودع أصحابها وتنهار حزنًا على غياب ساكنيها، موثقةً رحلة طويلة من الترحال الدائم بين خيام النزوح ومدارس الإيواء، في مسعى مستميت للبحث عن أمان مفقود.
وفي موازاة ذلك، تنسج نعمة حسن يوميات الجوع والتفاصيل الصغيرة، التي تبدو للوهلة الأولى عادية، لكنها تحت قسوة الحصار تتحول إلى أفعال مقاومة وجودية. إنها تصف بصدقٍ مرير الوقوف في طوابير الخبز والمياه، حيث يُقاس الوقت بمدى توفر الرغيف. ولا تغفل الكاتبة عن التقاط تلك اللحظات الإنسانية النادرة التي ترفض الاستسلام للموت، مثل إضافة "شريحة ليمون" إلى قطعة الذرة، أو طقوس إعداد القهوة وسط الخيام، إذ تتحول هذه التفاصيل البسيطة إلى فعل تحدٍّ يومي يثبت أن الفلسطيني، حتى وهو يواجه الإبادة، لا يزال متمسكًا بجماليات الحياة التي يحاول العدو انتزاعها.
أما الشهادات عن المجازر، فتأتي في الكتاب لتوثق الوجه الوحشي للإبادة الجماعية، حيث ترصد نعمة قصف مستشفى المعمداني ومجزرة جباليا بأسلوب يجمع بين الغضب والحزن. لا تكتفي الكاتبة هنا بدور الراصد، بل تقدم تعليقات ثاقبة تفضح تواطؤ العالم وصمت المؤسسات الدولية. إنها ترفض تأطير هذه المآسي في قوالب "الشهادة المستندة إلى الأدلة" فقط، بل تحولها إلى نصوص أدبية ذات أثر سحري، حيث تُحوّل الكلماتُ "غير القابل للوصف" إلى لغة تنبض بالألم، وتجعل من الكتاب صرخةً باقية تمنع العالم من تناسي المجازر التي بُثت على مرأى ومسمع منه.
ويُبرز الكتاب كيف يمكن للكلمة أن تصبح ملاذًا للأم التي تحاول حماية أطفالها من فزع الحرب، وكيف تتحول اليوميات المبعثرة إلى نص متماسك يربط العام بالخاص، والمحلي بالعالمي. فبينما كانت الطائرات تحاول محو الجغرافيا، كانت نعمة حسن تكتب لتثبيت الهوية، جاعلةً من فعل الكتابة ذاته ممارسة يومية للتحرّر من قيود الحصار، وإثباتًا مستمرًا على أن الفلسطيني لا يزال هنا، يكتب، ويحلم، ويرفض أن يتحوّل إلى مجرد رقم في سجلات الشهداء.


تحميل المقال التالي...