}
عروض

"الشمس تتناول القهوة في صنعاء القديمة": قصائد الحب والغموض

صدّام الزيدي

19 يوليه 2026


لا يغادر شعر عبد العزيز المقالح صنعاء، بكل ما فيها من جمال وإبداع. فعلى الرغم مما كتبه الدكتور المقالح من قصائد ودواوين كثيرة، تحتل قصائد صنعاء حيزًا في قلبه، فهو عاشق لمدينة صنعاء، ومبتهل في محرابها، كتب لصباحاتها، مساءاتها، بساتينها، جبالها، قصورها، حمل همومها، وتغنى بها إلى حد الثمالة.
يأخذنا ديوان المقالح: "الشمس تتناول القهوة في صنعاء القديمة" (دار الآداب، 2017) إلى صنعاء التي أحبها المقالح وسكنت أعماقه في ديوان يمتد على قرابة 300 صفحة، غير أن المفارقة أن معظم قصائد هذا الديوان لم تكن لصنعاء في جلها، وإنما تطوف في ذكريات ومدن وبحار، ثم تعود لتتناول القهوة في مدينة هبطت من السماء. ويمكن القول إن هذا الديوان هو توليفة من القصائد، منها قصائد للأصدقاء، وأخرى للقرية وذكرياتها، وللمدن التي أقام فيها الشاعر، وغير ذلك من الموضوعات التي كان لصنعاء منها النصيب القليل، غير أن الشاعر اختار العنوان ليؤكد ارتباطه بهذه المدينة الضاربة في جذور التاريخ.
ومن بين نصوص الديوان، تبرز قصيدة حملت عنوان الديوان: "الشمس تتناول القهوة في صنعاء القديمة"، بوصفها العتبة التي يعلن منها المقالح مشروعه الشعري في هذا الكتاب. وهي قصيدة طويلة من سبعة مقاطع لا تكتفي بوصف مكان، بل تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمدينة عبر فعل يومي بسيط.
يبدأ المقالح قصيدته بجملة شرطية مفتوحة على العالم كله: "لكَ أنْ تشربَ قهوتَكَ الليليةَ في أيِّ مكانٍ، في روما، أو باريسَ". هذه الافتتاحية ليست مدخلًا سياحيًا، بل هي تأسيس لبلاغة الاستثناء التي ستقوم عليها القصيدة كلها. يعرض الشاعر كل إمكانات العالم، المقاهي المغمورة بالضوء الباذخ، أو المطليّة بالعتمة، ثم يضع أمامها نفيًا قاطعًا "لكنك لن تتذوَّق فنجانًا أشهى من فنجانٍ صنعانيٍّ".
هنا ينتقل المقالح من المقارنة الجغرافية إلى المقارنة الحسية. فالمسألة ليست أين تشرب، بل كيف يتذوق جسدك المكان. والفنجان الصنعاني لا يُشرب فقط، بل "يأخذُ شكلَ بخارِ الغيمةِ وهي تبلِّل جفنَ صباحٍ يفتح عينيهِ الخضراوين على جبلٍ تكسو عُريَ حجارتهِ أشجارُ البنّ". في هذه الصورة المركبة يذوب الفاصل بين الشراب والطبيعة والإنسان. البخار يصير غيمة، والصباح يصير وجهًا، والجبل يصير جسدًا تكسوه أشجار البن. وهي تقنية تشي بوعي المقالح بأن الجمال في صنعاء ليس مشهدًا خارجيًا، بل منظومة متداخلة.
وهنالك ما يمكن أن نطلق عليه أنسنة الشمس وتأريض الأسطورة، إذ يحمل العنوان المفارقة المركزية للنص: "الشمس تتناول القهوة". المقالح لا يكتفي بتشبيه تقليدي، بل يمنح الشمس فعلًا إنسانيًا كاملًا ويجعلها زبونة دائمة في مقهى بصنعاء القديمة: (تتوقف فيه الشمسُ لتشربَ قهوتَها كل صباحٍ وتداعب شرفاتِ بيوتٍ نائمةٍ).
هذه الأنسنة لها وظيفتان. الأولى: نزع القداسة الجامدة عن المكان وتحويله إلى فضاء معاش، تتحرك فيه الآلهة الكونية بوصفها جارة. الثانية: قلب هرم العلو. فبدل أن يتطلع الإنسان إلى الشمس، تصبح الشمس هي التي تنزل لتشارك البشر طقسهم الصباحي. وبهذا يحوّل المقالح الأسطورة من فضاء سماوي بعيد إلى تفصيل يومي على شرفة دار.




وفي المقطع الأخير تكتمل هذه الدائرة حين "تَرغب الشمسَ الفاتنةَ الإشراقِ... أن تجلسَ بين
يديك وأن تَشربَ قهوتَها مِن كفَّيك". لم يعد الإنسان ضيفًا على المدينة، بل صار هو نفسه المكان الذي تستضيفه الشمس.
ويأتي توصيف المقالح للقهوة بوصفها نصًا وتاريخًا، فمن أبرز مواطن الابتكار في القصيدة تحويل القهوة من مشروب إلى فعل قراءة. يقول: "لك أن تقرأ ما قال الفنجانُ هناك على مقهىً يَسبح فوقَ مياهِ النيل". الفنجان يتحول إلى مخطوطة، والرشفة إلى تأويل. وهذا الانتقال من الحسي إلى الرمزي هو ما يميز لغة المقالح.
ويتعمق هذا البعد في المقطع الثالث حين يطلب من القادم إلى صنعاء: (استحضر معك التاريخ المتدلّي من ذروة أزمنةٍ غابرةٍ أيقظها اللهبُ الحارقُ تحت أباريق القهوة). الصورة هنا بالغة الدلالة. فاللهب الذي يغلي الماء لا يوقظ القهوة فقط، بل يوقظ الذاكرة الجمعية للمدينة. الإبريق يصبح آلة زمن. وبهذا يربط المقالح بين الحاضر اليومي وبين عمق تاريخي من دون أن يسقط في الخطابة المباشرة عن "أصالة المكان".
ونتوقف أمام الأنثروبولوجيا الشعرية للمكان. لا يكتفي المقالح بالتقاط المنظر العام لصنعاء، بل ينزل إلى تفاصيلها الاجتماعية الصغيرة: "أطفالًا خرجوا من ضوء أساطيرِ مدينتهم ليُعِدُّوا لضيوفهمُ القهوةَ والكعك". ثم يأتي "غيمانَ وقد جاع إلى الخبز المغموسِ بزيتِ النعناع وفي يدهِ زهرةُ بُنٍّ يرتقها في عُروة سيدةٍ تمسح وجهَ الصبح بمنديلِ براءتها"، وغيمان هو جبل يطل على المدينة من الناحية الشرقية.
وهذه التفاصيل هي ما يغيب عن القارئ المتعجل. فالمقالح لا يصف المدينة كمتحف، بل يصف المجتمع الذي ينتجها، ومنظومة عناصر تبني عالمًا متكاملًا. الشاعر يرى في المكان نسيجًا من الحراك الآدمي قبل أن يكون حجرًا.
كما أن الإشارة إلى "حقولَ البنِّ الجبليةَ"، و"أشجارِ القهوةِ حين تغنِّي" تمنح الطبيعة صوتًا. فالقهوة عند المقالح لا تبدأ في الإبريق، بل تبدأ في الجبل، في يد المزارع. وهكذا تتسع دائرة القصيدة لتشمل الجغرافيا الزراعية لليمن كله.
أما بنية القصيدة وإيقاعها الداخلي فتتوزع على سبعة مقاطع، وكل مقطع يشتغل كـ "فنجان" مستقل، لكنها تتراكم لتشكل مزاجًا واحدًا. الحركة العامة تنتقل من عرض إمكانات العالم، إلى استثناء صنعاء، إلى استدعاء القادم، إلى تجسيد المشاهد، إلى نفي الحزن، ثم إلى الخاتمة التي توحد الإنسان بالشمس والليل.
ويتكرر تركيب "لك أن..." كإيقاع داخلي يمنح النص طابع النداء. وهو نداء لا يأمر، بل يُغري. وفي المقابل يأتي النفي "لكنك لن..." ليؤكد أن هنالك مركزًا واحدًا لا يمكن تعويضه.
أما على مستوى الصوت واللون، فالنص مشبع بالحواس: رائحة "البنِّ المطريّ"، صوت "عصافير الحارة"، ضوء "القَمَرِيَّات الدافئ"، "ضوء شفاف" يغسل الأفق الصنعاني. وهذا المزج الحسي هو ما يجعل القارئ لا يقرأ عن صنعاء، بل يدخلها بجسده.
ثم نستكشف ونحن نتابع القراءة نفي الحزن وتتويج الأمل: (لا يأتي الثلجُ إلى صنعاءْ... لا يَهطل في ساحتها البَرَدُ". وهو نفي للبرودة والانغلاق. ثم يخاطب المقالح القارئ مباشرة: "إلَامَ تخـبّئُ أحزانَك في خَلَجانِ الروحْ؟". والجواب يأتي مبشرًا بأمل وتطلعات.
ويغلق المقالح القصيدة على صورة الليل بوصفه امتدادًا للأمل. فصنعاء ليست مدينة لها نهار وليل، بل هي صخب جميل، أمكنة لا تعرف التوقف.



وفي بقية القصائد، ثمة بوح بطقوس كتابة القصيدة، أو ما يمكن القول عنه تجربة الكتابة، فبعد آلاف القصائد يكتشف المقالح أن القلم لم يكن دائمًا تحت سيطرته. ونقرأ قصائد تأملية مكثفة. الاعتراف أن الشعر لم يكن دائمًا اختيارًا، بل كان أحيانًا قدرًا. المقالح يعلن فكّ وهم السيطرة على النص. كثير من الشعراء يتحدثون عن "إلهام" و"وحي"، لكن قلة من يعترفون أن الكلمة يمكن أن تكون عنيدةً وصعبة المنال. وموطن الابتكار هنا أن المقالح لم يقدم لنا "شعرًا عن الشعر" متكلفًا، بل قدمه على هيئة اعتراف شخصي، موجع، وصادق. كأنه يقول لقرائه: كل ما قرأتموه لي من فرح في المقاهي ومن حب للمدن، كان في الأصل حزنًا مغمورًا في الكلمات، فالتقطته الكلمات وألقته عليكم. وثمة أيضًا:
الغموض المتعمد. المقالح يترك الباب مفتوحًا ليتعدد القارئون. كما أنه يقول الأعمق بأبسط الكلمات.
ويبقى المقالح شاعرًا غزيرًا مُلهِمًا للأجيال الشعرية اليمنية والعربية.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.