}
عروض

"غزالة الحُبّ والأحزان": الحبّ والحزن متلازمان

عمر شبانة

20 يوليه 2026

["لماذا يجب أن أتكيّف مع كلّ هذا الألم؟ لماذا لا أقتلع ذاكرتي؟ كيف يمكن أن أمحوها تمامًا؟ أن أجتثّها من جذورها؟"... "حتّى لو افترضنا إمكانية محو الذاكرة، فإنّك لا تريد ذلك. ثِقْ! أنت تحتاجُ إلى ذاكرتك، وتحاج إليها بشِدّة... وما حاجتي الشديدة إليها؟"]

بهذين المفتاحين عن التكيّف والذاكرة، تفتتح الكاتبة حزامة حبايب روايتها الجديدة "غزالة الحُبّ والأحزان" (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، تمّوز/ يوليو 2026) التي تأتي بعد عدد من المجموعات القصصية والروايات. وهي في عملها الجديد هذا تفاجئنا بنقلة نوعية على مستويين، موضوعيّ وشكليّ أسلوبيّ. ففي حين كانت أعمالها السابقة تنطلق من فلسطين، خصوصًا مخيّمات اللاجئين، ومن همومها وأسئلتها، فهي هنا تدخل عوالم تكاد أن تكون فلسطين غائبة عنها. فعوالمها الجديدة تتمحور على أسئلة الحرّية، حريّة الفرد والمجموع، مثلما تتمركز أيضًا على القراءة النفسانية للإنسان ــ البشر عمومًا، لكنّها تختصّ بعالم الشخص السيكوباثي "Psychopathy" (المضطرب نفسيًّا، والمجرم أساسًا، ومراحل تكوينه)، حسب موقعه ومواصفاته، منذ طفولته.
ربّما تحتاج هذه الرواية، لتفكيكها وإعادة تركيبها، إلى ناقد من وزن الناقد المفكر جورج طرابيشي، وما قراءتي هذه سوى إضاءات على أبرز محاورها ومعالمها، فهي كتابة تنطوي على كثير من الأسئلة والتأملات في طبيعة الشخصية الإنسانية. وبقدر ما تسعى إلى استقراء الواقع المحيط بنا، فهي تلجأ إلى ما يمكن تسميته بـ"الخيال السوداوي" لرسم شخصيّاتها، رغم جمعها بين الحبّ والكراهية في سياق واحد، الأمر الذي يجعل الكتابة ترسم مواقف وحوارات تجمع النقائض في الإطار نفسه، وتجمع السخرية الهزليّة بالسوداوية.

بين الخيال والواقع
شخصيات الرواية، أبطالها، هم نتاج ظروف قاسية وشقيّة، تفرض عليهم وقائع "واقعية" حينًا، وغرائبية أغلب الأحيان. فالشخصيّتان الرئيستان، يامِن الكبير الذي وُلدَ بإعاقة (متلازمة داون)، ويحظى بالتعاطف والحب، أكثر من شقيقه ياسر، هما نتاج ظروف عائليّة مضطربة، بل كئيبة، ولكلٍّ منهما علاقة مختلفة مع أفراد عائلته، الأب هشام، والأم ميسون، والعمّة فاتن. ولكلٍّ منهما مسار حياة مختلف عن مسار شقيقه. وهو ما يخلق أزمة خانقة، واختلافًا في العلاقة والسلوك تجاه الأب والأم أوّلًا، وتجاه العالم المحيط أيضًا. وفي رسم هذه العلاقات كلها يظهر الخيال الواسع للكاتبة وأسلوبها المثير في رسم الشخصيّات ومصائرها.
تعتني الكاتبة بشخصيّات الرواية كلّها، لكنّ التركيز على الشخصيّتين الرئيستين يامِن وياسر، ولكلٍّ من الاسمين دلالة رمزية ذات مرجعيّات أيديولوجية، لا داعي للخوض فيها، ولكلٍّ منهما "عاهته". وما يهمّنا أكثر هو شخصيّة ياسر الكارِهِ للأمّ لشعوره بغياب اهتمامها به، وتركيز اهتمامها بشقيقه يامِن، ثمّ انتحارها. وياسر يكره الأب لغيابه الدائم وعدم اهتمامه بالأسرة. وللعمّة فاتن، التي ستتولّى رعاية الشقيقين، بعد انتحار الأمّ، علاقة مختلفة مع كلٍّ منهما عن الآخر. وإلى ذلك، فثمّة شخصيّات وعلاقات متشابكة ومتصادمة ومرعبة.




ورغم ما يبدو من أن الرواية ستكتفي بقراءة الملفّات المتعلقة بهذه الشخصيّات، وهي تظل شخصيّات طبيعيّة تقريبًا، ونسبة إلى غيرها، تفاجئنا الرواية بعالم جديد وغريب في تناول شخصيّة "السيكوباثيّ" المجرم، من خلال شخصيّتين نتعرّف عليهما في سياق عمل ياسر ضمن فريق يعمل مع الأمم المتحدة في شؤون اللاجئين. الفريق يقوم بدراسة ملفّات طالبي اللجوء، والتحقيق معهم لتقرير قبولهم من عدمه. شخصيّتان يتبيّن، بالبحث وشهادات الضحايا، أنهما مارسا تعذيبًا جنونيًّا، جرائم "إبداعية" كما يقول الراوي ــ الراوية، قناع الكاتبة. والشخصيّتان تنتميان إلى حزب البعث الحاكم، أحدهما في العراق، والآخر في سورية، ولكل منهما ابتكاراته الإبداعية في التعذيب حدّ القتل. ورغم انتشار كثير من قصص الجرائم للسلطتين، يظل أسلوب تقديمها هنا هو المختلف بغرابته وغرائبيّته الشديدتين.

البعث السوريّ والعراقيّ
يتولّى ياسر ملفّ طلب لجوء يقدّمه حيدر (الثريّ العراقي المقيم في عمّان)، الذي سيُعرف في ما بعد بلقب "القلّاع" (قلّاع العيون)، حيث تثبت شهادات ضحاياه أنه، من موقعه في وزارة الداخلية، كان مولعًا باقتلاع أجمل العيون للمعتقلين. وفي أثناء التحقيق معه، ومواجهته بشهادات الضحايا، يحدث أن يستعذِب عرض عملياته الإجراميّة، عرضًا تقدّمه الرواية ــ الكاتبة بأسلوب جدّ غرائبي، فالمجرم يبدو منتشيًا في حالتين، حالة ارتكاب جريمته بكثير من النشوة، والنشوة الأكبر في سرد تفاصيل جريمته. وبدلَ أن يدافع عن نفسه، ليحصل على اللجوء، يروح يفتخر ويعرض قدراته الخارقة لكلّ مألوف. إذ ليس مألوفًا تقديم اعترافات بهذا القدْر من الانتشاء بارتكاب الجريمة، فكيف يُصنّف هذا الشخص ــ الكائن، "الوحش البشري" حسب الرواية؟ ولكنّ الكاتبة تقدّمه كما لو كان شيئًا خرافيًّا!
الشخصيّة "السيكوباثيّة" الثانية، أبو رئبال البعثيّ السوريّ، السجّان المعروف بقتل المعتقلين من خلال اللعب، وتحديدًا بـ"الحزّورة"، هو لطيف في استقبال السّجين بداية، ثمّ يلقي "حزّورته". وبخصوص المعتقل "نصّار"، يرسم له على الجدار بابًا بقفل ومفتاح، ويطلب منه فتح الباب لينجو. يُداعبه ويتحدّاه، ما يدفع نصّار إلى استخدام قواه "الهزيلة"، حتى يُظهر أنّه مات، فينقلونه بكيس ويلقونه بين الجثث، لينقذه في ما بعد "أبو وديع"، الذي دفع كثيرًا من الدولارات وسجائر المارلبورو، حتى يستعيد جثّة ابنه، فيجد جثة نصار تتنفس بجانب جثة ابنه وديع. ويقوم بإنقاذه وحمله إلى سيّارته، لينجو نصّار ويحكي شهادته/ حكايته لياسر.
عالَم مُرعِبٌ هو الذي تقدّمه حزامة حبايب في روايتها هذه. عالَم يعكس ما وصلت إليه البشريّة من انحطاط. نحن هنا أمام كائن/ شخص ينتمي لواحد من أعرق الحضارات في التاريخ، السورية والعراقية. بابل وأوغاريت، جلجامش وزنوبيا. ما يطرح أسئلة فلسفية وجوديّة عميقة: كيف يبلغ إنسان هاتين الحضارتين هذا المبلغ من العنف والحقارة؟ ثم ماذا بعد هذا الخواء العدميّ؟ هذه كتابة تثير أسئلة حول المصير البائس للبشرية كلّها، حول جنون لا يمكن أن نتوقّع نهايته. الموت ولا شيء سواه.
لكنْ، لا نستطيع الاستسلام لهذا الجانب السوداويّ في هذه الرواية، السوداويّة القائمة على وقائع قد تكون شديدة الواقعية، تُسندها شهادات ضحايا وبحث ميداني للمتخصّصين، بل يمكننا أيضًا، وبالضرورة، في رواية تحمل عنوان "غزالة الحبّ والأحزان"، نقل وقائع حبّ واحترام بليغة. وقائع تتمثّل في علاقة حبّ جمعت بين ياسر، في طفولته، وبين غزالة برّيّة أراد خاله أن يصطادها بخرطوشه، فقام ياسر بتحذيرها ودفعها للهرب، ثم جاءت الغزالة لتواسيه في محبسه الذي وضعه فيه خاله عقابًا له على فعلته، ولو كانت هذه تنتمي إلى عالَم الخيال والخرافة، عالَم "ألف ليلة وليلة" ربما، كما تتمثّل في علاقات الحب والصداقة الحميمية بين ياسر وشقيقه وعمّته الفاتنة فاتن، وحبيبته ربى، وباديا الغريبة، وصديقته جوليا، وصديقه نصّار، وغيرها من الشخصيّات.
هكذا تجمع حزامة التناقضات، الحب والعنف، لتطرح أسئلتها الوجودية الجنونية، كيف نحبّ وكيف نكره، ولماذا هذا؟ فالعمّة فاتن تحبّ يامن أكثر من ياسر، بسبب إعاقته، لكنها تميل إلى شخصيّة ياسر الذي تخاف عليه من التهوّر والجنون. وهي تشعر بالغيرة تجاه باديا المرأة التي تحنو على الشقيقين، حتّى إنها تطلق اسم يامِن على ابنها الوحيد. وفي مقابل فاتن واضطرابها، تبدو شخصية باديا شديدة المرح والحب مع الشقيقين... رغم أنها (باديا) ثمرة ظروف صعبة. لكنها تحاول أن تجد نفسها في ما تقدّمه من عطف وحنان. أما الشقيقان يامِن وياسر، فالعلاقة بينهما ملتبسة بين الحبّ والحياديّة، والغيرة أحيانًا، حيال مواقف الآخرين منهما.

مهووسة المكان واللون
وكما تبدو الكاتبة "مهووسة" بوصف المكان وتفاصيله، وصف الشقةّ وأثاثها بالتفصيل غير المملّ، الوصف الذي يكشف طبيعة الشخصية ساكنة المكان، فهي أشدّ هوَسًا بالألوان، ألوان كلّ ما تقع عين الشخصية عليه، وغالبًا ما تكون الأوصاف تفصيليّة دقيقة وذات طابع شاعريّ يُغري بالمتابعة، وهي سمة سرديّة من سمات التشويق لمتابعة السرد وما يهدف إليه السارد/ أو الساردة. سِمة عُرفت بها كتابات حزامة منذ كتاباتها القصصيّة الأولى، وتواصل هنا تطويرها.
ففي وصف شقّة العراقيّ حيدر، بداية الرواية، نقرأ "تألّفت الشقّة من غرفَتي نوم وغرفة متعدّدة الاستعمالات... مبتدئة بمَدخل فيه مرآة طوليّة مثبّتة على الحائط، يتغافل المرء عن النظر فيها، ومن المحتمل جدًّا أن المرآة لم تلحظ وجود نزلاء الشقّة...". وفي حين آخر تصف المكان بـ"الانكشاف"، وتصف الغرفة بالـ"عارية" و"الباردة" تعبيرًا عن حالة نفسيّة ما، وعن افتقاد مفهوم البيت. وعلى صعيد العناية باللون وتشبيهاته، يكفي أن نقرأ "أخضر ليموني، وزيتوني سَهيان، وأخضر مائيّ مُزرقّ وسرحان، وأخضر فاهٍ غارق في الخيالات...".
وتحتشد الرواية بأسماء أمكنة ومحلّات معروفة في العاصمة عمّان، فلقاء هشام الأول مع ميسون يتمّ عند كشك للكتب وسط البلد ــ عمان، وكنافة حبيبة جنب الكشك، وهما مَعلَمان بارزان وسط العاصمة، ومعروفان للمثقفين الذين يرتادون "كُشك الثقافة" لصاحبه المعروف باسم "أبو علي"، المعروف، منذ السبعينيات، بعلاقته الوطيدة بكبار المثقفين والكتاب. وتقدّم الكاتبة أوصافًا لضواحي العاصمة المعروفة، المدينة الرياضية وازدحام شوارعها بالسيارات والمُشاة أيّام الجمعة، وغيرها من الأحياء الراقية. كما تبرز أسماء المُولات، "السيتي مول" مثلًا.
وفي ما يتعلّق باللغة الشاعرية التي تُعنى بالتشبيهات والاستعارات، تلفت الانتباه عبارات مثل "الليل ينزل درجات السماء"، و"نومته الهانئة على فرشة جسدها"، وغيرها كثير ممّا يؤشر على براعة لغويّة لا تكتفي الكاتبة بتوصيل رسالتها وحسب، بل بالكيفيّة التي ينبغي أن تصل بها، فالرواية مشغولة باللغة قبل كل شيء.
وأخيرًا، نرى أن الرواية التي تبدأ بانتحار رجل عراقيّ سبعينيّ في شقّته الفاخرة في أحد أرقى ضواحي العاصمة الأردنيّة، تنتهي بوصف انتحار شخص عراقيّ الجنسيّة، في السبعينات من عمره هو حيدر (المعروف بالقلّاع)، يشنق نفسَه في شقّته المفروشة في عمّان. ويستطيع القارئ ربطَ هذه النهاية الروائية بالبداية، ونكون أمام رواية دائرية تجعل من هذه الشخصية محورًا أساسيًّا بأبعادها الواقعية والفانتازية. رواية لا تعرف للجنون حدودًا!
هذه هي انشغالات حزامة حبايب منذ عرفتها بمجموعتها القصصية الأولى "الرجل الذي يتكرّر" (1992)، بحرارتها وتدفّق عبارتها الجريئة!

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.