في تعريفها بكتابها الجديد "قمرة" (دار النهضة العربية، 2026) تكتب ملاك مكي "قصة قصيرة- قصة حقيقية عن الخيال"، والكتاب هو قصة واحدة تمتد على 60 صفحة لكنه أبعد من قصة، نقرأه ولا نميّز إن كان شعرًا أم حكاية، وإن كان الشعر في جوهره حكاية. وملاك مكي نعرفها شاعرة منذ "كأنني أسابق صخرة" (2018) يوم كتبت "جميع قطارات العالم تتوقّف عند نقطة الوصول/ في رأسي قطار لا يتوقف"، و"قمرة" هو نص يقع بين الشعر والقصة، كأنه نص يقود هذا القطار الذي لا يتوقف في رأس الشاعرة، لا يأبه بالأجناس، يمشي وحيدًا متفردًا في غايته ومضمونه وخياله، لا يسعى إلى أن يتموضع في جنس محدد، إنه يقول نفسه وإذ تقنعنا فيه ملاك أن الخيال هو حقيقة، وقد يتلاعب الخيال بالحقيقة لكنه بالنهاية يقولها على طريقته.
"قمرة" نص واحد مهدى "إليك"، وهو مكتوب عنه وإليه بالكامل منذ لقائها الأول به: "كان اللقاء به ما تركه في يديها عند المغادرة، ترك قشعريرة ووخزًا، وهي تحاول أن تكتب له، ربما حتى يستكين وخز يديها"، إنها كما تقول مكي "قصة امرأة أحبت رجلًا منذ اللحظة الأولى". والحب هنا كما الكتابة، فعلان توأمان يمتدان على طول الكتاب، يتسابقان في قلب الكاتبة، يجرحان بعضهما، ويداويان بعضهما، "تتحول رغبتها فيه إلى كلمات/ الكتابة أن تستكين الرغبة في مسام الجلد/ وهي تكتب إليه يؤلمها جسدها/ تشعر بألم/ ألم الوخز/ منذ التقته في المرة الأولى، تشعر بألم الوخز في جسدها/ الكتابة وخز، الحب وخز"؛ تربط مكي بين الحب والكتابة، إنهما تجربة حسّية واحدة، متصلتان غير منفصلتين، الرغبة لا تُقمع بل تتسرب على شكل كلمات ثم تظهر على شكل نص. والكتابة عملية مؤلمة لكنها ضرورية، كل كلمة هي أثر وخز، إعادة عيش لألم الحب.
لكن ملاك مكي لا تشعر فقط وحدها بوخز الكلمات، نشعر بها ونحن نقرأها تقول "ربما نتجاهل بشرتنا كثيرًا. ماذا لو تدرّب الأشخاص على أن ينصتوا إلى بشرتهم أكثر، ربما لصاروا أجمل"، عبارة تذكّرنا برولان بارت في كتابه "لذة النص"، إذ يتحدث عن لذة ومتعة النص بطريقة حسّية، تكاد تكون جسدية. القراءة والكتابة عنده تمرّ عبر الجسد، عبر إحساس يشبه اللمس. النص ليس فكرة فقط، بل تجربة حسية. وفي هذه العبارة لملاك مكي يتحوّل الإنصات للبشرة إلى تنبيه للقارئ لإدراك ما يقوله الجسد، كالإنصات للنص على طريقة بارت. الجسد هنا ليس سطحًا خارجيًا صامتًا بل مساحة حساسة للوجود، حدًّا فاصلًا بين الذات والعالم؛ والإشارات التي يطلقها الجسد بصمت ونتجاهلها تتحول بلا-وعينا إلى أفكار وكلمات، ومن هنا يصير "الجمال" أثرًا لهذا الإصغاء إلى الجسد؛ هو الكثافة الإنسانية والقدرة على الشعور بعمق الأشياء، وهو العنصر غير المرئي بالضرورة ولكنه محسوس.
يخضع نص ملاك مكي للحرب الإسرائيلية على لبنان، فها هي تتوقف عن الكتابة في الحرب: "كيف لها أن تلتقط الشعر في الحرب. في الحرب نموت. لا تقتلنا الطائرات والصواريخ فحسب، بل إنها الحرب نفسها. تتساءل في نفسها: أيحق لها أن تفكر فيه بينما يُقتل الأشخاص ويلف الدمار حولها". تتساءل ملاك مكي في هذا النص عن مشروعية الكتابة نفسها في مثل هذه الحرب الإبادية. فالإحساس بالموت الفعلي والوجودي لا يقتل فقط المسافة بين الشعر وما يتطلبه فعل الشعر، حيث لا وقت للتأمل ولا مكان له، بل تشكك بحقها في الكتابة. ويمتد في داخلها خيط من الصمت يعجز عن قول نفسه، إنه عجز اللغة عن حمل هذا العنف وتصبح الكتابة موضع مساءلة كأن لا حق لها فيها.
يمتد أثر الحرب على ملاك مكي في أكثر من نصف الكتاب، فهي "تحتاج إلى الصمت. الضجيج في الخارج كثيف. ضجيج النازحين والهاربين من القتل" و"المدينة تحت النار. تلف الأحزمة النارية المدن اللبنانية. تدمع حين تشاهد كيف يغادر الناس منازلهم كمن يترك قلبه في بيته"، "تحتاج إلى حدود واضحة لجسدها ولأفكارها، لإطار يحميها من الضياع. تضيع وسط الحرب والقتل والدمار. ينفلش جسدها وسط هذه المآسي. تحتاج إلى إطار ما. وهو في خيالها يؤطرها"، و"الموت لا يهزم الحياة. الدمار في الخارج. القصف في الخارج. الظلام في الخارج. رائحة النار في الخارج. وهو في خيالها وفي داخلها. قال لها إنه سيغمرها ذات مرة حين يلقاها. غير أنه لا يعرف أن صوته غمرها أكثر من مرة قبل أن يلقاها. صوته ذراعان".
تكشف هذه النصوص أن لملاك مكي معركتها الخاصة مع الحرب، تقاوم الحرب بالحب، إنها حكاية قائمة بذاتها في الكتاب قوامها الحرب والحب والخيال. الضجيج هو فائض من الألم، والصمت هو حماية الداخل من الانهيار؛ فالكاتبة تتماهى بغير إرادتها مع الخارج، يصير جرح الاقتلاع الجماعي جرحها الخاص. وكما ينفلش الناس على الطرقات يصل هذا الانفلاش إلى ذاتها، تخاف وتشعر بحاجتها إلى إطار جسدي نفسي يحميها، والخيال هنا بنية نفسية بديلة ضرورية. لم تعد الحرب مجرد خلفية بل كيان وجودي يغمر الذات. والخارج هو عالم الفوضى والموت، أما الداخل فهو مساحة هشة يلزم وضع إطار حامٍ له من الانفلاش وفقدان الحدود، إطار لا يتحقق إلا بالحب.
وإن كانت الحرب في نص ملاك مكي هي كيان قائم بذاته، إلا إن ذلك لا يمنع أن يكون الخيال الذي "يؤلم رأسها" هو العنصر المحرّك للكتاب ولمشاعرها، "وهي تتخيله، تخترعه، تنتظره، تخترع مواعيد، تحتاج إلى مواعيد ثابتة في الحرب. يقترب منها في خياله... تمرّر يديها على ظهره، تزيل طبقة من السنوات... تمرر يديها مرة ثانية على ظهره، تزيل ما تبقى من ركام... يقبّلها فيصدقها". إن التكرار في هذا النص "تتخيله، تخترعه، تنتظره..." هو إصرار، شيء ما مثل مقاومة العنف المحيط بها، إنها تعيد خلق فكرة الحب كفكرة جميلة، وفي حاجتها إلى "مواعيد ثابتة"، فإنها تكشف عن حاجة نفسية لوقف عبثية الحرب، الحرب تفكك الزمن، والمواعيد الثابتة تقاوم هذه العبثية. لكن خيال ملاك مكي الذي يمتد إلى ظهر المحبوب هو ليس فعلًا جسديًا بقدر ما هو فعل ترميم لسنوات من الحرب والدمار والركام، كأنها تريد خلق حقيقة قابلة للعيش، والقبلة ليست فعل حب بل فعل تصديق تمنح الكاتبة اليقين بحياة محتملة العيش.
"فكر كثيرون بأهمية الكتابة ودورها، بطقوسها ومعاييرها، بجمالها وفائدتها. هي تكتب إليه كلماتها لا خيارًا ولا طواعية. لا خيار لها سوى أن تكتب... الخيال يغيّر الأقدار وهي مؤمنة بخيالها"، بهذه الكلمات تُنهي ملاك مكي كتابها "قمرة" في تأكيد على أنها تمضي في خيالها كقطار لا يتوقف، قطار يزيح الكتابة من حيّز الفعل الإرادي إلى حيّز الضرورة الوجودي، كأن الحياة لا تنجو إلا بما تتخيّله.


تحميل المقال التالي...