}
عروض

ممدوح عزّام: إطفائيّ حريق الكتب بحبر الذاكرة

خليل صويلح

23 يوليه 2026




لولا الحريق الجنوني الذي التهم البيت والمكتبة والحديقة والمستودع، على الأرجح، سيؤجل ممدوح عزّام عمل الذاكرة في إعادة تأثيث المكان بالطريقة التي سلكها في كتابه "من الشمال حتى الجنوب: حكايات عن البيت والناس والكتب والجنود" (دار سرد – دار ممدوح عدوان)، إلّا أن الكتائب الهمجية المدججة بالبنادق والسيوف والدبابات التي اقتحمت قرية "تعارة"، ومحت آثار عشرات القرى في مدينة السويداء، وضعت الروائي السوري اضطراريًا في مهب مزاج سردي مختلف، فاشتغل من موقع الإطفائيّ في المقام الأول، محاولًا الرد بالكتابة في مواجهة لحظة جنونية، وإذ ما كان فعلًا تقويضيًا وهدمًا وإبادة كنسخة واقعية يتحوّل إلى نصّ مضاد، ينبض بأسباب النجاة، وفرصة استثنائية لتأمل تاريخ المكتبة ليس بوصفها رفوفًا للكتب بقدر ما هي حيوات كتّاب، ومشاريع روائية مؤجلة، ودفاتر ملاحظات، وأقلام، ومسودات، ولوحات، وآلة كمان في ركن ما من الغرفة، قبل أن تلتهم النار هذه المقتنيات الثمينة وتحيلها إلى كومة رماد دبّرها جنود قساة في ساعة شؤم.
تحضر أولًا، قصيدة بابلو نيرودا "المجازر" كما لو أنها كُتبت خصيصًا لهذه اللحظة الجنونية، فكان أن استعارها كعنوان للكتاب، وكعتبة لما سيأتي من كوارث "من الشمال حتى الجنوب، حيث سحقوا الموتى أو أحرقوهم ثم دفنوهم في الظلام أو أُحرقوا بصمت تحت جنح الليل، أو أُلقي بهم في بئر"، وفي سكّة موازية، يقتفي أثر شجرة زيتون أحضرها الأب من شمال البلاد وزرعها في الجنوب لينتهي جذعها أمام بيت الروائي كما لو أنها فرد من العائلة، وسيتواتر حضور الأب الذي جاب البلاد من أقصاها إلى أقصاها بحكم عمله، محمّلًا بالحكايات التي تعلّم الآخر كيف يروي الحكاية وكيف يصغي إليها أيضًا، والحال، إن هذه المكتبة الشفهية المتنقلة لا تقل أهمية عن مكتبة الابن في تأجيج عمل الحكاية (استثمر الروائي جوانب من سيرة الأب في روايته "لا تترك الحصان").

الأشجار تزهر في الكتب

أشجار الزيتون والتين والفستق الحلبي المحيطة بالبيت، ستلوّن المشهد بالأخضر، وستزهر في الكتب بالتماعات خاطفة، فيما كان الجنود يعبثون بموجودات المكان بلا اكتراث، وفي الضفة المقابلة: روائي يستنفر ذاكرته عن بعد بنوع من الاعتذار لبنائين عاشوا بصحبته نحو نصف قرن لا كضيوف عابرين بقدر ما كانوا أصحاب بيت لطالما أنقذوا روحه من الوحدة برحلات مضنية للحصول على مؤلفاتهم التي تصل إلى نحو 7 آلاف كتاب. هكذا نتعرّف تدريجيًا على حارس كلمات، وبستاني كتب بمشتل ضخم من الإحالات، يوازي بجمالياته أشجار ونباتات البيت التي كان يعتني بها اعتناءه باصطياد الجملة في رواياته، فعبارة مثل "أيقظته الطلقات" التي افتتح بها روايته الأم "قصر المطر" ستنقذه لاحقًا في استدراج نوع النوتة التي تحتاجها هذه المرثية/ هذا الكابوس، ليس كمجاز روائي بل كحدث واقعي ملموس يؤرخ لوقائع مجزرة "15 تموز/ يوليو 2025"، المجزرة التي وثقها بالصور الفوتوغرافية سواء تلك التي تقبع في الذاكرة أم تلك التي زوّدها به أحد العابرين بالقرب من البيت لحظة اشتعال الحريق. كان عليه أن يرمّم خريطة البيت ومتاهة المكتبة والممرات بالصور كمن يوجّه عدسة مفتوحة باتساع إلى حطام ما خلّفه الغزاة، وذلك باستخدام المنام أو تأجيج عمل الذاكرة "لم أكن في بيتي تلك الساعة التي اقتحم فيها الجنود المكان. ولكني كنت هناك، لا أزال هناك، وقد لا أستطيع الزوال من هناك، حتى لو جرفوا البيت". بمثل هذا الأسى، وتدفق طبقات الأذى، وصدمة الفقدان، يسعى ممدوح عزّام إلى استعادة مكتبته المنهوبة من أنياب الوحوش باستدعاء عشرات المؤلفين كما لو أنهم كتيبة إنقاذ وممانعة في مواجهة رصاص الجنود وهمجيتهم، وذلك بنبرة وثائقية تلتقط ذبذبات المكان، ورائحة الكتب المتفحمة، وصولًا إلى أكثر الأشياء هامشية في عملية الإنقاذ، سواء أكان الغرض مقلمة فوق طاولة الكتابة أو منشار لتشذيب الأشجار أو فنجان قهوة أو دفتر لاصطياد الأفكار المشعة وإشراقات الآخرين.



عدسة مكبّرة في أرشفة الألم

لا تكتفي العدسة بتسجيل موجودات الداخل والغرق بتفاصيلها الصغيرة فقط، إنما تقتفي أثر الذين هُجِّروا من الجحيم نحو اللجاة للاختباء في الكهوف الصخرية بمواكب تراجيدية تغلق القوس على سيرة الأسلاف في أزمنة المقاومة ضد المحتل. ولكن مهلًا، إن هاجس اختفاء المكتبة ليس تفصيلًا طارئًا في مدوّنة الروائي، هاجس لطالما تخيّله صاحب "أرض الكلام" في بعض رواياته، لكنه سيتحقق هذه المرّة ككابوس حقيقي تتناسل منه مئات الأرواح الهائمة خارج رفوف المكتبة التي أضحت رمادًا، ما يجعله يتساءل لمَ كان مطمئنًا كل هذا الوقت في مهادنة الموت؟ يقول "غير أن الطمأنينة قد تكون أحيانًا شركًا، مصيدة، سببًا لموتٍ غامض سريع مبهم".

ابتكار سيناريو يليق بمجزرة

في تقليبه ألبوم الصور لتدبير سيناريو بصري حاذق للمجزرة، ينأى ممدوح عزّام عن التفاسير العمومية للقتل مستدعيًا مفردات أخرى أعمق طعنًا، فعبارة مثل "القتل الوحشي" التي تتداولها المنصات الإخبارية في توصيف ما حدث، تستدعي لديه مرادفات أكثر دقّة في عذابات الكائن البشري المحاصر مثل الإهانة والخنوع والخوف والرفض، كأن توافق على أن تحفر قبرك بيديك قبل عملية القتل المحقّقة. أرتال وأنساق وحشود أمام منصّة الإعدام بالكيفية نفسها التي طاولت أرتال الكتب بمشهدين متوازيين لصوت الرصاص من جهة، وهبوب النار من جهة ثانية. عدا وقائع اختناق المكان بالدخان، واكتمال أسباب المجزرة، والضيم الذي لحق بالأرشيف واللوحات وموجودات المطبخ، سنتعرّف عن كثب على سيرة القارئ وطقوس الروائي عندما كانت الحياة تتنزه على هواها من دون خشية أو ارتياب من طعنة مباغتة، وكيف تجنّب فخاخ السرد بتأمل نصوص الآخرين وفحصها أسلوبيًا في قائمة طويلة من الأسماء: تولستوي، ودوستويفسكي، وماريو فارغاس يوسا، وغابرييل غارسيا ماركيز، وأمبرتو إيكو، والطاهر وطار، وبهاء طاهر، ومحمد زفزاف، بالإضافة إلى رفوف أخرى من العناوين التي وضعته في مهبّ الحكاية، وكيفية تقليم أشجار التخييل وفقًا لما يفعله الفلاحون في بساتينهم: أن تحرث أرض الرواية بسماد المتخيّل، كما لو أنك تعتني بشجرة. لكنه في هذا الكتاب يلجأ إلى نوع من الهجنة السردية بما يتلاءم مع الوقائع التي عاشها قبل وبعد مذبحة الكتب. لقد ولّى إذًا عهد الراحة والاستغراق بصوغ مصائر الشخصيات وأقدارها وابتكار حيوات بدمغة استثنائية. في مسلك مضاد، كان عليه أن يطفئ النار في البيت لا إشعالها في المجازات، إنقاذ بوابة الحديد لا التفكير في اقتناص عبارة وزجها في المتن السردي، الاطمئنان على خزانة أشرطة الأفلام، والسجادة الصفراء، لا القلم الأسود في تبييض المسودات وطرائق السرد. إنقاذ المكتبة الأولى التي أهداها الأب له، لا رائحة القهوة في الصباح، حطام الكتب تحت أحذية الجنود لا تأمل الغروب من الشرفة. هكذا ستتلاشى الأوقات السعيدة بصحبة الكتب تحت سطوة اللحظات المجنونة التي قلبت عالمه رأسًا على عقب بما يشبه ملهاة سوداء عصية على الوصف، ومحاكمات افتراضية عمّا يعني أن تكون روائيًا تفضّل العزلة على الحشود، ذلك أن الجنود القتلة لا يحبون الروائيين كما يقول. الجنود مشغولون بجمع الغنائم لا الكتب. جنود منهمكون بسرقة ثلاجة أو غسّالة أو دزينة صحون، لا بالأعمال الكاملة لدوستويفسكي، أو رواية "اسم الوردة" لأمبرتو إيكو مثلًا. ستخلو القرى المنكوبة من البشر والمواشي والقطط والكلاب والطيور، وفي المقابل ستتهاوى رفوف المكتبة بكل كائناتها وضجيج أرواح قاطنيها وحبرها المسال كبركة دم متخثر.

مسرح القسوة

بمثل هذه المشهديات المتضادة يستعيد الروائي عالمه المنهوب بأجر الحكاية لبنةً لبنةً مرممًا فهرس الفقدان وفداحة الخسارة، ففي الواقع المعيش يمكن أن يُدمَّر الكائن، لكنه في الرواية لا يمكن أن يُهزم كما الحصان الذي يتعلّم كيف يحطّم قيوده، ويفرّ من الأسر، ويختفي خلف التلال، "كان عليّ أن أقف في وجه الدمار قائلًا لنفسي: لا، لن أُهزم" مستنجدًا هذه المرّة بقصيدة قسطنطين كافافيس "في انتظار البرابرة" التي ستتناسل في أعمال أخرى لدى دينو بوزاتي "صحراء التتار"، وجي إم كويتزي "بانتظار البرابرة"، كدروس إضافية في مسرح القسوة.

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.