يستهل الكاتب البرتغالي جوزيه لويس بايشوتو روايته "سيرتي مع ساراماجو" (دار العربي، ترجمة د. محمد مصطفى، 2024)، بمقتطف من "دفاتر لانزاروت"، 1997، يقرّ فيه ساراماجو (أنّ كل شيء هو سيرة ذاتية، أكثر من ذلك نحن نعيش في عالم محاطين بالعلامات، وما نحن أنفسنا إلا نظام من العلامات، فليطمئن القراء، لأن نارسيسوس، الذي يتأمل صورته في الماء، هو ذاته الذي سيحطم غدًا تلك الصورة التي يتأملها).
هي شذرة مختارة بعناية أدرجها الكاتب بايشوتو من باب التأشير إلى ما جنّس به الكتاب على أنه سيرة، أو نصّ روائيّ لسيرة ذاتية بالأحرى، وقد بدأها بجملة مستوقفة:
"كتب ساراماجو الجملة الأخيرة من الرواية"؛ ويعني بذلك انتهاء جوزيه ساراماجو من كتابة روايته "كل الأسماء" وقد بلغ عمره 74 عامًا، ولحظتها سيشتاق لوجه زوجته بيلار، متخيّلًا أنّ رؤيتها ستنسيه شقاء كتابة وإنجاز الرواية، بالتزامن مع ذلك سيكون الكاتب الشاب المدعو جوزيه رابضًا في بيته، في مكتبه حينما سيطرق بابه شخصان غامضان ويبادران إلى تعنيفه حتى يغمى عليه، جوزيه الكاتب الشاب سنكتشف بأنه مقامر يدمن شرب البراندي، وقد تم تكليفه من ناشر بأن يكتب سيرة جوزيه ساراماجو.
الرواية تبدأ من نهايتها
الرواية، إذًا، تبدأ من آخرها، من مختتمها، وكأن ما سيأتي مجرّد استرجاعات.
على طول 24 مقطعًا سرديًّا، يقحمنا جوزيه لويس بايشوتو الشاب في لعبة متاهيّة مع الكاتب الكبير جوزيه ساراماجو، حتى أنّ الأمر يلتبس علينا لتشابه الاسمين، إذ يتعمّد المؤلّف الخلط بينهما، لدرجة تُربك القارئ، فنتساءل إن كان الكاتب الشاب فعلًا يكتب سيرته الفعلية مع الكاتب الرمز، الكاتب العالمي، أم يكتب سيرة الكاتب الرمز انطلاقًا من تخييله، من تلفيقاته، من هذيانه؟
ترجع بنا الرواية "سيرتي مع جوزيه ساراماجو" إلى حقبة التسعينيات من القرن الماضي، إذ يرصد المؤلّف ملابسات الفترة التي كتب فيها ساراماجو رواية "كل الأسماء" عام 1997، وهي تدور حول شخصية اسمها "جوزيه" ــ يعمل موظفًا في السّجلّ المركزي للأحوال المدنية، يعيش منفردًا في منزل لصيق بمبنى عمله، بينما يقضي أيامه في جمع قصاصات الصحف المعنية بالمشاهير، وإثر هوسه هذا سيعثر على بطاقة تسجيل امرأة مجهولة حينما كان يفحص أرشيف سِجلّ كي يحصل على معلومات عن شخصية مرموقة، وتصير بطاقة المرأة قضيته المركزية، ليبدأ رحلة البحث عنها إلى أن يكتشف بأنها ماتت منتحرة، ومع ذلك يواصل البحث عن قبرها، ويضيع في أرشيف عالم فوضوي، تضيع فيه الهويات، وتتلاشى فيه الحقائق، ولا سِجلّ يُسعف على اليقين، وهي بذلك عُدّت رواية عن الذاكرة والهوية والعزلة وسطوة البيروقراطية، من خلال رحلة البحث عن الآخر كطريق لاكتشاف الذات.
الطريف في الأمر أن الكاتب جوزيه لويس بايشوتو التقى الكاتب جوزيه ساراماجو فعليًّا عام 1997 في إحدى مكتبات مدينة كويمبرا، وطلب أن يوقّع له روايته "ذكريات الدّير"، وحينما قام ساراماجو بذلك اتضح أنه أخطأ في كتابة اسمه، إذ أهداه الكتاب باسم "جوزيه لويس باتشيكو"، وأما الأطرف من ذلك، فهو أن جوزيه لويس بايشوتو سيفوز بجائزة "ساراماجو" عام 2001 عن روايته "لا نظرة"، وبهذه المناسبة سيلتقي ساراماجو مجدّدًا، فقرر أن يكتب عنه رواية بعد ذلك، وتحقّق له ذلك عام 2019، وقد أشادت بها زوجة ساراماجو المدعوّة بيلار، وهي شخصية مركزية في السيرة نفسها.
مغامرة كتابة سيرة تخييلية
بالعودة إلى "سيرتي مع ساراماجو" نتعرف إلى البطل الشاب وهو يعاني من إخفاق روايته الأولى، بينما يدخل غمار كتابة روايته الثانية عن صاحب "العمى" بكثير من التخوّف، والقلق والارتباك. هكذا تتحوّل أزمة الكتابة، أو حالة احتباسها، إلى امتحان للاكتشاف الذاتي مقابل تأثير الآخَر. لا يحضر ساراماجو كشخصية مقدّسة، أو صنمًا، بقدر ما يحضر كدليل، أو بوصلة أخلاقية، كمعلّم صامت يضيء مسارات الكاتب الناشئ عبر علامات وإشارات تفضي بجوزيه الشاب إلى اكتشاف معنى الكتابة وحقيقة الأدب بعيدًا عن معايير النجاح التجاري، وقريبًا من أن تعيش التجربة كنمط وجود.
هذا ما يجعلها سيرة غير أفقية، لا تقليدية، بل تخييلية، تجعل من شخصية ساراماجو ذريعة للخوض في شؤون الكتابة الروائية، وعلاقة الخيال بالواقع، وطرق صناعة الشخصيات، وأنماط الرؤى إلى الذات والعالم، ومعنى أن تمتلك موقفًا من كل ذلك.
إن كل ما في سيرة جوزيه ساراماجو لعبة إيهام وتناص، أوّلًا: هي لعبة تناص وإيهام بين الأسماء، فبعد التشابه بين بطل الرواية الشاب المدعو جوزيه، وهو اسم كاتب الرواية نفسه جوزيه لويس بايشوتو، وكذلك اسم الكاتب العالمي جوزيه ساراماجو، كما أشرنا سابقًا، يستنبت المؤلّف أسماء شخصيات روائية من أعمال سردية لـساراماجو، وينفخ فيها حيوات جديدة، بمصائر مختلفة، مثل: "بارتولومبو" الذي عرفناه سابقًا في رواية "نصب الدير التذكاري"، 1982، يحضر هنا كعائد من مستعمرة أفريقية برتغالية يحمل آثارًا نفسية غائرة. وعبْره، يستحضر المؤلّف الذاكرة الجريحة للإمبراطورية البرتغالية من جهة أولى، ومن جهة ثانية يؤدّي دورًا بديلًا كأب رمزي للشاب جوزيه، لأن أباه الفعلي هاجر إلى ألمانيا.
كذلك "فريتز" الذي عرفناه في رواية "مسيرة الفيل"، 2008، يحضر هنا كصاحب مكتبة ينتمي إلى أسرة ممزّقة ما بين غوا وموزمبيق والنمسا، وتبدأ مأساته بفقدانه لبصره خلال رحلة إلى غوا، وحالة عماه تشبه تمامًا حالة رواية "العمى" لجوزيه ساراماجو، وشخصية "فريتز" في الرواية تجسّد الفقدان، والحنين إلى الجذور، واستعصاء القبض على هوية واضحة. حينما يفقد "فريتز" بصره لن يلفي مَن سيسعفه إلّا والده الذي سيقرأ له الرواية في إشارة إلى علاقة متجددة بين الآباء والأبناء، من خلال جسر الأدب، فن القراءة، كطريقة للتصالح واسترجاع المعنى المفقود.
وأما "رايموند سيلفا"، الذي عرفناه سابقًا في رواية "تاريخ حصار لشبونة"، 1989، فإنه يحضر هنا كمحرّر، في تعزيز للفكرة الأساسية: مَن يكتب سيرة حياة لا يعيد إنتاج الواقع كما هو، بل يبتكر واقعًا تخييليًّا جديدًا.
يستدعيه المؤلّف ليخوض في قضايا التّأليف، السيرة الذاتية، والحدود بين الخيال والواقع، لأنه في رواية ساراماجو "تاريخ حصار لشبونة"، كان "رايموند سيلفا" قد تعمّد تغيير حقيقة تاريخية ضمن مخطوطة ليزجّ بالحقائق صوب معضلة الحدود الفاصلة بين الواقع والخيال.
لعبة التناص المتواصلة
لعبة التناص لا تقتصر على الأسماء، بل تشمل النصوص، خاصة في توظيف دفتر ملاحظات ساراماجو، الذي يظهر ويختفي، كما لو كان صندوقًا داخل آخر، في إحالة إلى لعبة الدمى الروسية. وفي المقابل، تلعب المقولات والشذرات التي يجعلها المؤلّف في بداية الفصول، أو يدسّها في المتن الحكائي، وهي إما مقتطفة من حوارات ساراماجو، أو دفتر ملاحظاته، هي محض علامات تحريضية، تضيء الفصول، أو تتقدّم كدليل إشاري للفهم، أو تعميق تجربة القراءة وتفكيك عالم الدلالات المتشابكة.
في النهاية، تفاجئنا الرواية بهذه الخاتمة: "كتب جوزيه الجملة الأولى من الرواية"، فتذكّرنا بما بدأته، مع أول عبارة نقيضة في المفتتح: "كتب ساراماجو الجملة الأخيرة من الرواية".
وهذه لعبة للتقابل أكثر إمعانًا في قلْب الأشياء، فالنص يبدأ من نهايته، وينتهي عند بدايته، كما لو أن أفعى تعضّ على ذيلها، وكلاهما، البداية والنهاية، وما بينهما يلمِّع من مقولة المقولات، الواردة في الرواية نفسها، وهي الفكرة المسنونة التي تستند إليها تجربة الكتابة ككل، مقولة ساراماجو المشحوذة: "أن أحكي نفسي من خلال الآخَر، وأن أحكي الآخَر من خلال نفسي".


تحميل المقال التالي...