تُعرَّف الأحلام بأنها نوع من النشاط العقلي الذي يحدث في الدماغ، ويتضمن مشاهد وأحداثًا يعيشها الإنسان في أثناء نومه، وتمتد إلى أحلام اليقظة التي تراود الإنسان وهو مستيقظ، وتعبر عن طموحاته وتطلعاته وأمانيه المستقبلية. ويتراوح محتوى الحلم بين صور وأفكار عابرة، وبين أحداث وقصص متكاملة يصعب في بعض الأحيان التمييز بينها وبين الواقع، وقد تصاحبها استجابات جسدية وانفعالية. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الأحلام ترتبط بمعالجة الذكريات وتنظيم المشاعر، وقد تؤثر في الحالة النفسية للإنسان، وفي طريقة التفكير واتخاذ بعض القرارات، إلا أنها لا تُعد دليلًا قاطعًا على أحداث المستقبل، كما يختلف تأثيرها من شخص إلى آخر بحسب تكوينه الشخصي وثقافته.
يرى روبرت موس، في كتابه "التاريخ السري للأحلام" (ترجمة محمد إبراهيم الجندي، منشورات صفحة 7، الجبيل، 2025)، أن الأحلام ضرورية للقصة الإنسانية، وجوهرية لبناء الإنسان وتطوره، ولمواصلة المسيرة الإنسانية، وللمساعي الإبداعية في كل مجال. ويسعى في هذا الكتاب إلى إبراز الأهمية الجوهرية للأحلام، والمصادفة، والخيال، بوصفها القوى الدافعة السرية للتاريخ الإنساني، حيث يتناول الأحلام من منظور يجمع بين التاريخ، والثقافة، وعلم النفس، والأسطورة، والروحانيات، من خلال تتبع الدور الذي لعبته في تشكيل الحضارات الإنسانية، وتأثيرها في القرارات السياسية، والإبداع الفني، والاكتشافات العلمية، والتجارب الدينية.
لا يكتفي موس بوجهة النظر التي ترى الأحلام مجرد انعكاس للنشاط العقلي أثناء النوم، مجادلًا بأنها كانت، عبر مختلف مراحل التاريخ، مصدرًا للإلهام والمعرفة، وقوة خفيّة أسهمت في صنع أحداث كبرى. وينطلق من فرضية مفادها أن الإنسان القديم كان ينظر إلى الأحلام بوصفها وسيلة للتواصل مع العالم الروحي، أو مع الحكمة الداخلية، وأن المجتمعات القديمة منحتها مكانة مركزية في حياة الناس اليومية. أما في العصر الحديث، فقد تراجعت هذه المكانة بسبب هيمنة التفسير العلمي المادي، الذي ينظر إلى الحلم باعتباره نشاطًا دماغيًا مرتبطًا بالنوم، من دون النظر في أبعاده النفسية والرمزية والروحية. لكنه، في المقابل، لا يرفض التفسير العلمي، بل يطالب بتوسيع زاوية النظر إلى الأحلام، وإعادة الاعتبار إلى دورها في حياة الإنسان، مستندًا إلى شواهد تاريخية وروايات من ثقافات متعددة.
يُعد الحلم بالنسبة إلى كثير من الشعوب الأصلية نشاطًا اجتماعيًا من جوانب عدة، وعندما يسافر الإنسان بجسده الحلمي، يذهب إلى أماكن ويلتقي بأشخاص قد يكونون من القرية نفسها، أو القرية المجاورة، أو كائنات من عالم آخر. كما أن هنالك أحلامًا تفاعلية يلتقي فيها الإنسان الحالم بحالمين آخرين، ويخوض مغامرات. والحلم اجتماعي من جهة أن الإنسان يتحدث عن أحلامه مع الآخرين، ربما مع من تصحو معه في البيت نفسه، أو مع آخرين.
يبذل موس جهدًا بحثيًا كبيرًا كي يظهر الاهتمام الواسع بالأحلام عبر الثقافات المختلفة، بغية تأكيد أطروحته بأنها كانت عنصرًا أساسيًا في التجربة الإنسانية عبر العصور. فقد كان المصريون القدماء يعدّون الأحلام رسائل من الآلهة، وأنشأوا معابد للنوم بهدف تلقي رؤى تحمل الشفاء، أو الإرشاد، واعتقدوا أن الآلهة تخاطبهم في الأحلام. وفي المعتقدات اليونانية القديمة ربطت الأحلام بالطب والدين، حيث كان المرضى يبيتون في المعابد بانتظار حلم يدلهم على العلاج. أما لدى الشعوب الأصلية في أميركا الشمالية وأستراليا، فقد كانت الأحلام جزءًا من الحياة الاجتماعية والسياسية، وقد تؤثر في قرارات الزعماء، أو تحدّد موعد رحلة، أو حرب، أو تساعد في اختيار مكان استقرار القبيلة. وكان سكان الغابات من الهنود الحمر في أميركا الشمالية يعلمون أبناءهم أن الأحلام هي المصدر الأهم للإرشاد العقلي والروحي. وكانت الأحلام وسيلة للبقاء، ففي أعماق الشتاء، كانت الجماعة تعتمد على الحالمين الأقوياء لاستكشاف مواقع الطرائد، والتفاوض مع أرواح الحيوانات لتوفير الغذاء للقبيلة.
كما يسعى المؤلف لإثبات أن الأحلام أسهمت في تغيير مجرى التاريخ، حيث يورد روايات عن ملوك وقادة وشخصيات تاريخية اتخذوا قرارات مصيرية بعد رؤى شاهدوها في أثناء النوم. كما يستعرض قصصًا عن معارك، ورحلات، ومشروعات كبرى، يُقال إنها بدأت بحلم. ويحاول تفسير سبب اعتماد بعض القادة على الأحلام، ويرى أنها تمنح الإنسان منظورًا مختلفًا للمشكلات التي يواجهها، وتتيح للعقل أن يعمل بحرية بعيدًا عن القيود المنطقية المعتادة. ومع ذلك يقرّ ضمنيًا بأن كثيرًا من هذه الروايات يصعب التحقق من صحتها تاريخيًا، وأن بعضها ينتمي إلى التراث الشعبي والأسطوري، أكثر من انتمائها إلى الأدلة والوثائق التاريخية الموثقة.
يولي موس اهتمامًا خاصًا بالأهمية الاستثنائية للأحلام وتفسيرها في التاريخ العربي الإسلامي من خلال التفسير الإسلامي للأحلام والتمييز بينها، والأعمال التي تناولتها، وخاصة معجم سير أعده الحلاّل في القرن الرابع الهجري بعنوان "طبقات المعبرين"، واحتوى على سير ذاتية لما لا يقل عن 7500 شخص اشتهروا بتفسير الأحلام، وكتاب "المقدمة" لابن خلدون المدخل إلى كتابه في التاريخ العام الذي كتبه عام 1377 ميلادي. وقدم فيه ابن خلدون رؤية للتاريخ يكون فيها الحلم محورًا لكل شيء. فالمؤرخ الذي يسعى إلى فهم الأحداث، في ظاهرها وباطنها، لا يكفيه أن يدرس كيف يحلم الآخرون، أو يتحدثون عن أحلامهم، إنما يتوجب عليه أن يمارس الحلم بنفسه. وقد وصف ابن خلدون كيف مارس طقس الحالومية.
تنقسم الأحلام، في تراث تفسير الأحلام الإسلامي، إلى ثلاثة أنواع، أولها الرؤية الصالحة، وهي وحي من الله، وتمثل تجربة أعلى من الروح والوعي، وثانيها حلم كاذب، أو خادع، من الشيطان، ويقصد به التخويف، أو الإزعاج، وثالثها انعكاس لحديث النفس المحكومة بالأهواء والرغبات، وتمثل الغالبية العظمى من الأحلام.
أولى الإسلام اهتمامًا بالرؤى الصادقة، فقد وردت في القرآن رؤى كان لها أثر كبير، مثل رؤيا النبي يوسف، ورؤيا ملك مصر، التي فسرها يوسف، ورؤيا النبي إبراهيم المتعلقة بذبح ابنه، وكذلك رؤيا النبي محمد قبل فتح مكة. وقد فهم الحلم في العالم الإسلامي على أنه باب للتواصل بين الأحياء والأموات، وأن هنالك عالمًا خفيًا تقع فيه الرؤى الصادقة. وأطلق عليه فلاسفة ومتصوفة ومفكرون من أمثال ابن عربي، والسهروردي، اسم "برزخ الخيال"، حيث نظر ابن عربي إلى الخيال بوصفه برزخًا بين الجسد والروح، وبين الوجود والعدم.
يفرد المؤلف صفحات من كتابه لتناول العلاقة بين الأحلام والإبداع، حيث يشير إلى أن عددًا من الشعراء والرسامين والموسيقيين والكتاب والعلماء أكدوا أن أفكارًا مهمة أو حلولًا لمشكلات معقدة جاءتهم في أثناء النوم. ومرد ذلك هو أن الأحلام تتيح للخيال فسحة واسعة للتحرك بعيدًا عن رقابة التفكير الواعي، مما يسمح بربط أفكار متباعدة، وابتكار حلول جديدة، وفتح آفاق لم تكن مطروحة في أثناء يقظة المبدعين، وبالتالي فإن عددًا من الأعمال الإبداعية قد يكون مصدرها تلك الحالة الذهنية الفريدة التي يعيشها الإنسان في أثناء الحلم. وقد اهتمت مدارس نفسية كثيرة بالأحلام، وفي مقدمتها مدرسة سيغموند فرويد، التي رأت أن الأحلام تعبر عن رغبات مكبوتة، ومدرسة كارل غوستاف يونغ، التي رأت الأحلام لغة رمزية تعكس اللاوعي الفردي والجمعي. لكن موس لا يتبنى جميع أطروحاتهما، بل يحاول الجمع بين التحليل النفسي والخبرة الروحية والتجربة الشخصية، وذلك على خلفية تأكيده أن الأحلام ظاهرة متعددة الأبعاد، ولا يمكن اختزالها في تفسير واحد.
أخيرًا، يشكل الكتاب محاولة طموحة لإعادة اكتشاف عالم الأحلام بوصفه جزءًا أصيلًا من التجربة الإنسانية. وتكمن أهميته في أنه يلفت الانتباه إلى البعد الثقافي والتاريخي للأحلام، ولا يقدم تفسيرًا نهائيًا لطبيعة الأحلام، بل يفتح باب التأمل في علاقتها بالتاريخ والإبداع والدين وعلم النفس، مع الدعوة إلى إعادة النظر في أحلام الناس، بوصفها مصدرًا محتملًا للفهم والإلهام واكتشاف الذات.
غير أن كثيرًا من استنتاجاته لا يستند إلى أدلة علمية راسخة، ويميل إلى تفسير الأحلام من منظور روحاني لا يتفق في كثير من جوانبه مع نتائج علم النفس التجريبي، ونتائج علوم الأعصاب الحديثة. ويجري الخلط أحيانًا بين الوقائع التاريخية والأساطير، بما يمنح بعض الروايات القديمة درجة من الموثوقية لا تؤيدها الدراسات التاريخية، ومع ذلك تبقى قيمة هذا الكتاب مجسدة أساسًا في كونه عملًا ثقافيًا وفكريًا يثير أسئلة عميقة حول طبيعة العقل البشري، ودور الأحلام في تشكيل حياة الإنسان عبر العصور.


تحميل المقال التالي...