يمثل كتاب "ليس لنا غير هذا الوطن: سيرة المناضل عبد الجواد صالح"، الصادر عن مركز رؤية للتنمية السياسية في إسطنبول (2026)، والمُكوّن من عشرين فصلًا أعدها وحررها المؤرخ الدكتور صالح عبد الجواد، إنجازًا بحثيًّا وتاريخيًّا في مدونة السير الذاتية والأدبيات الوطنية السياسية، إذ يوثق هذا العمل المرجعي مسيرة رجل أمضى نحو سبعة عقود في قلب الحركة الوطنية الفلسطينية منذ أحداث النكبة عام 1948 وحتى انسحابه من المجلس المركزي لمنظمة التحرير عام 2020 ووفاته عام 2025.
وتكمن أهمية هذا الكتاب في كونه يسد فراغًا كبيرًا في التاريخ المعاصر لمراحل نضالية غائبة نسبيًّا، كالمقاومة المدنية في الضفة الغربية عقب احتلال 1967، وبناء الملاجئ والتحصينات في مخيمات لبنان، وتأسيس الجبهة الوطنية، وصولًا إلى التجربة المعقدة لانتخابات المجلس التشريعي والعمل الحكومي تحت أوسلو.
يتفرد العمل منهجيًا بقالب السيرة الهجينة الذي يمتزج فيه صوت الشاهد وصاحب السيرة (عبد الجواد صالح) مع الجهد التوثيقي التحليلي والأرشيفي لنجله المحرر المؤرخ الدكتور صالح عبد الجواد، وهذا المزج المنهجي أنقذ السيرة من آفة التبجيل والغرور الشائعة في المذكرات الفردية، وتحول بها إلى دراسة أكاديمية محققة بالهوامش والمصادر الأرشيفية.
كما يتفرد الكتاب بتسليط الضوء على تيار المستقلين في الحركة الوطنية الذين هُمش دورهم لصالح الهيمنة الفصائلية، ممتدًا في الوقت ذاته ليقدم تحليلًا أنثروبولوجيًّا واجتماعيًّا وعمرانيًّا حيًّا لمدينتي البيرة ورام الله والتحوّلات الطبقية السريعة التي طرأت عليهما على مدار قرن من الزمان.
يستهل الكتاب مساره بالحديث عن نشأة عبد الجواد صالح في أواخر عام 1931 في بلدة البيرة داخل أسرة فلاحية بسيطة، متتبعًا بنية الحمايل والتنافس القيسي/ اليمني التاريخي، مُبرزًا الدور الوجداني البديع لأمه عزيزة العطا، التي كافحت لإدارة الأسرة وفلاحة الأرض في ظل غياب الزوج للمهجر الأميركي، فغرست في وجدانه عشق الأرض والتجذر فيها، كما يوثق انكشافه المبكر على النضال في أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939) وشقاوة صباه ودراسته الأولى في مدرسة جامع العين والمدرسة الهاشمية والكلية الوطنية.
ثم ينتقل إلى الزلزال السياسي والإنساني لعام 1948، باعتباره المحطة التي نقلته من طفولته إلى النضج الوطني المبكر، فيوثق تفاصيل معارك القدس والبيرة ورام الله كمعركتي الماصيون والقسطل، واستشهاد عبد القادر الحسيني، ودخول القوات الأردنية، وصولًا لتدفق الموجات الهائلة للاجئين من يافا واللد والرملة، وكيف دفعته تلك الكارثة إلى الانخراط في العمل التطوعي الإغاثي والكشفي، إذ يتبع ذلك بتحليل دراماتيكي للتحوّلات الديموغرافية والاجتماعية وسوق العمل ونشأة المخيمات كمخيم الأمعري، وتأثير اندماج اللاجئين في تغيير وجه المدينتين للأبد.
ويرصد الكتاب بعد ذلك المسار السياسي والإداري للضفة الغربية في العهد الأردني، وتصفية التشكيلات العسكرية كجيش الجهاد المقدس، ويتطرق لمرحلة انتقاله إلى القاهرة للدراسة بالجامعة الأميركية وانضمامه إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، ثم ممارسته لمهنة التعليم والنشاط الحزبي بالضفة، حتى استقال بشجاعة من الحزب عام 1957 احتجاجًا على الأداء الانتخابي الهزيل، مع ثباته الدائم على المبادئ القومية والعدالة الاجتماعية، كما يوثق اغترابه المؤقت مدرسًا في ليبيا وعودته تاجرًا لمواد البناء بالبيرة وتعرضه للاعتقال عام 1963، وصولًا لانتخابه رئيسًا لبلدية البيرة في شباط/ فبراير 1967 ومحاربته السريعة للفساد الإداري قبل حلول النكسة بأربعة أشهر.
ويغوص الكتاب في تفاصيل نكسة حزيران/ يونيو 1967 وما تلاها، حيث تصدى عبد الجواد صالح بنفسه لمنع النزوح والهجرة الواسعة من البيرة، مُوثِّقًا احتلال المدينتين وتدمير قرى اللطرون الثلاث، وكشف قصة بطولات قوات الصاعقة المصرية، كما يتطرق إلى مرحلة التأسيس للمقاومة المدنية بصفته رئيسًا للبلدية ومواجهاته المبكرة مع الحكام العسكريين وجنود الاحتلال، ودعمه لجمعية إنعاش الأسرة برئاسة سميحة خليل، والمشاركة في التشكيلات الوطنية كالهيئة الإسلامية العليا، علاوة على إبرازه لرؤيته الاستباقية لبناء اقتصاد مقاوم بمقاطعة البضائع الإسرائيلية، وترسيخ العمل التطوعي لحماية الأرض (كتجربة بيت دقو)، والدفاع عن مؤسسات القدس، وتعمير البلدة القديمة، وتحويل كلية بير زيت إلى جامعة.
يكشف الكتاب، أيضًا، عن حقيقة جهاز الحكم العسكري الإسرائيلي الذي صُمم وسُنّت أوامره العسكرية سرًا منذ عام 1963 برئاسة حاييم هرتسوغ، ويحلل استراتيجية موشيه ديان القائمة على السيطرة والأمن والتفريغ السكاني وتغيير طبيعة الفلاحين عبر تشغيلهم مياومين، كما يبرز مواقف الندية التي اتخذها عبد الجواد صالح برفضه القاطع لدخول الحكام العسكريين بيته وردهم على محاولات الرشوة والابتزاز، وصولًا لمواجهته المباشرة الشهيرة مع ديان في بلدية البيرة صيف 1972، إذ يحلل دوافع وخلفيات انتخابات عام 1972 البلدية وموقف المقاطعة الذي خاضه لحماية البلدية من الوقوع في أيدي العملاء.
ويفصّل الكتاب نشأة "الجبهة الوطنية الفلسطينية" في صيف 1973 كإطار قيادي موحد في الداخل بين المستقلين والشيوعيين والفصائل، ودورها في تعبئة الجماهير وإفشال مخططات التهويد، ليتبع ذلك بسرد مأساوي لتفاصيل اقتحام منزله فجر 10 كانون الأول/ ديسمبر 1973 ونفيه رفقة سبعة من قادة الجبهة عبر صحراء وادي عربة، وكيف قادوا أول محاولة مواجهة واقتحام بالأجساد لـ"جسر الملك حسين" للعودة لوطنهم، مما أشعل انتفاضة جماهيرية بالضفة، كما يقدم دراسة قانونية معمقة تناقش سياسة الإبعاد الإسرائيلية كعقاب أكثر وحشية من الإعدام.
| |
| عبد الجواد صالح وسميحة خليل في أحد المعارض الفلسطينية عام 1996/ وصالح خلال شغله منصب رئيس بلدية البيرة عام 1972 |
ثم يروي التحاقه بصفوف الثورة ببيروت وانتخابه عضوًا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير (1974-1981)، ويبرز دوره التأسيسي الفريد في تشييد شبكة الملاجئ والتحصينات الخرسانية للمخيمات الفلسطينية في لبنان لحمايتهم من الغارات الإسرائيلية (والتي أنقذت أرواح الآلاف في تل الزعتر وعين الحلوة والرشيدية)، قبل أن يتناول الفاجعة الإنسانية باستشهاد نجله ماهر (20 عامًا) في أثناء التدريب في تل الزعتر، واضطهاد بقية أبنائه في الوطن، مُقدّمًا تقييمًا نقديًا جريئًا لأخطاء الثورة والحرب الأهلية اللبنانية ومحاربة الاستزلام، ومرافقته لعرفات في زيارته للأمم المتحدة عام 1974 وزيارة نيكارغوا عام 1980، ودعمه لقيادات الداخل كبسّام الشكعة وكريم خلف وغيرهما عقب محاولات اغتيالهم.
ينتقل الكتاب، بعدها، إلى مرحلة ما بعد إقصائه من اللجنة التنفيذية عام 1981 واستقراره في العاصمة الأردنية عمّان لتجميع شمل أسرته، موثقًا تأسيسه لـ"مركز القدس للدراسات الإنمائية" الذي أصدر أبحاثًا مرجعية كالمجلدات الأربعة للأوامر العسكرية الإسرائيلية وخرائط القرى المهجرة، كما يذكر محاولته الثانية لاقتحام الجسر للعودة، ورفضه القاطع لعرض إسرائيلي بالعودة في مقابل التخلي عن عمله الوطني، ثم يغطي عودته التاريخية إلى الوطن في نيسان/ أبريل 1993 ضمن أول دفعة للمبعدين قبيل إعلان أوسلو، ولحظات لقائه الأسطورية بأمه العجوز التي قاومت الزهايمر لتستقبله، معاودًا نشاطه للعمل في أرضه وتأسيس لجنة شعبية لمقاومة الاستيطان.
ويوثق تفاصيل أول انتخابات تشريعية عامة عام 1996، وخوضه لها كمستقل معارض لأوسلو لمنع التفرد، وفوزه المدوّي بأعلى الأصوات في دائرة رام الله والبيرة وعلى مستوى الضفة تحت شعار "ليس لنا غير هذا الوطن"، ليرصد نضاله داخل المجلس لسن القانون الأساسي وترسيخ الديمقراطية ورفضه التمديد غير الدستوري للمجلس، كما يوثق تجربته وزيرًا للزراعة (1996-1998)، والثورة الإدارية التي أحدثها باستصلاح الأراضي وشق الطرق الزراعية ومكافحة الفساد ومشاركته الميدانية ببدلته إلى جانب المزارعين ضد المستوطنين، حتى اسْتُبْعِدَ ونُقل لوظيفة وزير دولة بدون حقيبة عام 1998 ليستقيل فورًا.
ويفرد الكتاب مساحة للمواقف الصلبة في العقدين الأخيرين؛ كصياغته وإطلاقه لـ"بيان العشرين" عام 1999 ضد الفساد وما تعرض له من قمع واعتداء جسدي، ورفضه القاطع لشهادة طلبها منه الكونغرس الأميركي ضد السلطة جازمًا بأن الإصلاح شأن داخلي، وطعنه الدستوري بأهلية رئيس السلطة عام 2012، وصولًا إلى استقالته المعلنة من المجلس المركزي عام 2020 تحت عنوان "بلغ السيل الزبى".
وتكتمل السيرة بخاتمة وجدانية تسرد أيامه الأخيرة ورحيله فجر 23 آب/ أغسطس 2025 في فراشه بعد صراع مع المرض، ملتحقًا بالأرض التي لم ينقطع عن فلاحتها بفأسه، ومقتطفات واسعة من ردود الفعل القومية والوطنية والدولية ونعي المؤسسات والمفكرين الذين أجمعوا على كونه ختام الجيل الذهبي، وكونه أيضًا ضميرًا سياسيًا نقيًا رفض الانحراف والتفريط، وظل حتى رمقه الأخير حاملًا لواء المبدأ الخالد: "ليس لنا غير هذا الوطن".


تحميل المقال التالي...