عن "دار الفنك" المغربيّة، صدرت عام 2024 الطبعة الأولى العربيّة لكتاب "ذكريات من القدس" في 306 صفحات، مُحرّرته جين سعيد مقدسي، بترجمة الروائيّ والنّاقد المغربي محمّد برّادة، وتقديم المفكّر الفلسطينيّ الأميركيّ إدوارد سعيد، للكاتبة والمهتمّة بالتّراث والتّطريز سيرين الحسيني شهيد (1920 ــ 2008) المربّية الفلسطينية ابنة الصّحافيّ المناضل جمال الحسينيّ، وحفيدة عُمدة القدس والنائب في البرلمان العثماني فيْض الله العَلمي، والتي تزوّجت من الطبيب مُنيب شهيد، وأنجبا ثلاث بنات: ليلى، وزينة، ومايا.
والدّبلوماسيّة ليلى شهيد ــ أوّل امرأة مثّلت منظّمة التحرير الفلسطينيّة (1989) وفلسطين في الاتحاد الأوروبي والخارج، والّتي غابت عن عالمنا مؤخّرًا- هي ابنتها وزوجة محمّد برّادة، كانت قد قامت بإصدار ترجمة هذا الكتاب من لغته الأصل الإنكليزيّة إلى الفرنسيّة، وهو يجمع بين الأدب، والتاريخ الاجتماعي والسّياسي، والذاكرة النّسائيّة الشخصية والأسريّة، ويعدّ مادة لفهمٍ أعمق لديناميكيّة المجتمع الفلسطيني من الداخل.
في "إشارة من المؤلّفة" تُصرّح بأنّها كتبت هذه الصّفحات من طفولتها، وعن فلسطين في ثلاثينيات القرن الماضي، وذلك "من أجل بناتي والأجيال الآتية، التي لعلّها تجهل كل شيء عنّا، وعن طريقة عيْشنا. ويبدو لي مُهمًّا الحفاظ على ذاكرة تلك الأيام المندثرة؛ ذلك أن الأمل في مستقبل أفضل لا يمكنه أن يتغذّى إلّا بمعرفة حقيقيّةٍ للماضي" (ص 9).
فصوله القصيرة، المكتوبة بشفافيّة، وبذاكرة بصريّة متنقّلة، ذات عناوين شاعريّة ملتصقة بطبيعة المكان من نبات وشجر وحَجَر، وأسماء أعلام وأماكن بارزة، وأحداث تاريخيّة مستوقفة: "السنوات الأولى في القدس، شقائق النعمان، شجرة البلّوط، هالة، سياج الصبّار، جبل التجربة، فيرا وتاتيانا، "السيّد" سيرين الحسيني وثانوية ألفرينْدز، لَعِب أطفال، سامي الأنصاري، بيسان، التعرّف على عابد، منفى، بيروت، في أعقاب ذلك، كوليج الفتيان الأميركي، الستّ زكيّة، بغداد، الستّ وجيهة، 1948، تمزُّق العائلة، الخال موسى، العودة إلى أريحا: 1972، العودة إلى القدس، بيت الشرق، اجتماعات الأسرة، موسى العَلمي والاجتماع الأخير، العمّ إبراهيم والخالة ألماني، أمّ يوسف، الإنعاش، كانوا يريدون العودة إلى بيوتهم، لقاء غريب، أربع نساء".
بين دفّات الصفحات مجموعة من الصوَر الفوتوغرافيّة باللونيْن الأبيض والأسود لشخصيات وأمكنة تواجدت فيها شهيد وأسرتها العريقة أيضًا في القدس ولبنان وأوروبا، ويعود عدد منها إلى عشرينيّات القرن الماضي.
هذا الكتاب أبعدُ من أن يكون سيرة ذاتيّة، إذ يتجاوز ذلك ليحكي في شذرات ومقاطع مِن مسرّات ووجْد، وابتسامات ودموع، وأوجاع وشجون، وروائح وأحاديث، وملامح ومشاهد وألوان، عن حياة الكاتبة منذ طفولتها خلال فترة الانتداب البريطاني، ومراحل سفَرها وزواجها، وإنجابها وأمومتها، ومشاعرها المختلفة، وأيضًا إزاء حقيقة الموت، وخصوصًا عند رحيل جدّتها المؤلم. وهكذا فقد تداخلت حياتها بحيواتِ مَن عايشوها وقاموا برعايتها، وبالمكان وأهله، كلّهم شكّلوا الحياة النّفسيّة والتّعليميّة والوطنيّة للكاتبة. وفي هذا السّياق تختم محرّرة الكتاب كلمتها بالتّالي: "إن فتاةً من القدس تَخلق من جديد /.../ بعض اللحظات من التاريخ الحديث لمدينتها، مضيفةً بذلك بُعدًا جديدًا إلى مَحكيّ التاريخ الفلسطيني" (ص 13).
كذلك يوثّق العمل الحياة اليوميّة والثقافيّة وتحوّلاتها في القدس قبل النكبة، بالارتكاز على وصْف البيوت والأحياء والأبنية والمدارس، والحدائق والحقول، والأسواق في المدن والقرى، مع تسليط الضّوء على العلاقات الاجتماعيّة في العائلة، وبين المسلمين والمسيحيين واليهود قبل تفاقم الصراع السياسي، بالإضافة إلى قضايا التعليم ودوْر المرأة، والعادات والأعياد، والثورة الفلسطينية في ثلاثينيات القرن الماضي، والتهجير والمنفى في لبنان، فضلًا عن الزيارات اللاحقة للقدس وأثر الفقد والحنين، والغربة، والتقدّم في العُمر، إذ تقول في فصل "شقائق النّعمان": "كثيرًا ما أعود، عبر الحُلُم، إلى القدس. وهذه الرحلة الداخلية لا تحمل دائمًا بصمة الحزن واليأس؛ فأحيانًا، مجرّد الفرح بأن أوجدَ فيها من جديد يملؤني دفئًا عميقًا. أغمِض عينيّ وأحلم في دخيلتي. أختار رفقائي والأمكنة التي أتمنى زيارتها والأشخاص الذين أرغب في رؤيتهم، شيوخًا وشبابًا، وبعضهم قد طواهم الموت منذ سنوات، والبعض الآخَر هم على قيد الحياة" (ص 38).
في تقديمه، اعتبَر إدوارد سعيد الكتاب بأنه "كنز تاريخي وإنساني" يجمع بين الوثيقة التاريخيّة والأدب، وقيمته لا تنبع من تسجيل الوقائع فحسب، بل من قدرته على إعادة بناء عالم القدس الذي كاد أن يندثر، كما يرى أن هذا النوع من كُتب الذكريات يجب أن يحتلّ مكانًا في "متحف الذاكرة الفلسطينية" (ص 20).
تستحضر شَهيد قضايا وطنيّة وسنوات المصائب من المَحاكم العثمانيّة وعصابات "الهاغاناه"، والتّشريد والشتات والتهجير، والفراق والخسائر، والموت والاستشهاد، والصّمود والدفاع والمنفى في بيروت والعراق، والعودة إلى أريحا والقدس. وتقف عند والدها جمال الحسيني الذي كانت تمضي معه معظم وقتها لانشغال والدتها بالأبناء ومنهم مَنْ وافتهم المنيّة لاحقًا، هو صاحب المواقف الوطنيّة، نُفي إلى الرّياض وقياداتٍ فلسطينية في أعقاب الثورة الفلسطينية في عام 1936، مع العِلم أنّه اعتُقِل عام 1942 في الأهواز بإيران، ثم نُقلَ مع رفقائه إلى رودِيزْيا، وقد قاضوا الحكومة البريطانية، لعدم وجود اتهاماتٍ واضحة، فرَبحوا القضية... وتستذكر المشهد يوم شاهَدَا معًا: "جميع الناس الذين كانوا يجتازون شوارع أريحا حاملين أمتعتهم على ظهورهم وهم يجرّون أطفالهم من ورائهم، كل ذلك بقي جدّ حاضر في ذهني/.../ - هل تتذكّرين أنّي شرحتُ لكِ أنهم يبحثون لهم عن ملجأ، أَلَم نُحسّ معًا بالأسى من أجلهم لأنّهم طُرِدوا من ديارهم وبلدهم؟/.../ صمَتَ لحظة قبل أن يتابع: ــ إذا نحنُ الفلسطينيّين لم نعملْ بكلّ قوانا، فسيكون علينا قريبًا أن نجُوب العالم بحثًا عن ملجأ و..." (ص 23).
وتحكي عن حياتها في حيّ المِصرارة في القدس، وعن دراستها في الروضة التابعة للبعثة الأميركية، وانتقالها إلى الرياض التي أسّستها نساء إيطاليات، وفي عمر الثماني سنوات تنتقل إلى مدرسة البنات التي أسّسها المجلس الإسلامي الأعلى. تقول في وصف الطريق إليها: "بعد بضع دقائق من المشي، كنت أصل أخيرًا إلى مدرستي الواقعة عند زقاق معتم وضيّق. كنت ألمح في نهايته المسجد الأقصى المغمور بالشمس. وكانت البنايات المحيطة بالمسجد الأقصى، ومنها مدرستي، جدّ عتيقة، ومعظمها يعود إلى عهد المماليك" (ص 35).
تنقل شهيد القارئ إلى مرحلة دراستها في ثانوية "الفرينْدز" في رام الله، ثم الجامعة الأميركية في بيروت. وفي شأن الرغبة في التعلّم، والروح الوثّابة لدى النساء الفلسطينيّات ما بين الحربين العالميّتين، يكتب إدوارد سعيد: "بالنسبة لفتاة عربيّة خلال ما بين الحربين العالميتين، لم يكن مثل هذا المستوى من التعليم مألوفًا، لكننا نستطيع أن نرى فيه علامةً مُنبئة بالطاقة الخارقة التي دفعت الفلسطينيين، مُذّاك، وخاصةً النساء، إلى عدم الاكتفاء بأن يكنّ متفرّجات كسولات، أو سلبيّات، بل دفعتهنّ إلى الإسهام في الحملة المشتركة للتنمية والكفاح الاجتماعي" (ص17).
عند التهجير، استقبلت هي وزوجها عائلتَها في بيتها في بيروت. وأصبح عملُها، إلى جانب حمْلها بابنتها، مساعدةَ اللاجئين وتقديم المعونات والإسعافات، والالتحاقَ بالجمعيات والمؤسسات الاجتماعية التي تُعنى بهم. وقد عادت سيرين شَهيد في عام 1972 إلى البلاد بموجب قانونِ لمّ الشمل الذي قام به خالها موسى العَلمي، وكان أبوها حينها مستشارًا للملك السعوديّ...
من بعد أريحا، توجّهت سيرين إلى القدس، رفقة والدتها نِعْمَتي وأخواتها الثّلاث وابنة عمّهن نجوى، هذه التي طافت بهنّ بالسيّارة مرورًا بالأميرِكَن كولوني، والمدرسة الأسقفية، والمَسْكُوبيّة، والكنيسة الفرنسية، وفندق الملك داود، وغيرها من المعالم... بعد إصرار الأمّ على الوصول إلى منزلهم الذي لم يعد لهم، كالبيوت التي يحتلّها اليهود ويسكنونها... اضطربت البنات وصِرْن عاجزاتٍ عن القيام بأدنى حركة، وكل واحدة تحاول إخفاء دموعها، وكتمان حزنها: "وها هي أمّي، الوحيدة بيننا التي لم تضطرب، تخرج من السيّارة. مستنِدة على عكّازها، ارتَقَت الدرجات الثلاث المؤدّية إلى الباب الرئيسي، ودقّت ثلاث دقّات. انفتح الباب وظهرت امرأة يهودية في سنّ متوسّطة. من داخل السيّارة سمعنا أمّنا تسأل بأدب ولكن بِحَزْم:/ ــ هل تأذنين لي في أن أرى داخل بيتي؟/ ــ بيتك؟ قالت المرأة مذهولة. لكنّنا نحن اشتريناه!/ ــ أنا لم أبِعْه؛ أجابت أمّي./ كانت اليهوديّة تتكلّم بلهجة عراقيّة. وعندما فهمتْ معنى هذه الزيارة المباغِتة، قالت:/ ــ أُف، لقد كان لنا بيتٌ في العراق. ما الفائدة في أن نأتي إلى هنا، إذَا كنّا سنجد أنفسنا في وضْع مُحرِج مثل هذا؟/ وعندما أشارتْ لها بالدخول، التفتت أمّي نحونا، لكنّ أحدًا لم يقْوَ على أن يتبعَها" (ص 235).
بعد وفاة والدتها، تعود سيرين إلى لبنان، زوجها يرحل إلى ربّه في عام 1973، أمّا والدها فيقضي عن عمر 93 في الرياض. تنكبّ على الاهتمام في الحفاظ على التراث الفلسطيني من خلال جمعية "إنعاش" الاجتماعيّة والتي ساهمتْ في تأسيسها منذ النّكسة، بالاشتراك مع الفنّانة ومصمّمة الأزياء اللبنانية أوغيت كالان بغية دعم النساء والأطفال في مخيّمات اللاجئين بلبنان، والحفاظ على إرث التطريز الفلسطيني، فتقوم بتوثيق حكايات النساء القادمات من يافا وحيفا والقدس وغيرها، وتساندهنّ في نضالهنّ من أجل عيش كريم لأسَرهنّ، عبر شراء وتيسير اقتناء أثواب ولوازم بيتيّة يطرّزنها بمختلف الألوان والأشكال التّقليديّة في الأقطار العربيّة والأوروبيّة.
ومن ذاكرة الأمكنة، نقف عند قرية "شُرفات"، حيث تلْفت شجرة بلّوط اهتمام الوالد، فتستحوذ على نفسه بجمالها ووقارها وسموقها، يتجاوز عمرها 1500 سنة، فيشتريها مع قطعة أرض تحيط بها، يبني بيتًا فيها، وتنشأ علاقة بين سيرين والشّجرة، وبين سيرين ومريم ابنة الفلّاح علي مشعل جارهم، هذه التي تفتن بها سيرين، وبطريقة ندائها، فتقلّدها وتتعلّق بها: "أحسستُ بمنتهى السعادة عندما طلبت منّي جدتي أن أستدعي عائلة مشعل لتناول قهوة الصباح معنا. تسلّقتُ، فخورةً، قمّة البلّوطة، وناديت: هيه، يا مِريم، هيه!/ ــ أونيش، جايّينْ، أجابتني!/ كان صوتانا يرنّان عبر القرية كلها، وخارج الوادي، والمّارة المتعوّدون على صيحاتنا يبتسمون مُحبّذين تلك الصداقة بين المدينة والقرية" (ص 53). وتمرّ الأيّام والعقود... في ذات مساء وهي مع زوجها في بيروت، يستمعان للإذاعة: "هوجمت شُرفات، وهي قرية غرب القدس. وقد تهدّم منزل علي مشعل، المختار، نتيجة انفجار؛ ومات علي مشعل وجميع أفراد عائلته"./ فيما بعد، وصلتنا تفاصيل أخرى: لقد ظلّت مِريم وأختها الصغيرة يومًا كاملًا تحت الأنقاض، قبل وصول الإغاثة التي حملتْهُما إلى المستشفى، لكنهما غادرتا الحياة بعد قليل./ أفكّر في مِريم، وأحيانًا قلبي يناديها: "هيه، مِريم، هيه!"" (ص 56).
أمّا في ما يرتبط بالشخصيات التي سطّرت مراحل من تاريخنا، كالمُفتي الحاج أمين الحسيني، وخالها القياديّ موسى العَلمي، وجدّها والد أمّها فيْض الله العَلمي... أو تلك الأعلام التي سمعنا عنها، أو التي نجهلها، نلتقي مثلًا بـ "الستّ وجيهة" زوجة القائد الفذّ الشهيد بطل معركة القسْطل عبد القادر الحسيني، ووالدة القائد الشّهيد فيصل الحسيني الذين عاشوا في أرض العراق منفيّين مع الأبناء موسى وعيسى وهيفاء... "بينما كان زوجها معتقلًا، حوّلت الستّ وجيهة بيتهم، وسط بغداد، إلى ملتقى لجميع أولئك الذين جاؤوا ليشاركوا إلى جانبه، في الكفاح من أجل حقوق الفلسطينيين. وكانت هي حاضرة في كل مكان، منشغلةً وساهرة على الجميع وعلى كلّ شيء" (ص 194).
في حين أنّ "السّت زكيّة"، طليقة عمّ عبد القادر الحسيني، ارتبطت لاحقًا بوالد عبد القادر بعد فقدانه لزوجته. في أحد الأيّام استعانت بجارها الحاكم الإنكليزي للقدس بشأن مسألة انقطاع الماء والكهرباء عن بيتها، فبادر عبد القادر الحسيني لزيارتها بزيّه العسكريّ حالَما وصَله الخبر، قَبّل يدها، وهي باركته ورضيت عليه. بعد لحظات قال لها، وهي تقدّم له قهوة الترحاب:"ــ علمتُ يا خالتي العزيزة أنك اتصلتِ بالمندوب السامي البريطاني ليساعدك على مواجهة نقص المياه. وأنا جئت لأذكّرك بأنك لست الوحيدة التي تُعانين من هذا الضِّيق. لكنني جئت كذلك لأحذّرك بأنه: فيما نحن نتحدّث، قد أحاط رجالي ببيتكِ ووضعوا الديناميت حوله. وإذا تمّ اتّصال آخر مع الإنكليز، فإن البيت سينفجر" (ص 179).
تختتم الكاتبة سطورها بالحديث عن صورة وجَدَتْها باهتة قليلًا، تمثّل أربعة أجيال من النّساء، تتوسّطها هي: "في الثّانية من عمري. وحوْلي، جدّتي زليخة وأمّها أسماء وأمّي نِعْمَتي" (ص 295)... تنشرُ مؤلَّفَها هذا في عام 2000 وهي في الثّمانين من عمرها.
في المحصّلة؛ "ذكريات من القدس" شهادة إنسانية حيّة لكتابة المرأة عن التاريخ الاجتماعي والسياسيّ لمدينة القدس وأهلها وعاداتهم، مع المزْج بين الذاكرة الشخصيّة والعائليّة والسّيرة الذاتيّة، بالاستناد إلى لغة أدبيّة تًعنى بالوصف الدّقيق للشّخوص وعلاقتها بالأمكنة، ليغدو النص حافظًا للهويّة وللذاكرة الجمْعيّة الفلسطينية رغم كلّ محاولات اقتلاعها وطمْسها ومحْوها.


تحميل المقال التالي...