}
عروض

قراءة تفكيكية في سياسات الضّم وفرض الأمر الواقع بالضفة

يوسف الشايب

19 أغسطس 2026


يُقدّم كتاب "السياسات الإسرائيلية الراهنة في الضفة الغربية: تطهير عرقي تمهيدًا للحسم وفرض الضّم"، الصادر حديثًا عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية (العدد 12 ضمن سلسلة "قضايا استراتيجية: وجهات نظر إسرائيلية") من إعداد أنطوان شلحت وعصمت منصور، تشريحًا تحليليًا ومعلوماتيًا غير مسبوق للتحوّلات الهيكلية التي تشهدها الضفة الغربية.

وتكمن الأهمية الاستثنائية والفرادة لهذا الكتاب في كونه لا يكتفي بالتحليل الفلسطيني أو العربي الخارجي، بل يعتمد على ترجمات ونصوص واستطلاعات لمحللين وسياسيين وعسكريين وحقوقيين إسرائيليين من مختلف الأطياف (من اليمين الاستيطاني المتطرف إلى اليسار الحقوقي والخبراء الأمنيّين)، إذ يُظهر كيف تحوّلت السياسة الإسرائيلية من مفهوم "إدارة الصراع" إلى استراتيجية "حسم الصراع" وفرض السيادة الفعلية والضم الإداري والمدني والسيطرة المطلقة على الأرض مع تقليص الوجود الفلسطيني إلى الحد الأدنى.

وتُمثّل المقدمة الوافية التي كتبها أنطوان شلحت المدخل المفاهيمي والإطار التحليلي الشامل للكتاب، حيث يُفكّك فيها جوهر السياسة الإسرائيلية الراهنة في الضفة الغربية بوصفها انتقالًا حاسمًا من منطق "إدارة الصراع" والتظاهر بالإدارة العسكرية المؤقتة إلى مأسسة "حسم الصراع" فرضًا للضم الدائم.

ويُظهر شلحت كيف استغلت حكومة اليمين المتطرّف، ولا سيما عقب أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 والتحولات الإقليمية المتسارعة، انشغال العالم لتسريع خطة الضم الزاحف وتفكيك الأطر الإدارية لاتفاقيات أوسلو؛ وذلك من خلال نقل صلاحيات الإدارة المدنية إلى المستوى السيادي المدني بقيادة الوزير بتسلئيل سموتريتش، ما حوّل الاستيطان من نشاط على مراحل إلى قلب البيروقراطية الرسمية للدولة.

كما يُسلّط شلحت الضوء ببراعة على أسلوب "الكماشة" الذي تعتمده إسرائيل للمزاوجة بين التطهير العرقي الميداني والشرعنة القانونية؛ حيث تُمنح الميليشيات الاستيطانية والمزارع الرعوية غطاءً عسكريًا ورسميًا لترهيب التجمعات السكانية الفلسطينية وتهجيرها، في مقابل ترسانة من القرارات والتعديلات القانونية كإلغاء التشريعات الأردنية وتسهيل شراء الأراضي وإطلاق مشاريع البناء الضخمة.

ويخلص شلحت في تقديم التحليلات الإسرائيلية الواردة في الكتاب إلى أن هدف هذه المنظومة ليس تحقيق استقرار أمني، بل الوصول إلى نقطة اللاعودة التي تجعل قيام دولة فلسطينية أمرًا مستحيلًا، وتفرض واقع الدولة الواحدة القائم على الفصل العنصري والحسم الديموغرافي على حساب وجود الفلسطينيين وأرضهم.

***

ويمكن القول إن الأهمية السياسية والمعلوماتية لهذا الكتاب المهّم تتجلى في التوليفة الدقيقة بين التحليل التفكيكي والترجمات العبرية المباشرة؛ إذ تكشف الترجمات عن آليات التفكير الداخلي لصناع القرار وخبراء الأمن والمستوطنين في إسرائيل، وكيف يُترجم الفكر المسياني واليميني إلى قرارات حكومية وبيروقراطية، وكذلك في قدرته الاستثنائية على اختراق منظومة الخطاب الإسرائيلي الداخلي وتفكيك أساطيره المؤسسة، عبر تقديم ترجمات شمولية ودقيقة لنصوص استراتيجية، ومقالات رأي، وتحقيقات صحافية، وتقارير حقوقية صدرت عن عقول المنظومة الإسرائيلية نفسها.

ولا يكتفي الكتاب بنقل الرواية الظاهرة، بل يغوص في آليات التفكير العميق التي تجمع بين القادة العسكريين، والساسة الأيديولوجيين، وخبراء المعاهد الأمنية، وصولًا إلى قادة "شبيبة التلال" والميليشيات الاستيطانية في الميدان، وهذه التوليفة تتيح للقارئ العربي إمكان معاينة كيف يتم إنتاج القرار السياسي والعسكري في إسرائيل، وكيف يُعاد تعريف المفاهيم الاستراتيجية كـ "الأمن" و"الردع" و"السيادة" لتخدم غرضًا واحدًا وهو حسم الصراع وإلغاء الوجود السياسي والسيادي الفلسطيني كليًا.

الشواهد والأمثلة الميدانية المعززة بالاعترافات الإسرائيلية تُشكل القوة الضاربة للكتاب


معلوماتيًا، يمثل الكتاب وثيقة مرجعية رفيعة المستوى تشرح الأدوات البيروقراطية والقانونية المستحدثة التي تُترجم عبرها الأيديولوجيا المسيانية واليمينية المتطرفة إلى إجراءات تنفيذية على الأرض. وقد كشفت الترجمات الواردة بين صفحاته النقاب عن قرارات صامتة وتعديلات هيكلية جوهرية تشمل نقل صلاحيات "الإدارة المدنية" التابعة للجيش إلى مديرية مدنية يترأسها بتسلئيل سموتريتش، وإلغاء القوانين الأردنية التاريخية المنظمة لملكية العقارات والأراضي، واستئناف إجراءات "تسوية الأراضي" لتطويب المناطق المفتوحة كـ "أراضي دولة".

إضافة إلى ذلك، توفر التقارير المترجمة بيانات دقيقة ومفصلة بالأرقام حول شرعنة عشرات البؤر الاستيطانية، وشق مئات الكيلومترات من الطرق الالتفافية الرامية لتجميع التكتلات الاستيطانية وتقطيع أوصال المناطق الفلسطينية، فضلًا عن آليات التعطيش المنهجي وشفط الموارد المائية، والتحكم بالنشاط الاقتصادي وتدميره من خلال حجز أموال المقاصة.

وعلى الصعيد السياسي، تكمن أهمية هذه المادة في كشفها عن الغطاء الرسمي الشامل الذي تقدمه أجهزة الدولة الإسرائيلية، بشرطتها وجيشها وجهاز الأمن العام (الشاباك) لديها، لعمليات التطهير العرقي الميداني التي تقودها الميليشيات الاستيطانية، عبر التحليلات المترجمة لكبار الكتاب والعسكريين السابقين مثل: عاموس هرئيل، وجدعون ليفي، وإيهود أولمرت، وكثير غيرهم، ليتضح أن عنف المستوطنين والمزارع الرعوية ليس سلوكًا فرديًا أو انفلاتًا هامشيًا، بل جزء لا يتجزأ من "استراتيجية الكماشة" التي تهدف إلى إرهاب السكان المحليين في التجمعات البدوية والرعوية، ودفعهم نحو التهجير القسري والنزوح في اتجاه المدن الكبرى (في مناطق أ وب)، فهذا الفهم العميق يزود الباحثين والفاعلين السياسيين بأدلة قاطعة صادرة عن البيئة الإسرائيلية الداخلية، تُثبت مأسسة التمييز ونظام الفصل العنصري (الأبارتهايد)، وتكشف عن أن الهدف النهائي للسياسات الراهنة هو الوصول إلى "نقطة اللاعودة" التي تقضي استراتيجيًا على أي أمل مستقبلي لتطبيق حل الدولتين.

وتتعدى القيمة المعلوماتية للكتاب مجرد رصد الأحداث اليومية للسياسات الإسرائيلية، لتصل إلى تقديم توثيق تفصيلي بالحقائق والأرقام الهيكلية لكيفية إعادة تشكيل البنية التحتية والقانونية والأمنية في الضفة الغربية.

يُبرز الكتاب بالدليل القاطع أن ما يجري ليس تحوّلات عفوية أو معزولة، بل هو عملية إعادة بناء جذرية لنظام الحكم والسيطرة، إذ ترتكز على ثورة إدارية وبيروقراطية شملت نقل معظم صلاحيات "الإدارة المدنية"، التي كانت تدار تاريخيًا عبر المؤسسة العسكرية، إلى سلطة وزير مدني وهو بتسلئيل سموتريتش بصفته وزيرًا ثانيًا في وزارة الدفاع ورئيسًا لـ"مديرية الاستيطان"، وهذا النقل التكتيكي أدّى عمليًا إلى إنهاء صيغة "الاحتلال العسكري المؤقت" لصالح "الضم المدني المُمأسس"، حيث أصبحت القرارات المتعلقة بالتخطيط، والتصاريح، وشق الطرق، وهدم المباني خاضعة بشكل مباشر إلى المصالح الاستيطانية الرامية إلى إحباط أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية.

على الصعيد القانوني والملكاني، يُفرد الكتيب مساحة واسعة لتوثيق القرارات الصادرة عن المجلس الوزاري المصغر (الكابينيت) والمؤسسات الإسرائيلية، والتي تمثلت في التلغيم المنهجي لمنظومة الأراضي في المناطق المصنفة "ج"، ويتجلى ذلك في إلغاء التشريع الأردني الذي كان يمنع بيع الأراضي لليهود، ورفع السرية عن سجلات الأراضي الإسرائيلية (الطابو)، وإلغاء شرط الحصول على "تصريح صفقة" الذي كان يشكل أداة رقابية إدارية سابقًا، كما يُضاف إلى ذلك استئناف عملية "تسوية الأراضي" وتسجيلها رسميًا باسم دولة إسرائيل لأول مرة منذ عام 1967، وتخصيص مئات الملايين من الشواكل لهذه المشاريع التي تمنح الدولة والشركات الاستثمارية اليهودية غطاءً قانونيًا للاستيلاء على مساحات شاسعة وتطويبها كـ "أراضي دولة" أو "محميات طبيعية".

أما على المستوى الميداني والديموغرافي، فيقدم الكتاب وثائق ومستندات دقيقة ترصد "استراتيجية المزارع الرعوية والبؤر الاستيطانية" المسلحة، كأداة رأس حربة للتطهير العرقي، إذ يوثق إقامة ما بين 100 إلى 150 مزرعة استيطانية زراعية ورعوية جديدة تم نشرها بتنسيق مباشر وتجهيز لوجستي من الجيش والوزارات الحكومية، وتزويد قاطنيها بمركبات الميدان والأسلحة والزي العسكري ضمن وحدات "الدفاع الإقليمي".

وأدت هذه التكتيكات المتسلسلة، التي تبدأ بوضع كرافانات وخزانات مياه، ثم قطع شبكات المياه والكهرباء عن العائلات الفلسطينية، وسرقة القطعان، وإتلاف المحاصيل، وتنفيذ الاعتداءات الليلية، إلى تهجير قسري وتطهير عرقي لكامل التجمعات السكانية الرعوية والبدوية (مثل مجتمعات رأس العين، والمعرجات، وحمام المالح، والحديدية، وجنوب جبل الخليل)، ما فرّغ مئات آلاف الدونمات من أصحابها الفلسطينيين لصالح توسيع السيطرة الاستيطانية وخلق واقع جغرافي جديد يمنع الترابط الإقليمي بين شمال الضفة وجنوبها.


سلوك الميليشيات الاستيطانية المسلحة ليس مجرّد أعمال عفوية

يتميّز الكتاب أيضًا بشجاعته التفكيكية للرواية الرسمية الإسرائيلية التي تُروّج بانتظام لمفهوم "الأعشاب الضارة" أو "الفئات المنفلتة" للتنصل من جرائم الاعتداءات في الضفة الغربية؛ حيث ينسف الكتاب هذه الفرضية بالكامل عبر توثيق دقيق يُثبت أن سلوك الميليشيات الاستيطانية المسلحة ليس مجرد أعمال عفوية، بل هو جزء لا يتجزأ من ذراع عسكرية أيديولوجية تعمل بتنسيق كامل ورسمي مع أجهزة الدولة والجيش والشرطة الإسرائيلية، وتُدار تحت مظلة بيروقراطية وقانونية مأسسَت العنف وحولته إلى أداة تنفيذية للسيطرة على الأرض.

وتتجلى قوة هذا التوثيق الميداني والجرأة التحليلية في طرح أمثلة شواهدية ملموسة نقلها صحافيون، وقادة عسكريون سابقون، ونشطاء حقوقيون إسرائيليون زاروا مناطق الاحتكاك بنفسهم ووثقوا الحوادث بأسمائها وأماكنها.

ويوثّق الكتاب في مقدمته ومقالاته (مثل مقال رون بن يشاي ومندي أور)، كيف قامت الدولة بتوزيع أسلحة رسمية وزي عسكري للجيش الإسرائيلي على آلاف المستوطنين وتجنيدهم في كتائب "الدفاع الإقليمي" وفرق "هاغمار"، بحيث تتيح هذه الخطوة للمستوطنين اقتحام التجمعات الفلسطينية وتخريب أملاكها وهم يرتدون الزي العسكري ويحملون السلاح الرسمي، مما يخلق ضبابية متعمدة؛ فعند تقديم شكاوى، تتهرب النيابة العسكرية بدعوى أن العنف لم يرتكب في إطار عمل عسكري رسمي، وتغلق الشرطة الملفات بحجة أن المعتدين أفراد يرتدون زي الجيش ولا تملك صلاحية التحقيق معهم، مما يضمن لهم حصانة مطلقة من المحاسبة.

ويكشف عالم الاجتماع الإسرائيلي ياغيل ليفي عبر الكتاب عن التحول المفصلي في عهد اللواء آفي بلوط (قائد المنطقة العسكرية الوسطى وخريج مدرسة عيلي العسكرية الدينية)؛ فبعد أن كانت المزارع الرعوية تقام سابقًا بصورة سرية أو بجهود فردية تُفرض على الجيش، جرى في عهد بلوط إنشاء أكثر من 150 مزرعة بؤرية بتنسيق تخطيطي وهيكلي كامل مع قيادة الجيش، بل إن الشرطة الإسرائيلية أنشأت آلية رسمية لتنسيق إنشاء هذه المزارع وتأمينها، لتنتقل العملية من هامش المنظومة إلى قلب البيروقراطية الرسمية للدولة.

ويُبرز الكتاب مثالًا ميدانيًا صارخًا لمأسسة العنف؛ فعندما حاول فلسطيني مهاجمة مستوطنين في إحدى مناطق الضفة وفرّ نحو قرية مجاورة، لم يكتَفِ الجيش بالملاحقة، بل أصدر اللواء آفي بلوط أمرًا رسميًا باقتلاع 3000 شجرة زيتون في القرية، وتم تنفيذ العملية عبر مقاولين إسرائيليين حصلوا على تمويلهم المباشر من ميزانية وزارة الدفاع؛ ليتحول عقاب "جباية الثمن" من سلوك ميليشياوي إلى قرار بيروقراطي ممول من خزينة الدولة.

ويُظهر الكتاب كيف تحوّل وزراء في الحكومة (ولا سيما إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش) إلى موجهين مباشرين لهذه الميليشيات؛ إذ قاما بتزويد سكان البؤر والمزارع بمركبات ميدانية دفع رباعي (رينجر) وتخصيص ميزانيات ضخمة للبنى التحتية تحت بند "الأمن"، في حين ألغى وزير الدفاع يسرائيل كاتس استخدام أوامر الاعتقال الإداري ضد المستوطنين المتورطين في الأعمال الإرهابية، ما منح المعتدين شعورًا كاملًا بالحصانة السياسية والقانونية.

إن هذه الشواهد والأمثلة الميدانية المعززة بالاعترافات الإسرائيلية تُشكل القوة الضاربة للكتاب؛ إذ تعرّي أمام القارئ كيف تحوّلت مؤسسات القانون والأمن والبيروقراطية الإسرائيلية إلى غطاء أيديولوجي يُنظم ويرعى التطهير العرقي اليومي على الأرض.

وتكتسب استثنائية هذا الكتاب بعدًا آخر في هذه المرحلة الدقيقة، إذ يأتي في لحظة فارقة تشهد فيها المنطقة تحولات جيو- استراتيجية متسارعة، ويجري فيها إعادة رسم خارطة الضفة الغربية وتصفية القضية الفلسطينية ميدانيًا تحت ستار انشغال العالم بالحروب الإقليمية والانحياز الدولي، كما تكمن قيمة العمل الفذّة في كونه يكسر نمطية السجال السياسي التقليدي، ليقدم شهادة وثائقية دامغة تُحاكم إسرائيل بأدواتها وبألسنة قادتها ومحلليها ومؤسساتها؛ فيتحول إلى مرجع استراتيجي وحقوقي يُعرّي مأسسة التطهير العرقي والانقلاب القانوني الصامت، ويمنح القارئ، والباحث، وصانع القرار العربي، سلاحًا معرفيًا يتجاوز منطق انفعال الأحداث إلى فهم العمق البنيوي والأيديولوجي للمشروع الاستيطاني، مما يجعله وثيقة تاريخية حاسمة تشهد على واحدة من أشرس مراحل الحسم الديموغرافي والجغرافي في تاريخ الصراع.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.