}
صدر حديثا

"غزة ومصير فلسطين": تاريخ القضية الفلسطينية من بوابة غزة

2 أغسطس 2026


صدر حديثًا في باريس عن دار La Compagnie des Passeurs كتاب "غزة ومصير فلسطين" باللغة الفرنسية، للدبلوماسي والكاتب الفلسطيني حسان فتحي البلعاوي، في عمل يقدم قراءة تاريخية وسياسية جديدة للقضية الفلسطينية تنطلق من فرضية رئيسية مفادها أن معظم التحولات الكبرى في تاريخ فلسطين الحديث بدأت في غزة قبل أن تمتد آثارها إلى بقية الجغرافيا الفلسطينية، وأن فهم حاضر فلسطين ومستقبلها لا يكتمل من دون فهم الدور الذي لعبه هذا القطاع الصغير في صياغة مسار القضية الفلسطينية منذ عام 1948 وحتى اليوم.
قدّم للكتاب الكاتب والصحافي الفرنسي المعروف ألان غريش، أحد أبرز المتخصصين الأوروبيين في قضايا الشرق الأوسط. فيما يهديه المؤلف إلى روح والده الراحل فتحي البلعاوي، ويحيي فيه ذكرى السفيرة الفلسطينية الراحلة ليلى شهيد، التي كرست جانبًا مهمًا من حياتها للدفاع عن القضية الفلسطينية في أوروبا.
ينطلق الكتاب من مفارقة تاريخية لافتة؛ فقطاع غزة لا تتجاوز مساحته 1.33% من مساحة فلسطين التاريخية، لكنه ظل، عبر العقود، الساحة التي تشكلت فيها أهم التحوّلات السياسية والوطنية الفلسطينية. ويجادل المؤلف بأن غزة لم تكن مجرد مسرح للأحداث، بل كانت المختبر السياسي الذي ولدت فيه الأفكار والمؤسسات والتحولات الكبرى، قبل أن تمتد آثارها إلى الضفة الغربية، ثم إلى مجمل القضية الفلسطينية.
ولذلك يعيد الكتاب قراءة التاريخ الفلسطيني من خلال الموقع التاريخي والاستراتيجي لغزة، بوصفها بوابة تربط آسيا بأفريقيا، وإحدى أقدم مدن العالم، مستعرضًا تاريخها منذ الحضارة الكنعانية، مرورًا بالعصور المصرية واليونانية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، وصولًا إلى العصر الحديث، ليؤكد أن مكانتها السياسية لم تكن وليدة الصراع الراهن، بل امتدادًا لدور تاريخي متواصل عبر آلاف السنين.
يرى الكتاب أن أولى محاولات إعادة بناء الشخصية السياسية الفلسطينية بعد النكبة انطلقت من غزة. ففي 4 تشرين الأول/ أكتوبر 1948 انعقد في مدرسة الفلاح أول مجلس وطني فلسطيني، في محاولة لتجميع الحركة الوطنية الفلسطينية بعد ضياع القسم الأكبر من الوطن.
وفي هذا المجلس أُقر العلم الفلسطيني الذي ما يزال يرمز إلى الشعب الفلسطيني حتى اليوم، وهو العلم الذي كان قد اعتمدته الثورة العربية الكبرى عام 1916، ثم حملته قوات الجهاد المقدس بقيادة الشهيد عبد القادر الحسيني.
وفي العام نفسه، أُعلنت حكومة عموم فلسطين برئاسة أحمد حلمي باشا، تحت التأثير السياسي للحاج أمين الحسيني، مفتي القدس وفلسطين، في أول محاولة لإقامة كيان سياسي فلسطيني مستقل. وقد حظيت الحكومة باعتراف جامعة الدول العربية، وأصدرت جوازات سفر فلسطينية، بما جسّد أول تعبير مؤسساتي عن الهوية الوطنية الفلسطينية بعد النكبة، رغم أن الظروف السياسية لم تسمح باستمرارها.
يكشف الكتاب أن غزة لم تكن فقط مكانًا لبناء المؤسسات السياسية، بل كانت أيضًا البيئة التي تبلورت فيها الحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة. ففي مطلع الخمسينيات شهد القطاع أول مواجهة شعبية واسعة لإفشال مشروع توطين اللاجئين الفلسطينيين في صحراء سيناء، وهو المشروع الذي عاد إلى الواجهة في مراحل لاحقة بأشكال مختلفة. وقادت نقابة المعلمين الفلسطينيين هذا الحراك الوطني، في تجربة سياسية فريدة جمعت بين جماعة الإخوان المسلمين، والحزب الشيوعي الفلسطيني، رغم التناقض الفكري العميق بينهما. وكان يمثل الإخوان المسلمين في النقابة الأستاذ فتحي البلعاوي، أول أمين عام للنقابة بعد نفيه إلى غزة وهو طالب في الأزهر، بينما مثل الحزب الشيوعي الشاعر معين بسيسو. وقد نجح هذا التحالف الوطني النادر في توحيد قوى سياسية متعارضة دفاعًا عن هدف واحد، هو منع تهجير الفلسطينيين وإفشال مشروع التوطين، في واحدة من أبرز محطات النضال الوطني الفلسطيني المبكر.
كما يتابع الكتاب نشأة الحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة، موضحًا أن البدايات الأولى لحركة فتح تشكلت في غزة، وأن عددًا من مؤسسيها خرجوا من البيئة السياسية والاجتماعية في القطاع، كما احتضنت غزة البدايات الأولى للعمل الفدائي المنظم، ولا سيما النشاطات التي ارتبطت بالشهيد خليل الوزير (أبو جهاد)، وصلاح خلف، وكمال عدوان، وغيرهم.
ويبرز الكتاب كذلك الدور الذي اضطلعت به غزة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، عندما أصبحت مركزًا لتنظيم العمل الفدائي بقيادة الشهيد مصطفى حافظ، وشهدت تأسيس الحرس الوطني الفلسطيني، بما جعلها الحاضنة الأولى لتبلور العمل الوطني الفلسطيني المنظم.
ويواصل الكتاب تتبع المسار التاريخي، مبينًا أن غزة احتضنت عام 1962 أول مجلس تشريعي فلسطيني برئاسة الدكتور حيدر عبد الشافي، في محطة تؤكد أن بناء المؤسسات الوطنية الفلسطينية بدأ من القطاع قبل أن يمتد إلى بقية الأراضي الفلسطينية.
وفي 7 كانون الأول/ ديسمبر 1987 انطلقت من مخيم جباليا شرارة الانتفاضة الفلسطينية الأولى، قبل أن تمتد إلى مخيم جباليا في نابلس في الضفة الغربية، لتعيد القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام الدولي، وتفتح مرحلة جديدة في تاريخ النضال الوطني.
وبعد اتفاق أوسلو، كانت غزة أيضًا نقطة البداية لقيام السلطة الوطنية الفلسطينية، مع عودة الرئيس ياسر عرفات إليها في 1 تموز/ يوليو 1994، حيث استقرت فيها معظم مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية خلال سنواتها الأولى، قبل انتقال عدد منها إلى الضفة الغربية.
ويتناول الكتاب البعد الاستراتيجي لقطاع غزة بوصفه المنفذ البحري الطبيعي لفلسطين. فوجود الميناء، ثم المطار لاحقًا، لم يكن مجرد مشروع اقتصادي، بل كان يمثل أحد المقومات الأساسية لقيام الدولة الفلسطينية واستقلالها السياسي والاقتصادي، وهو ما جعل غزة محورًا دائمًا في مختلف المشاريع الإقليمية والدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية.
ويرى المؤلف أن الحروب المتعاقبة التي تعرض لها القطاع منذ عام 2008، وصولًا إلى حرب الإبادة المستمرة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، نقلت القضية الفلسطينية إلى مرحلة جديدة، فلم تعد غزة تحدد مستقبل فلسطين وحدها، بل أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في معادلات الإقليم، وفي النقاش العالمي حول القانون الدولي، وحقوق الإنسان، والعدالة الدولية، والمعايير المزدوجة التي تحكم النظام الدولي.
ويرى الكتاب أن ما يجري في غزة اليوم يمثل اختبارًا حقيقيًا لصدقية المنظومة الدولية، وأن حجم التضامن الشعبي العالمي مع الشعب الفلسطيني يعكس انتقال القضية الفلسطينية إلى مستوى غير مسبوق من الحضور في الرأي العام العالمي.
ويؤكد المؤلف أن إبراز الدور التاريخي لغزة لا ينتقص بأي حال من المكانة المركزية للقدس، التي ستظل العاصمة الأبدية لدولة فلسطين، والرمز الوطني الجامع، والبوصلة السياسية والروحية للشعب الفلسطيني وللعالمين العربي والإسلامي.
غير أن الكتاب يميز بين وظيفتين تاريخيتين متكاملتين؛ فالقدس هي البوصلة التي تمنح القضية معناها الوطني والحضاري، بينما كانت غزة، منذ عام 1948، المحرك الذي أطلق معظم التحولات الكبرى في مسيرة الشعب الفلسطيني، ومن خلالها أعيد تشكيل الحركة الوطنية الفلسطينية، وبناء مؤسساتها، وإطلاق مقاومتها، وصولًا إلى التحولات الكبرى التي يشهدها العالم اليوم.
ومن هنا يخلص الكتاب إلى أن فهم تاريخ فلسطين الحديث يمر حتمًا عبر فهم غزة، لأنها لم تكن مجرد جزء من الجغرافيا الفلسطينية، بل شكلت في كل مرحلة مفصلية نقطة الانطلاق نحو مرحلة جديدة. وإذا كانت القدس تمثل الهدف الوطني والروحي للشعب الفلسطيني، فإن غزة كانت، وما تزال، القوة الدافعة التي تحرك هذا المسار نحو القدس.

حسان فتحي البلعاوي: دبلوماسي وكاتب وإعلامي فلسطيني، عمل في الإعلام الموحد لمنظمة التحرير الفلسطينية في تونس، ثم في وزارة الإعلام الفلسطينية في غزة. كما أسس القسم الفرنسي في التلفزيون الفلسطيني، وتولى إدارته، قبل انتقاله إلى مؤسسة الرئاسة الفلسطينية، ثم إلى السلك الدبلوماسي. أنهى دراسته الجامعية في فرنسا، حيث حصل على درجة الماجستير في الدراسات الأوروبية من جامعة السوربون، كما تخرج في المدرسة الوطنية للإدارة (ENA). ويشغل حاليًا منصب سفير دولة فلسطين لدى جمهورية مالي، وله عدد من المؤلفات والدراسات والأبحاث المتخصصة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية والعلاقات الدولية.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.