}
عروض

"فوات الأوان": النبش في الخراب بأصابع محترقة

عزة حسين

23 أغسطس 2026

"أفكر أن أسمي كتابي القادم "فوات الأوان"، لكني لم أحدّد هل أضيف في البداية قبل أم بعد، لكن أيًّا ما سيكون الأمر، سأكون أطلقت صرختي الأخيرة وأنا راضٍ تمامًا".

عام 2015، اختتم الشاعر المصري محمد أبو زيد ديوانه السابع "سوداء وجميلة" بهذا المقطع، وبعدها بعشر سنوات أنجز وعده للقارئ فأسمى ديوانه الأحدث "فوات الأوان". ما بين الديوانين أصدر كتابًا شعريًا بعنوان "جحيم"، حاز جائزة الدولة التشجيعية؛ ليصبح بذلك الوحيد الذي استطاع انتزاع اعتراف المؤسسة الثقافية الرسمية في مصر بقصيدة النثر وشعرائها بعد عقودٍ من النفي والإجحاف. وبخلاف هذا الديوان، أصدر أبو زيد أربعة كتب سردية، من بينها كتاب للأطفال، وآخر عن حرفة الكتابة، وروايتان حققتا نجاحًا كبيرًا، ظُن بعدهما أنه انجذب ــ ككثيرين ــ لندّاهة الرواية. حتى صدر ديوانه "فوات الأوان" عام 2025  فكان مفاجأةً سارةً؛ لأنه على جمال ما يكتبه محمد أبو زيد من أنواعٍ أدبية أخرى يجيدها ويمتعنا بها ولا ينقصها الشعر في الحقيقة، كان من الفداحة أن نخسر شاعرًا حقيقيًا مثله، خاصةً إذا كان من هؤلاء الذين يُعرف منذ زمن أنه: "شاعر، وأن قلبه طفل يلهو خلف أمه في المولد"...  كما قال في إحدى مجموعاته الشعرية.
وديوان "فوات الأوان" هو التاسع في مسيرة محمد أبو زيد الشعرية التي بدأت في الظهور مطلع الألفية الحالية، وفيه نستطيع لمس أن الأوان أو الزمن هو المركز والسؤال الرئيس؛ ذلك السؤال الذي شغل العلماء والباحثين والشعراء والسحرة والبشر والشياطين ولا يزال لغزًا.
والشاعر من مواليد عقد الثمانينيات، أي أنه بطل تراجيدي مثل أبناء ذلك الجيل الذي لا يعرف ما الخطأ التراجيدي الذي ارتكبه حتى يعاقب بهذه اللعنة التي يدور فيها منذ عقود، ولا أية عين يفقأ للتطهر من ذنبه المجهول.
"أفكر أن أسمي كتابي القادم "فوات الأوان"، لكني لم أحدد هل أضيف في البداية قبل أم بعد، لكن أيًّا ما سيكون الأمر، سأكون أطلقت صرختي الأخيرة وأنا راضٍ تمامًا". يقول أبو زيد في ذلك المقطع الذي حمل النبوءة، وفي المقطع نفسه يقول "كل شيءٍ أدركه بعد أن أكون وصلت إلى الحافة وتأرجحت قدمي في الهواء".
إذًا، نحن الآن، وبعد عشر سنواتٍ، أمام شاعرٍ كان يفكر منذ ذلك التاريخ في النهاية. في كتابة مرثيةٍ استباقيةٍ، رسالة وداعٍ، أو برقية انتحار، لكن النهاية لم تأت. وتلك هي المشكلة تقريبًا، مشكلة هذا الجيل الذي عاين فصولًا من الجحيم فتاق إلى مطالعة كلمة النهاية، إلى إسدال أي ستارٍ، لكنه اضطر إلى العيش إلى ما بعد نهاية الأشياء، ليدرك أن اللعنة لم تكن كما في حالة "أوديب" هي فقأ العينين والتيه بعد العمى، وإنما الاضطرار للحياة بكل هذا الثقل، بهذه الأطنان من الصور التي تتعارك الآن داخل الرأس، الرأس التي تتقيأ ما قبل فوات الأوان، وترتجف مما هو آتٍ بعده.




نلمس هذا في أكثر من قصيدة مثلًا كنص "كم أنت جميل أيها الموت"، الذي تصرخ فيه الجثث لاستعجال دفنها، فتقول إحدى هذه الجثث للمتشاجريْن حول قبرها: لعنكما الله أطرتما الموت من عيني، هل يمكن أن أدفن الآن؟!"، أو نص "لا ضوء في نهاية النفق" الذي يقول فيه:
"لأنني عشت هذه الحياة من قبل/ أتكاسل عن كتابة هذه القصيدة. بصراحة؛ لأن الأشياء فقدت معناها/ كأن تشاهد فيلمًا مملًا/ شاهدته من قبل آلاف المرات/ فقط لتمرير الوقت/ قد تبتسم أحيانًا لكن بمرارة/ قد تدمع عيناك لكن للاطمئنان على غددك الدمعية/؛ قد تصرخ، لكن لسماع صوتك/ قد تهز رأسك لكنها هزة نوح لسفينته قبل الطوفان./ لا شيء يدعو إلى الابتهاج ولا الرثاء ، لا شيء هنا أصلًا".
أو في النص الذي يحمل عنوان"بالمناسبة ليس الخليل بن أحمد الفراهيدي وحده من يملك ميزانًا"، حيث يقول: "لو خاط فمه لصارت حياته أفضل/ لتخلص من هذا العذاب/ لكن ماذا يفعل بمنجنيق لا يعرف مصدره يُلقم أُذنيه بالأحجار ليل نهار؟!/ ماذا يفعل بجبل كلماتٍ داخل صدره، يُكسر فيه كل يوم/ لكنه أبدًا لا ينتهي؟!".


مسخرة التراث
حريٌّ بهذا الجيل ــ جيل محمد أبو زيد ــ أن يحاكم الماضي، أن يصرخ بأثرٍ رجعيٍ في وجه هؤلاء الذين شيدوا كل هذا الخراب، أن يُعمل بلطته في أصنامهم، وينتظر أن تسيل منها الدماء. ولأن الشعر ديوانهم ووثيقتهم المزورةَ فقد بدأ منها محمد، من مدونة التراث الشعري بأغراضه الدعية التي تؤسس للكذب، وتخبئ ما هو إنساني تحت السجادة. يقول:
"لا أفهم لماذا يكتب الشعراء قصائدهم بهذه الطريقة! كان الشطران مريحين أكثر، أضع رأسي في واحد، وأمدّد قدمي في الآخر؛ أتغزل في فتاة لا أعرفها أول القصيدة، وأمدح رجلًا لا أعرفه في منتصفها، وأملأ جيبي بصرة دنانير وأنا أغلق درفتي دولابها خلفي. وحين أعود إلى البيت، أحبس سندريلا في غرفة الفئران.
لست شريًرا، لكن الفئران تبحث عن صحبة
".
منذ ديوانه "قوم جلوس وحولهم ماء" الذي يبدو من عنوانه أنه يسخر من قصيدة بن سودون التي مطلعها: "كأننا والماء من حولنا... قوم جلوس حولهم ماء...
الأرض أرض والسماء سماء... والماء ماء والهواء هواء"... إلى هذا الديوان، يواصل أبو زيد الهزء من الافتعال والمبالغة اللذين عج بهم التراث الشعري، هذا التراث الذي يُعد محمد أكثر من غيره ابنًا له، وربما ضحيته، كونه طالبًا أزهريًا قضى أعوام دراسته النظامية بين أحضان تلك المؤسسة بما لها وعليها.
وبخلاف السينما، حيث يسمون التناص البصري لعملٍ مع عمل سابق، سواء على سبيل الديكور، أو عناصر المشهد، أو الموقف، أو أيٍ من العناصر الأخرى، تحية لهذا العمل السابق، وإعلانًا للإعجاب والتأثر به، فإن ما يفعله محمد أبو زيد في تناصاته مع التراث الشعري والأدبي منذ ديوان "قوم جلوس وحولهم ماء"، الذي تضمن أيضًا بيت امرئ القيس الشهير "مكرٍ مفرٍ مقبلٍ مدبرٍ معًا/ كجلمود صخرٍ حطه السيف من علٍ"،  هو السخرية أو بالأحرى "المسخرة". هو يجذب هذا الإرث بمبالغاته وادعاءاته وأكاذيبه عن البطولة والفحولة ويمرّغه في التراب، ليقول إن هذا ليس الشعر، ولا هذا هو الشاعر.
وفي هذا الديوان، لا يسخر محمد أبو زيد من التراث الشعري فقط، بل وحتى من العلم؛ من نظريات الطبيعة وقوانين الرياضيات، من مفكري السياسة والاقتصاديين، والسوسيولوجيين، مع عنايةٍ خاصةٍ بنقاد الأدب المتحذلقين، يحاكمهم بالهزء منهم، محملًا إياهم مسؤولية التقاعس عن إنقاذ العالم وجعله مكانًا أقل تعاسة بعد كل هذه الثرثرة والتنظير.
هذا هو ما يفعله الشاعر في النصف الأول من الديوان الذي يسيطر عليه الغضب والثورة، وكأنه ثائر حالم، راح في ذروة غضبه يحطم ما تطاوله يداه حوله بلا توقفٍ، إلى أن تعب وسقط على الأرض يراقب نزف يديه ويبكي، وهو ما جرى في النصف الثاني من الديوان الذي جاء أخفت نبرةً، وأكثر أسىً ووجدًا وإشفاقًا على الذات.
يقول محمد في قصيدةٍ يمكن عدّها مفتاح الديوان، وهي ذات عنوانٍ دالٍ "السيل والزبى والدموع... وأنا وأنت...":

بداخلي، بكاءٌ مكتوم
منذ سنواتٍ طوال
يتصاعد كدقات طبول الحرب
يزوم كغابةٍ غاضبة
يزبد كموجٍ يُصر على الوصول إلى طريق الأوتوستراد
يفور كقهوةٍ تركها صاحبها ومات
يغلي... مثلي تمامًا.
أخشى أن أنظر في عيونكم
فيخرج ويلتهمكم؛
لا قبل لكم به
لن تكفي السدود التي أنفقتم العمر في بنائها في كل مكان، ولا الجسور، لتساعدكم على الهرب.
لكن يمكنكم أن تفعلوا ذلك الآن
بينما أنا منكفئ على هذه الماكينة
أحاول أن أخيط جفني بلا فائدة
فتختلط الدماء بالدموع.
يمكنكم الآن أن تهربوا
قبل أن تقع عيني عليكم.

**

كما هي الحال في الفن الحقيقي، لا يعود المرء من قراءة قصائد هذا الديوان كما كان؛ كأننا ــ بحريةٍ زائفةٍ كالتي لدمية ماريونيت طويلة الخيوط ــ نسير ونركض ونعربد، إلى أن يسحبنا أحدهم من أوجاعنا وذكرياتنا، ويردنا إلى الوراء، إلى غرفة المرايا؛ ليضعنا قبالة أسئلتنا العالقة، أحلامنا المبتورة، روحنا المخذولة، تيهنا وهشاشتنا وضآلتنا الناتئة التي لم يرفق بها أحد، ولم يستطع أباطرة المختبرات ولا الدواوين ولا الشاشات التعبير عنها، بل على العكس واصلوا التشويش عليها.





لذا فقد تصدى لهم الشاعر عبر مسخرة مدوناتهم والتصويب على صورهم الذهنية، والهزء من جلال أشيائهم المقدسة، محاولًا تفكيك هذا الخراب الذي شيده المنتفعون.
الشكل، الإطار، العناوين، الكلمات الكبيرة، الدوال المدلولات، النصوص ومرجعياتها، كل هذا انشغل به أبو زيد بغرض تعريته وتجريده وتقشيره من زوائده، وصولًا إلى الحقيقة، أو إلى المبتدى، بيقينٍ أو بأملٍ نابعٍ من الإيمان بالإبداع والثقة به والتعويل عليه، وتوسله للاشتباك مع قسوة وغموض العالم، وكأن الإبداع هنا تميمة غير مشفرة، أو تميمة فردية تمامًا، يستعان بها على مواجهة وحش الوجود، والتحايل على ألغازه.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.