}
عروض

"أعيان وعسكر وأفنديّة": النخب الأردنية خلال مائة سنة

صقر أبو فخر

24 أغسطس 2026


I
عدتُ من عمّان في آب اللّهاب وفي يدي هدية راقية هي كتاب "أعيان وعسكر وأفنديّة: النخب والسياسة والمجتمع في الأردن" للباحث والمؤرخ الدكتور مهند مبيضين، صاحب كتاب "أهل القلم ودورهم في الحياة الثقافية في مدينة دمشق" (2005)، وكتاب "ثقافة الترفيه والمدينة العربية: دمشق العثمانية" (2009). وما إن شرعت في تنقيل ناظرَي بين صفحات الكتاب الجديد حتى اكتشفتُ أنه يشبه كوز الرمان الكركي الذي يغمر بالفرح كل مَن حدّق في زهوره المدهشة، أو ذاق أعسال حباته الطيبة. والكتاب في ألوانه المتناسقة مثل زهر الرمان بالفعل، حيث الواحدة تدعى "غول نار"، أي وردة النار، ومن هنا جاء الاسم "جلنار". ويكاد مهند مبيضين أن يصبح مؤرخ دمشق حقًا؛ ففي كتابه "أهل القلم" يرصد كل شيء عن المدينة، كالمدرسين والكُتّاب والشعراء والخطباء والأئمة والمتصوفة الذين كانوا سادة الكلام في أحياء الشام في النصف الأول من القرن التاسع عشر. وفي كتابه "ثقافة الترفيه" يجول في حارات دمشق كلها، ويتفرّج على جماليات تلك المدينة الدهرية، ويكتشف عوالمها الجميلة وصنائعها الأخاذة، كالموسيقى والغناء والرقص والأعراس والمقاهي والحكواتية والحمامات وسيران يوم الجمعة وبنات الهوى، علاوة على الحكايات الشعبية التي تزخر بها المدينة.





مهند مبيضين باحث ومؤرخ وأكاديمي وإعلامي وسياسي معًا (كان وزيرًا للاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية في عام 2023). ويتيح لنا كتابه الجديد الصادر في عمان سنة 2026 (576 صفحة) أن نرصد تطوّر الأردن الثقافي والاجتماعي والسياسي منذ تأسيس إمارة شرق الأردن في سنة 1921 حتى أيامنا هذه، من خلال سبع وثمانين شخصية أردنية لمعت في سماء الأردن طوال القرن العشرين الفائت وما بعده. لكن مهند مبيضين لم يكتفِ بالمعلومات الأولية كما نجدها في كتب التراجم أمثال Who’s who، بل أكبّ على وضع كل صاحب ترجمة في سياقه العائلي ومساره المكاني ومسيرته العلمية أو الأدبية أو السياسية. واللافت وجود ثلاث نساء كان لهن شأن في تاريخ الأردن المعاصر هنّ: صلفة محمود عودة ــ أم صخر (من معان)، وهي رائدة الدفاع عن حق البدويات في التعليم؛ ولمعة بسيسو، زوجة منيف الرزاز، صاحب كتاب "التجربة المرة"، ووالدة صديقنا الراحل الروائي مؤنس الرزاز؛ ووجدان جمعاني، زوجة المناضل البعثي ضافي جمعاني، الذي سجنه البعثي حافظ الأسد نحو عشرين عامًا بتهمة الانتماء إلى التيار البعثي الذي كان يقوده صلاح جديد، ونور الدين الأتاسي، ويوسف زعين، وإبراهيم ماخوس. وفضًلا عن أولئك النسوة، ثمة أخريات لم يُغفلهن المؤلف أمثال مريم اللوزي، وهيفاء نجار، ونوال حشيشو، ونجوى فرح.

II
لفتني في الكتاب وجود عدد من كرام الناس ممن يتحدرون من أصول غير أردنية، أمثال علي غندور من لبنان (سوري قومي اجتماعي)، والمؤرخ المعروف عبد العزيز الدوري من العراق، وسليمان حافظ، ومحمد السقّاف، وإبراهيم عز الدين، وهؤلاء الثلاثة حجازيون لحًّا لحًّا. وعلى منوالهم، إبراهيم شاهزادة، المولود في مدينة الزرقاء، وهو من البنجاب في شمال الهند، وزوهراب مركاريان الأرمني الكركي. أما الشركس والشيشان فكثيرون، وجميعهم انصهروا في بوتقة الأردن، وتظللوا بالراية العربية الهاشمية التي تقي جميع الأصلاب شر التفرق والعنصرية. والأردن اليوم هو البلد العربي الوحيد الذي تنفتح فيه رئتا كل عربي ما إن يدخل إلى العاصمة عمان. فالعروبة موجودة بقوة في هذا البلد بعد انكسارها في العراق، والتوائها الموقت في سورية. ومهما يكن الأمر، فإن عمان نفسها نشأت، في بداياتها التكوينية الحديثة، عند المحطة والسيل والمدرج الروماني جراء اجتماع أقوام شتى: شيشان وشركس وأرمن وتركمان وأكراد وشوام وحوارنة وبدو من الحجاز والعراق، وتجار من دمشق والخليل. وقد كان عدد سكان عمان في سنة 1909 نحو ثلاثة آلاف نسمة، وصاروا في سنة 2023 خمسة ملايين نسمة، وباتت أحياؤها متباعدة، وما عادت مقتصرة على حي الطفايلة (أهل الطفيلة)، وحي المعاينة (أهل معان)، على غرار مدينة الزرقاء وأحيائها الثلاثة: حارة الشوام، وحارة الشيشان، وحارة المعاينة. وفي هذا الفضاء الرحب لا أحد يقول للآخر "أنت لست أردنيًا"، مع أن بعض الجهلة، وهم قلة في أي حال، ينزلقون أحيانًا إلى مستنقع هذه الرذيلة العنصرية الكريهة والمندثرة.

شهد الأردن في خمسينيات القرن المنصرم وستينياته حيوية ثقافية وفكرية مشهودة بفضل الأحزاب والتيارات السياسية المتعددة الأفكار والعقائد والمراجع. ولعل البعث والناصرية كانا الأكثر تألقًا في تلك الحقبة، علاوة على الإخوان المسلمين، والشيوعيين، والحزب السوري القومي الاجتماعي، والقوميين العرب، ولا ننسى حزب التحرير الإسلامي، وبعض أحزاب الأعيان المحليين.
اللافت أيضًا أن معظم شخصيات إربد والكرك كانوا بعثيين، ربما لأن أهل إربد والكرك كانوا يرسلون أبناءهم للدراسة في الجامعة السورية (جامعة دمشق في ما بعد)، وبعض هؤلاء الطلاب صاروا بعثيين لجاذبية البعث في ذلك الزمان. ثم إن عجلون وإربد وجرش والمفرق والرمثا هي مدن منثورة في سهل فسيح يُعدُّ امتدادًا لسهل حوران في جنوب سورية، والعائلات على جانبي الحدود واحدة في الأصول، مثل آل الزعبي، والشرع، والعودات، والمسالمة، والمحاميد، والرفاعي، والنعيم، والصمادي، والجرادات، والسويدان، والإزرعي، والكفيري، والقطامي، والحاج علي.

III
رصدتُ 33 اسمًا من بين 87 شخصية وردت سِيَرها في هذا الكتاب. وقد طابق هذا الرقم عدد حبات السُبّحة (33 حبة)، أو سنوات السيد المسيح الذي عُمّد في نهر الأردن (عاش 33 سنة بحسب الروايات الإنجيلية). ولعل تصنيفي لهؤلاء تبعًا للانتماءات السياسية يساهم، ولو جزئيًا، في فهم تاريخ الأردن الحديث الذي بدأ مع عهد الملك عبد الله الأول حتى رحيل الملك حسين بن طلال في سنة 1999. واللافت أن حزب البعث كان أكثر الأحزاب الأردنية قدرة على استقطاب النخب المتعلمة (16 شخصًا)، تليه جماعة الإخوان المسلمين (6 أشخاص)، فالشيوعيون (4 أشخاص)، فالقوميون العرب (3 أشخاص)، فحزب التحرير الإسلامي (شخصان)، ثم الحزب السوري القومي الاجتماعي (شخص واحد).




أما البعثيون فهم: حسني عايش (شيوعي سابق ثم بعثي)، وكامل أبو جابر، وفايز الصياغ، وتيسير الحمصي، وأحمد اللوزي، وعلي السحيمات، وعبد الله عليان، وحرّان زريقات، وحسين مجلّي، ومحيي الدين الحصري، ووديع صوالحة، وثابت الطاهر، وسليم الزعبي (انقلب إلى الناصرية على طريقة عبد الله الريماوي، وجمال الأتاسي)، ونايف القاضي، وعزمي محافظة، وعبد السلام المجالي، علاوة على سالم الخوري، ومضر بدران (ليسا من قائمة الكتاب، لكنهما مذكوران في طياته). أما الشيوعيون فهم: باجس حدادين، ومحمود الكايد، ويعقوب زيادين، وزيد حمزة. فيما اقتصر القوميون العرب على حازم نسيبة، ومروان كمال، وعبد الله النسور. ومن الإخوان المسلمين ورد محمد الجمل، وفهد أبو العثم، وإسحق الفرحان، وعدنان الجلجولي، وعبد المجيد ذنيبات، وعبد الرؤوف الروابدة، ومعهم جمال الصرايرة، الذي كان إسلامي النزعة من دون الانتماء الحزبي. ومن الحزب السوري القومي الاجتماعي طارق مصاروة. ومن خارج قائمة الكتاب بطرس حمارنة، السوري القومي الذي سمّى ابنه البكر مصطفى تيمنًا بمصطفى ارشيد، رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي (مسيحي واسمه مصطفى). ومن الوحدويين الاشتراكيين ياسين الحسبان، ومن حزب التحرير عادل الطويسي، وجاسر الشوبكي. وبطبيعة الحال، لا تعد هذه القائمة ممثلة للمجتمع الأردني البتة، إنما هي تكثيف للقائمة التي توفر الدكتور مهند مبيضين على درسها، وسجل بعض ذكريات أصحابها وأحوالهم ومصائرهم، وهو عمل يحتاج إلى صبر وأناة، وإلى المعرفة قبل كل شيء، وهو ما يتميز به هذا الكتاب الجليل.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.