صدر حديثًا باللغة الإسبانية ديوان "أفعى جلجامش وقصائد أخرى" للشاعر العراقي غريب إسكندر، عن دار أفيرسو بويسيا، في ترجمة أنجزها الشاعر والمترجم عبد الهادي سعدون. ويأتي هذا الإصدار ليضع تجربة شعرية عراقية معاصرة في متناول القارئ الإسباني، فاتحًا جسرًا جديدًا بين الشعر العراقي والفضاء الأدبي الناطق بالإسبانية.
وكان الديوان قد صدر للمرة الأولى عام 2012 بالعربية عن دار الفارابي في بيروت وفي عام 2016 صدر في طبعة ثنائية اللغة، بالعربية والإنكليزية، عن دار نشر سيراكيوز في نيويورك بعد أن فاز بجائزة جامعة أركنساس للترجمة عام 2015، قبل أن يجد طريقه إلى الإسبانية في إصدار جديد يوسّع دائرة حضوره وانتشاره. ويعيد الكتاب من خلال عنوانه استحضار شخصية جلجامش، بطل الملحمة الرافدينية القديمة، غير أنَّ الشاعر لا يتعامل معها بوصفها أثرًا أسطوريًا من الماضي، بل يجعل منها رمزًا للإنسان المعاصر في صراعه مع الغياب، والموت، والخراب، والمنفى، والرغبة في العثور على معنى للحياة.
وفي مقدمته للديوان، يوضح عبد الهادي سعدون أنَّ هذا العمل لا ينتمي إلى الكتب التي تولد لتروي حكاية مكتملة، بل إلى الكتب التي "تجوب جرحًا"، فقصائد غريب إسكندر لا تنتظم وفق حبكة سردية تقود إلى أجوبة نهائية، وإنما تتحرّك داخل فضاء ملتبس تتجاور فيه الذاكرة والنسيان، والحياة والموت، والحضور والغياب. ومنذ الصفحات الأولى، يجد القارئ نفسه أمام شعر يقوم على البحث، لا عن حقيقة مطلقة، وإنما عن ذلك الشيء الذي يبقى حين تختفي الأسماء والأوطان والأجساد والأحلام والكلمات.
ويحتل جلجامش موقعًا محوريًا في البنية الرمزية للديوان. فهو يظهر بوصفه صورة للإنسان الذي يخوض رحلة داخلية مثقلة بالخسارة والرغبة في الفهم، قبل أن يكتشف أنَّ الخلود ليس خلاصًا ممكنًا، وأنَّ الحكمة الأعمق قد تكمن في قبول الهشاشة الإنسانية بوصفها قدرًا مشتركًا بين البشر. ومن خلال هذه الرؤية، تتحوّل الأسطورة إلى لغة معاصرة للتعبير عن تجارب الاقتلاع، والانكسار، واستمرار البحث عن الذات وسط عالم مضطرب. كما يشير المترجم إلى أنَّ الصمت يمثل أحد العناصر المركزية في الديوان. فالصمت هنا ليس فراغًا أو غيابًا للغة، بل حضور قائم بذاته، تحيط به الكلمات وتستمد منه دلالتها. إنَّه يتكلم ويتذكر ويرافق ويحاكم، ويتحوّل إلى شكل من أشكال المعرفة التي تتجاوز التفسير المباشر، وتتيح للقارئ الإصغاء إلى ما يختبئ خلف ضجيج التاريخ والأيام.
وتتكرر في القصائد رموز مثل الدموع والنسيان والغياب، بوصفها محطات في رحلة داخلية واحدة. فالدموع ليست تعبيرًا عن الألم وحده، بل ذاكرة سائلة وشهادة على ما حاول الزمن محوه. أما النسيان، فيتجاوز كونه فقدانًا للذكريات ليصبح قوة تسهم في تشكيل الهوية، بينما يغدو الغياب نوعًا من الحضور المستمر الذي يرافق الإنسان في علاقته بالماضي والأحبّة والأمكنة.
ومن جهتها، تقدم دار أفيرسو بويسيا الشاعر غريب إسكندر بوصفه واحدًا من الأصوات البارزة في الشعر العراقي المعاصر، إذ تبلورت تجربته في ظل النزاعات التي طبعت التاريخ العراقي الحديث، من حروب ومناف. وترى الدار أنَّ شعره يشكل جسرًا بين الإرث الرافديني العريق والأسئلة الإنسانية الكونية في العالم المعاصر.
وتؤكد الدار أنَّ إسكندر يستعيد في هذا العمل شخصية بطل الملحمة السومرية ليجعل منها رمزًا للإنسان الذي يواجه الخراب والاقتلاع من الجذور. وبصوت شعري متزن وكثافة رمزية لافتة، تتحرك قصائده بين المرثية والرجاء، وبين الوعي بما فُقد والإيمان بالكلمة الشعرية بوصفها فعلًا من أفعال المقاومة.
وختمت دار النشر بقولها: إنَّ "أفعى جلجامش وقصائد أخرى" ليس ديوانًا عن الأسطورة وحدها، ولا عن التجربة العراقيّة وحدها، بل كتاب عن الإنسان في مواجهته الدائمة للزمن والموت والنسيان. وهو عمل يحوّل الذاكرة الشخصية إلى ذاكرة جماعية، ويمزج صورة الأب والمدن والقصص العاطفية والدمار والبعث في عالم شعري واحد. وعندما يغلق القارئ الكتاب، لا يشعر بأنّه بلغ خاتمة نهائية، بل اكتسب طريقة أخرى للإصغاء إلى العالم؛ حيث يصبح للغياب صوت، وللصمت ذاكرة، وللدموع حكمة، وتتحول هشاشة الإنسان إلى جمال شعري قادر على مقاومة المحو.


تحميل المقال التالي...