}
عروض

في تطوّر "اللوبيّات الصهيونية"

عمر شبانة

27 أغسطس 2026
 


في كتابه "اللوبي الصهيوني على ضفّتَي المحيط الأطلسي"، يخصص المؤرّخ الإسرائيلي إيلان بابيه، المعروف بمعاداته للصهيونية، بحثَه الموسّع والمعمّق لمحور من محاور نشوء الحركة الصهيونية وتطوّرها، أعني ما يتعلّق بـ "اللوبي الصهيوني"، وخصوصًا على ضفّتي المحيط الأطلسيّ، منذ نشأته في منتصف القرن التاسع عشر، حتى يومنا هذا. والكتاب الذي صدر حديثًا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر (ترجمه إلى العربية أحمد حسن المعيني، ويقع في 656 صفحة من القطع الكبير) يبدأ بكلمة المؤلّف لتقديم الترجمة العربية، ويتتبّع تاريخ اللوبيّات الصهيونية منذ نشأتها وانتشارها على رقعة واسعة من العالم وحتى يومنا هذا.

أمّا المعضلة الأساسية التي دفعته إلى تأليف الكتاب، فهي كما يؤكد أن "اللوبيّات" ظلت أهمّ لإسرائيل من كل عوامل الدعم الأخرى. أمّا ضرورة ترجمة الكتاب للعربية، فهي - ابتداءً- كون "اللوبي" يظهر في الأدبيات العربية بصورة مشوّشة، وكأن من الصعب تحقيق انتصار عليه أو إلحاق هزيمة به. و"هذا التصوّر فتح الباب على وسعه لنظريات المؤامرة غير المجدية بالمرّة للصراع من أجل تحرير فلسطين وتحقيق حرية شعبها".

في مقدمّة الكتاب، لمحة عن موقع المؤلّف في تيّار "المؤرّخين الجُدد"، عبر انشغاله في بريطانيا بتقديم دراسات تقع ضمن مواجهة دولة الكيان واللوبي الصهيوني، من خلال عقد المؤتمرات المتخصصة للبحث في كيفية الوصول إلى حلّ عادل للقضية الفلسطينية. فالمؤرّخ بابيه يروي، من موقعه "مديرًا للمركز الأوروبي للدراسات الفلسطينية" في جامعة إكستر، مبادرته إلى عقد مؤتمر بعنوان "الاستعمار الاستيطاني في فلسطين"، وما جرى من محاولات "مجلس نوّاب اليهود البريطانيين"، أبرز أدوات اللوبي الصهيوني في بريطانيا، لتعطيل المؤتمر، ومحاولات التصدّي من قِبل مُنظِّمي المؤتمر وإنجاح إقامته. ثم يلتفت ليؤكد أن المؤتمر المذكور "لم يكن يملك أن يُغيّر الواقع في إسرائيل وفلسطين، ولا أن يُسهم في تخفيف محنة الفلسطينيين، غير أن ’اللوبي’ يصرّ دائمًا على أن يكون حاضرًا، في كلّ مكان، على ضِفّتَي المحيط الأطلسيّ"! 

ولمّا كنّا، مع هذا الكتاب، أمام حجم هائل من المعلومات والتحليلات والمراجع والإحالات، الأمر الذي اضطرّ معه المؤلف لدعوة قرّائه إلى الكثير من "الصبر"، فإننا سنكتفي بعرض أبرز محتوياته للتعريف بهذا الجهد "التأريخيّ" الضخم والمتميّز في مجاله.
ففيما يتعلّق بنشأة أوّل "اللوبيّات"، منتصف القرن التاسع عشر، والقوى التي أسهمت في قيامه، يرى بابيه أنّ المشروع الأوروبيّ "غير المفهوم" لفرض دولة يهودية غربية على حساب الشعب الفلسطيني، تحوّل إلى واقع تسبّب في إحداث جرح عميق للشعب الفلسطيني وللمحيطين بفلسطين. وهو في هذا السياق يميّز بين طرفين أسهَما في قيام اللوبي، إذ- كما يرى- لم يكن الجميع ذوي أهداف سلبية، بل إن "البعض كان يعتقد، في بداية الطريق، أنه يدعم اليهود أو يوفّر لهم مساعدة لتحقيق خطة الله المسيحية" (رؤية المسيحية الإنجيليّة الأُخرويّة لإنقاذ يهود أوروبا من معاداة الساميّة، مع تأكيد المؤلف على أن وجود الصهيونية و"لوبيّاتها" سابق على النازية والفاشية). وعلى الطرف الآخر فـ"كلّما تبيّن أنّه لا يمكن تحقيق ذلك إلا بالقوة الصهيونية، كان صعبًا على هؤلاء الذين دعموا المشروع الاستمرار في سيرِهم هذا".


ما هو اللوبي؟ 

يكفي القول- باختصار- إن اللوبي "كيان مُمَأسَس" يمارس الضغط السياسيّ لتغيير سياسة حكوميّة، أو غير حكومية، أو إحداث تغيير في الرأي العامّ. وهذه ممارسة معروفة منذ القرن السابع عشر. وبعيدًا عن هذه البدايات، يؤكد بابيه نيّته لحلّ لغز "استماتة" الدولة الإسرائيلية في دفع العالم للاعتراف بشرعيّتها، رغم كل ما يتوفّر لها من أسباب التفوّق، وهو ما تمارسه النخب أيضًا؟ ولحلّ هذا اللغز، يفترض بابيه افتراضات وفرضيّات، وملاحظات عدّة، لاختبارها. الافتراض الأول هو أن قادة الحركة الصهيونية (وقادة إسرائيل)، يدركون "الظلم المتأصّلَ في مشروعهم، أو على الأقلّ يدركون الأبعاد غير الأخلاقية لهذا المشروع الذي يبدو حلًّا ‘نبيلًا‘ لمعاداة  الساميّة في أوروبا". ويعتقد بابيه أن قادة إسرائيل يدركون اليوم "وجود كثيرين حول العالم يرَون في الصهيونية مشروعًا جائرًا واستعماريًّا".

ويفترض بابيه أيضًا أن "الصهيونية لم تكن واثقة من نفسها، فاستغنت عن ’الحجج الأخلاقية’ في تعاملها مع عامّة الناس، واستبدلت ذلك بـ’الاستثمار في النخب’، الأمر الذي يتطلب وفرةً في المال والعلاقات والتأييد الفاعل". كما يفترض بابيه أن اللوبيّات، وخصوصًا في بريطانيا وأميركا، صارت تمثّل مؤسسة قائمة بذاتها وبمصالحها التي تجعلها تتصرف لتدافع عن وجودها، وليس بالضرورة عن مصالح إسرائيل. أما ملاحظة بابيه في ما يتعلّق بأهمية اللوبيّات، فتتمثل في أن وعي إسرائيل بعدم شرعيّتها، وما ينتج عنه من حاجة إلى التأييد المستمرّ، هو نتيجة فشل الصهيونية في إنجاز المشروع الاستعماري الاستيطاني الذي أطلقته عام 1882، إذ فشلت في القضاء على السكّان الأصليين، فهؤلاء باقون في أرضهم شهودًا يقاتلون ويصرّون على نيل حقوقهم، على العكس مما جرى في حالات استعماريّة أخرى.


اللوبيّات ما قبل الدولة

يعود التفكير باللوبيّات وتأسيسها في أوروبا إلى ما قبل التفكير بفلسطين كدولة لليهود، فالمؤلف يربط بين قيام الصهيونية، منذ هرتسل، ونشوء اللوبيات، ربطًا يجعل هذه الأخيرة ضرورية للأولى، منذ "مواجهة" الصهيونية لمعاداة السامية. ولعل من باب الاستطراد والتوسّع أن يتوقّف المؤلف، مطوّلًا، عند مشاعر المُناصرين للصهيونية من يهود ومسيحيين تجاه فلسطين في القرن التاسع عشر، فهي لم تكن فلسطين التي نعرفها اليوم، بل هي "الأرض المقدسة"، وهي أرض بلا شعب، وإنما مع جماعة صغيرة من المسيحيين واليهود الذين ظلّوا بعد طرد رفاقهم من قِبل الإمبراطورية الرومانية...؟!

هنا يتوقّف بابيه ليلفت الانتباه إلى أن بعض المسيحيين الأوروبيّين، من مناصري اليهود، ظلّوا يحتفظون بـ"معاداتهم للسامية"، وقد تجسّد هذا في تشجيع اليهود على الرحيل عن أوروبا نحو فلسطين، منذ عام 1866، وتحديدًا في حزيران/ يونيو منه، حين وضع أمير ويلز حجر الأساس لـ"الجمعية البريطانية والأجنبية للكتاب المقدّس"، و"بتمويل سخيّ من الملكة فكتوريا ووليم أمير بروسيا". هذه الجمعية التي أشرف عليها أنتوني آشلي كوبر، الذي استحوذت على اهتمامه قضية إنشاء دولة بريطانية يهودية في فلسطين، في قلب الدولة العثمانية، وذلك يعود إلى طروحات مسيحية يهودية معقّدة لا إمكانيّة ولا ضرورة للخوض فيها هنا. بل تنبغي الإشارة إلى أن تشارلز تشرشل (أحد أسلاف ونستون تشرشل) هو من وضع، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، الأساس الذي قام عليه- لاحقًا- وعد بلفور.

وجدير بالانتباه ما يؤكده بابيه من أن مَن مارسوا الضغط ويمارسونه حتى اليوم، سواء كانوا مسيحيين أو يهودًا، قد تمكّنوا من إيصال أصواتهم عبر صُنّاع القرار في العالم، وهو ما لم تتمكّن منه الحركة الوطنية الفلسطينية التي لا تزال، حتى يومنا هذا أيضًا، تُعاني كي تجد لها موطئ قدم بين النخبة السياسية الدولية. ويعود بابيه إلى عام 1866 ليرى في رئيس الوزراء البريطاني آنذاك بنجامين دزرائيلي واحدًا من أوائل وأكبر الداعمين للصهيونية، ويشير إلى مقال له "كتبه عام 1877 توقّع فيه نشوء دولة يهودية في فلسطين قوامها مليون شخص، في غضون خمسين عامًا".

وفضلًا عن نخبة السياسيين الداعمين للصهيونية، يذكر بابيه عددًا من كبار الأدباء كانوا جزءًا مهمًّا من المساعي الحثيثة لدعم ما يسمّى "استعادة دولة لليهود"، كما فعلت البريطانية جورج إليوت (ماري آن إيفانز)، في رواية "دانييل ديروندا" التي كرّس بطَلُها حياته لهذه القضية. بل إن هذه الرواية، بحسب بابيه "صهيَنَت المثقف اليهودي المعروف إليعازر بيرلمَن الذي، بدوره، غيّر اسمه إلى إليعازر بن يهودا، وهو يُعتبر ’أب اللغة العبرية الحديثة’ التي أصبحت اللغة المشتركة بين أوائل المستوطنين الصهاينة، ومن ثمّ لغة الدولة الإسرائيلية".

ومن بين مَن يُسمَّون بـ"الصهاينة الأغيار"، يلفت بابيه النظر إلى صهيونيّ مختلف ربّما، هو لورنس أوليفانت (1829- 1888)، ويسمّيه "الاستعاديّ المتحمّس"، الذي حاول الدفع بتأسيس أول مستعمرة يهودية فلسطين، وقد "ارتأى أن الطريقة المُثلى لترويج أفكاره هي نشر كتاب يرسله إلى أعضاء البرلمان والوزراء، واختار لكتابه عنوان ’أرض جلعاد’، حثّ فيه على المساعدة في ’إرجاع’ يهود شرق أوروبا إلى فلسطين". والمختلف في أمر أوليفانت هذا أنّه كان أوّل "ضاغط سياسيّ" يلتفت إلى وجود "آخرين" يعيشون في فلسطين، أي أنها ليست "أرضًا بلا شعب"، لكنه اقترح اللجوء إلى النموذج الاستعماري الاستيطاني الأميركي، بدفع السكّان الأصليّين إلى "محميّات معزولة" كـ"حلّ موفّق لوجود شعب أصليّ في فلسطين". 


اللوبيّات في الولايات المتحدة الأميركية

إذا كان روّاد الصهيونية البريطانيون عملوا على هامش اللاهوت المسيحيّ، فإن نظراءهم في أميركا عمِلوا تحت راية "الاستعاديين"، لكن التفاعل بين الطرفَين أنتج ما سيعرف بـ"البنية الأيديولوجية لحركة صهيونية مسيحية سياسية أميركية قوية في القرن العشرين". وكما أيّد كتّاب بريطانيون مشروع هجرة اليهود إلى فلسطين ودعموها، فقد أيّدها ودعمها الأميركي ديفيد أوستن، الذي بنى أرصفة وفنادق لإطلاق هجرة يهودية واسعة النطاق من أميركا الشمالية إلى فلسطين. وسوف نُفاجَأ بوجود واحد من أكبر كتاب أميركا في القرن التاسع عشر بين الداعمين، وهو هيرمان ملفيل (1819- 1891) صاحب الرواية الشهيرة "موبي ديك" (قرأناها بترجمة إحسان عبّاس).

جرى تأسيس اللوبي الصهيوني في أميركا عام 1869، في فندق كوينز رويال. ولا يغفل بابيه عن دور رجل أعمال أميركي هو يوجين بلاكستون الذي كرّس وقته وثروته لـ"إعادة" اليهود إلى فلسطين، فصاغ رؤيته في كتاب بعنوان "يسوع قادم"، وكان من أكثر الكتب مبيعًا في عام 1878. ولا ينسى بابيه أيضًا التوقف عند واحد من الصهاينة المسيحيين الأوائل، هو سايرس سكوفيلد، مؤلّف "كتاب سكوفيلد المقدّس"، الكتاب الذي "حوّل ملايين من الأميركيين إلى صهاينة صارمين".
وبتجاوز بعض المحطّات في الكتاب، نصل إلى القرن العشرين، حيث برز دور الناشط والروائي فرانك نوريس، في مرحلة حسّاسة سبقت قيام دولة الكيان، إذ مارس  نوريس في العامَين الحاسمَين (1947- 1948) ضغطًا شخصيًّا على الرئيس هاري ترومان لاعتماد سياسة مؤيدة للصهيونية. وإلى اليوم، نستطيع رصد دور اللوبيّات في الدفاع عن سياسات إسرائيل "الإباديّة" في غزّة وغيرها، بوصفها "دفاعًا عن النفس"!

***

يبقى اللافت في كتاب بابيه هذا، عدا عن الكثير من التفاصيل، أسلوبه السرديّ المقارب للسرد والوصف الروائيّين، فنقرأ بلغةً تقارب اللغة الأدبيّة، وصفه "جوهرة من جواهر القدس الخفيّة"، تقع على طريق الصعود نحو "باب الخليل" في القدس القديمة، بمحاذاة السور العثماني في اتجاه القلعة، حيث مدرسة غوبات القديمة التي بناها الأسقف الأنجليكاني صموئيل غوبات في منتصف القرن التاسع عشر كمدرسة للبنين، أمّا اليوم فهي كلّيّة أميركية تحتوي ملصقاتٍ تدعم فكرةَ "إسرائيل الكبرى" وفكرة "القدس الصهيونيّة"، في حركة تتماشى مع أشدّ الحركات الاستيطانيّة يمينيّةً في إسرائيل.

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.