}
عروض

"ضلّت غريبة": سيرة ذاتية حول الجذور والغربة

حسام معروف

3 أغسطس 2026



هل يعود الموتى لمشاهدة الأرض من جديد، ومتابعة سقيا الذكريات؟ أو هل يتمكن الإنسان من حذف تجاربه والبدء من جديد من دون أرق؟  في كتابها "ضَلَّت غريبة" الصادر عن دار "خان الجنوب" للنشر (2026)، تقدم الكاتبة الفلسطينية رشا حلوة طرحًا حول تلك المفاهيم وأكثر، عبر سيرة ذاتية ليوميات الشتات؛ وذكريات الأرض والعائلة. وهي، بذلك، تضعنا أمام مرآة وجودية تفكك فيها تشابكات حزن الجدات في جبال الجليل، وخوف الأمهات في الغربة. إنه نص يضع الحواس في المنتصف، ويضع القارئ أمام اختبار جديد مع الهشاشة والنقمة في آن واحد. فمن يحتمل مشاعر المغترب والمنسلخ عن أرضه؟ ومن يستطيع أن يشاهد، ولو بخياله، قهر الآخر ولا يلعن وحشية السياسة والجنرالات في العالم؟
تبدأ رشا حلوة رحلتها بمساءلة مفهوم الغربة نفسه، محاولةً ترجمته لغويًّا ونفسيًا، لتكتشف أن الكلمة باللغة العربية تحمل ثقلًا تاريخيًا وعاطفيًا يعصى على الاستيعاب باللغات الأوروبية. البداية ليست مجرد تأريخ لجغرافيا المكان بين عكا وحيفا، بقدر ما هي تثبيت لجدران الذاكرة؛ حيث يظهر طيف الأب "جورج" والجدة "سلمى" كحراسٍ للبدايات الأولى، ليتضح أن الشتات لا يبدأ من لحظة صعود الطائرة، بل من لحظة الولادة في جغرافيا مهددة بالاقتلاع.
تستعيد حلوة لحظات من ذاكرتها، ليست عابرة، ولا تجسد موقفًا في حياتها. إنها لحظات من ذاكرة الفلسطينيين جميعهم، فهم من وقعت عليهم الجريمة، وهم من عايشوا بؤسًا جماعيًا، وبالتالي كل قصة من واحد منهم، تتحدث عن الجميع.
يتكثف المسرح الوجودي عند الكاتبة عبر سرد لحظات من الماضي، وفي كل لحظة تصبح المساحة أوسع لاكتشاف سيرة الفلسطيني والوقوف على تفاصيل تغريبته.
داخل شقة في أمستردام تحولت السيرة إلى معمل لقياس مدى تداخل الثقافات. هناك تنصهر الأمومة بتجربة الغربة عبر طفلتيها التوأم سلمى وشهرزاد؛ حيث تشاهد الأم طفلتيها تتنازعان بين مخارج حروف الحاء والعين وبين الخبز الإفرنجي الجاف، ويثقل كاهلها السؤال الوجودي حول كيفية حماية الأطفال من ضياع لغتهم من دون سجنهم في الماضي، في صراع حي بين طقوس المطبخ العربي وجلسات العلاج النفسي عبر "زووم". ثم يصل النص في نهايته إلى نقطة حكمة هادئة وموجعة تتلاشى فيها حدة الصراعات لصالح قبول حنون بالفقد والهوية المركبة؛ إذ أن الاعتياد على قسوة الغربة جعل منها رفيقًا دائمًا، ويتجلى ذلك في نص "سر المجدرة ورائحة الزيت" حين تكتشف الأم أن طفلتيها تحبان رائحة البصل المقلي وزيت الجارة "أم عيد".
تكتب رشا:
"سأعيش كثيرًا بعد هذا الطعم باحثة عنه في الدكاكين الأوروبية، تلك الأوروبية فعلًا التي تبيع أنواعًا وأشكالًا وألوانًا من البندورة، المحلية والمستوردة، وتلك التي يعود أصل أصحابها إلى المغرب، أو تركيا، أو حتى لبنان، وسورية، وفلسطين، ولن أذوق طعم البندورة البلدية إلا في زياراتي السريعة لفلسطين".




اعتمدت الكاتبة في صياغة عالمها على شبكة مكثفة من الرموز الحية التي تمنح الأشياء العادية قيمتها الوجودية العليا. فشتلة الحبق قد يراها البعض نبتة خضراء تزين شرفة في أمستردام، ولكن هي تجسيد للهوية المرتحلة التي تصر على  ممارسة دورها  في حماية الذاكرة من التلف، أو الخراب. كما يرمز صندوق الغداء المدرسي "الزوادة" إلى الصدمة الثقافية اليومية بين اللبنة والخبز الإفرنجي، بينما يبقى جيب قميص الأب المتوفى "جورج"، الذي احتفظ فيه بأول نص كتبته رشا في طفولتها، رمزًا للأمان الأول والمظلة الإبداعية التي تطير تحتها الكاتبة في مهاجرها.
وحتى المخارج الصوتية لحرفي الحاء والعين تتحول إلى أسلحة دفاعية أخيرة لإبقاء النافذة مفتوحة على شمس الجليل.

تروما
​في سيرتها، تقدم حلوة قيمة إنسانية وفلسفية لا يمكن إغفالها.
فمن خلال جلسة العلاج النفسي عبر "زووم"، تأخذنا الكاتبة إلى غرفتها في أثناء جلسة علاج لتفريغ قلق الأمومة والاكتئاب، صارخة بتكرار موجع "أريد فقط أن أخصص ساعتين لألعب معهما من دون قلق". في هذا، كشف عن مفارقة الإنسان الحديث؛ فالخوف والذعر اللذان تعيشهما الكاتبة نتاج تروما تاريخية موصولة بليلة تفجير قرية "إقرث" عام 1951، وتشريد الجدة "سلمى"، وليسا عرضين نفسيين طارئين. في ذلك يتجسد التشابك مع الواقع الإنساني الذي يكتشف فيه الفرد أن قلقه الدائم هو أرشيف ممتد من صدمات الآباء.
من ناحية أخرى، تقدم حلوة رسالة الاعتذار لابنتها "شهرزاد" لأنها ولدتها في بلاد غريبة باردة بعيدًا عن أدفأ مدن الشرق. يبرز هنا تناقض الشعور بالذنب الملازم للأمومة في الشتات؛ فالأم لا تعتذر عن تقصير المادة، بل عن تقصير الجغرافيا، مما يلامس أزمة ملايين المهاجرين الذين يعيشون تمزقًا وجدانيًا بين توفير الأمان المادي لأطفالهم وحرمانهم من دفء الجذور. فتبقى دومًا في حياة المغترب خطوة ناقصة، هي من تخرب جمال رحلته، إنها الخطوة على أرض المنشأ.

لغة كالزوادة
​لا تسرد رشا حلوة بلغة تقريرية، أو توثيقية باردة، فتأتي الأحداث بآلية متسلسلة، تتغذى على الشفافية الرمزية والهمس الوجداني. تبرز قوتها عبر المزاوجة بين المفردات المحكية الشافية، مثل "حناين"، و"الزوادة"، ودمجها بسلاسة داخل هيكل فصيح، مما يعكس تمزق الذات بين الشغف للأصل وتعقيد المهاجر. كما تستخدم الكاتبة تقنيات البناء الصوري؛ فبدلًا من شرح معنى الفقد، تجعلنا نرى الأب المتوفى يجلس على كنبته البنية في صالة أمستردام والتلفاز مضاء. يخلو النص من الصراخ السياسي المباشر، أو المظلومية الفاقعة، فتميل اللغة إلى التهكم اللطيف، والحزن النبيل، مكتوبة بنبرة خفيضة لصالح الصدق الشعوري العاري.
تتجاوز مقاصد الكاتبة مجرد تدوين السيرة الذاتية، لتصل إلى أهداف وجودية وثقافية أعمق، على رأسها أنسنة التروما عبر تجريد المأساة الفلسطينية من أرقام الأخبار، وتجسيدها في كيفية تأثير الخسارات التاريخية على إعداد الطعام، أو نوم الأطفال. كما تسعى لبناء أرشيف أنثوي عبر التركيز على سلسلة النساء في العائلة (الجدات والأم والتوأم) لحماية تاريخهن الشفوي من المحو، فضلًا عن تصحيح معنى النجاة بالتأكيد على أن الوصول إلى أوروبا لا يعني النجاة الذاتية، بل تكمن النجاة الحقيقية في التصالح مع الغربة وتحويلها من سجن إلى مساحة لرؤية الذات.
تكتب حلوة:
"على أي حال، أفعل كل شيء كي أشعر أني في البيت. لكن عندما تسيطر اللغة الهولندية على فضائه أعود فلسطينية في عكّا. بكلمات أخرى: تيتي تيتي، مثل ما رحتي مثل ما جيتي... غريبة في بلادي".

مسارح مفتوحة
استوقفتني نهاية الكتاب بلفتة شعرية وإنسانية، فالكتاب لا ينتهي بقرار حاسم، أو بحل سحري لأزمات الهوية، بل بما يشبه الهدنة الروحية مع الحياة. تراجع الخصومة بين الكاتبة وبيئتها الجديدة لتصبح أمستردام، أو برلين، مسارح مفتوحة أودعت فيها بذور ذاكرتها. إن كلمة "ضَلَّتْ" في العنوان والختام تأخذ بعدًا مزدوجًا، فهي تعني الضياع الظاهري، لكنها تحمل في باطنها معنى الأثر المتبقي الذي يرفض أن يزول. الغريبة تضل طريقها للعودة المادية إلى الماضي، لكنها في هذا الضياع بالذات تجد طريقها الأصيل نحو ذاتها ونحو أبنائها، لتصبح الغربة أداة حادة ورائعة لرؤية العالم بكثير من التساؤلات والغموض.
​إن قراءة "ضَلَّتْ غَرِيبة" لا تنتهي بوضع الكتاب جانبًا، حيث تبدأ من تلك اللحظة بالذات، فيدفع النص نحو وقفة صامتة مع الحياة الخاصة والمساءلة الدائمة، إذا كانت الذاكرة تتخذ من الروائح والأصوات ملجًأ لها حين تضيع الأوطان، فما الذي يتبقى منا حين تتغير اللغات التي يعبر من خلالها أطفالنا؟ وهل الغربة حقًا هي الانتقال من جغرافيا إلى أخرى، أم إن الغربة الحقيقية تبدأ عندما نكتشف أن المنازل التي بنيناها في قلوبنا لم تعد تتسع لأصواتنا القديمة؟
في الكتاب كشف للطريق عبر كشاف نور هادئ، وتفحص للماضي مع دمج بالحدث الآني، من خلاله يمكن ملاحظة التغيرات التي تطاولنا بتغير المكان، أو فقدان شكله القديم، إنها الغرزة الأكثر حداثة في الذات، لنضع فلسفة جديدة لألمنا الذي نحمله على طول الطريق.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.