}
عروض

"توراة مكّة والنبي المُنتظر": في فتح ملفّات مسكوتًا عنها

محمود شريح

5 أغسطس 2026


يردّنا الدكتور محمد مصطفى منصور في جديده "توراة مكّة والنبي المُنتظر" (*)- (كنز ناشرون، بيروت 2026)- إلى دراسته الطبّ في جامعة بيروت الأميركية (دفعة 1978) بناء على نصيحة أستاذه د. عمر فرّوخ، وأنه في خريف 1971 أمسكَ لأوّل مرّة بنسخة عن التوراة وقت دراسته الحضارات القديمة في أميركية بيروت، وكانت لديه استفسارات حول المادّة التاريخيّة، لكن أستاذه أحبطها، إذ قال له إنّ التوراة كتاب تشريع ومبادئ أخلاقيّة، وأنّها ليست من المصادر التاريخيّة المعتمدة، فما إن أصدر كمال الصليبي "التوراة جاءت من جزيرة العرب" حتّى تيقّن د. منصور بأنّ تساؤلاته وشكوكه كانت في محلّها.
يرى د. منصور أنّ الدين أساس الحضارة، وأنّ لا حضارة بلا دين، ذلك أنّ تاريخ الحضارات القديمة يحتاج إلى نصوص كي تستقيم معرفته، فالنصوص تحتاج إلى معرفة القراءة، وهذه تعتمد على المعرفة الصحيحة للغة المعنيّة، فالآثار والنقوش في حضارة بني إسرائيل حالة فريدة، إذ أن هنالك تحريمًا إلهيًا ضدّ رفع الأزاميل المعدنيّة فوق الحجارة (سفر الخروج 20، الآية 25) لأنّها تدنّسها، فلا طائل من البحث عن نقوش أو معابد على غرار ما وُجد في بلاد وادي النيل والرافدين.
يرى د. منصور أنّه حتّى بإشادة سليمان لقصوره، ولقدس الأقداس، فقد وُصِفَتْ بأنّها كانت من حجارة صحيحة بعمل السخرة كما في الأدبيات اليهوديّة، وشياطين الأُنس والجان في الكتابات العربيّة الإسلاميّة، إذ كان من مآثر الملوك الأنقياء هدم أبنية القرابين المحكمة البنيان التي كانوا يشيّدونها في المرتفعات، ففي هذه الحضارة تمّت الاستعاضة عن النقوش الملكيّة بتدوين الأخبار في أسفار على رقائق جلديّة تجنّبًا لمخالفة أمر الله.
بعد كتابيه الهامّين "التوراة الحجازيّة" (2020) و"التراث المأثور" (2022)، يعود د. منصور إلى طرح نظريّته الأساسيّة القائمة على إكمال مسيرة اختطّها كمال الصليبي في ردّه منشأ التوراة إلى بلاد السراة في عسير من الجزيرة العربيّة على البحر الأحمر، فيشير إلى أنّه بعد تهافت دور اللقى الأثريّة على أرض فلسطين كان لا بدّ من التعرّض للحقائق في نصوص العهد القديم، والتي تدحضُ بدورِها أية علاقة للحدث التوراتي بأرض فلسطين نفسها، إذ باتَ من الشائع اليوم أنّ كثيرًا من التفاصيل صارت مدار شكّ، لأنّها لا تتطابق مع الجغرافيّة المُفترضَة لفلسطين، فيوردُ نماذج تؤكِّد مساره القديم في كتابيه السابقين على خطى كمال الصليبي، منها قصّة نوح، إذ كيف يهاجر ولده سام من بلاد غنيّة بالمياه، حيث رسى الفلك بين تركيا وأرمينيه، إلى صحراء جزيرة العرب القاحلة التي يجمع العلماء على أنّها مهد الساميّة؛ وذكرُ الجمل المُستأنس في قصص إبراهيم ويعقوب ويوسف، علمًا أنّه لم يكن يوجد إلّا في نجد والحجاز؛ وهجرة آل إبراهيم من بلاد الرافدين إلى فلسطين عبر حرّان، وليس عن طريق الهلال الخصيب؛ وفي قصّة لوط القرآنية ليس من براكين في منطقة البحر الميت، إذ سُمِّي البحر زورًا بحيرة لوط؛ كما أنّ البراكين في قصّة موسى (سفر الخروج، الآية 21، الإصحاح 13) غير موجودة في فلسطين؛ وخروج بني إسرائيل من مصر ومكوثهم في التيه أربعين عامًا، ثمّ غزوهم فلسطين مستبعدٌ تاريخيًّا، ذلك أنّ بني إسرائيل كانوا ساكنين في شرق دلتا النيل، فكيف تمكّن فرعون من إدراكهم عند نقطة العبور وهي على بُعد أكثر من 900 كلم منه؛ ووقف موسى على جبل (ن ب و) (سفر التثنية، الآية 2، الإصحاح 34) فشاهدَ البحر المتوسّط، فأنّى له ذلك بالوقوف على جبل نبو المزعوم في الأردن حاليًا، إذ تحوُل دون ذلك مرتفعات الضفّة الغربيّة؛ وفي قصّة النبي يونس مع الحوت ما كانت حاجته إلى ركوب البحر في عودته من نينوى شمال العراق إلى موطنه المُفترض في فلسطين؛ أمّا سِفر أيّوب الذي يراه اليهود كتابًا من أصل عربي، أو آرامي، فلا توجد فيه إشارة إلى موسى، فلماذا يتواجد هذا السِفر ضمن أسفار العهد القديم لو لم تكن هذه الأسفار بمجموعها ديوان العرب المأثور عن فترة الشريعة الأُولى؟ وأنّ هيرودوس أبو التاريخ الذي عاش زمنًا في صُور لم يأتِ على ذكر إسرائيل، أو اليهود، أو مدينة اسمها أورشليم، أو أي من مئات المدن والقرى المذكورة في العهد القديم، أو أي من أنبياء وملوك بني إسرائيل.
ويُسهب د. منصور في رصد تلك الخوارق التي يتشدّق بها دُعاة تزييف حركة التاريخ وزعماء الصهيونيّة، إضافة إلى مقولات عنجهيّة تفوّه بها أساطين الكولونياليّة البريطانيّة والرأسماليّة الأميركيّة، من سايكس وبلفور، إلى بايدن وترامب، فيردُّنا إلى التنقيبات الأثريّة في فلسطين التي لم تثبت وجود عاديات لافتة تعود إلى الألفيّة الثانية وحتى بدايات الألفيّة الأُولى، عدا أريحا عند الطرف الشرقي الأقصى للأرض المقدّسة، فيما ليس في القدس من أثر لهيكل فيها؛ إلى وصف التوراة أرض الموعد بأنّها كانت بلادًا جبليّة صعبّة الشِّعاب فيها قرى بأبراج محصّنة تعانق عنان السماء (سِفر العدد، الآية 28، الإصحاح 13)، ما لا ينطبق أبدًا مع طبيعة فلسطين، حيث المرتفعات بسيطة، فلا قرى محصّنة ولا من يحزنون؛ وعن أيّوب يعيدنا د. منصور إلى حقيقة كان وقوعها في وادي الدواسر من أرض عاد في الجزيرة، وهنا يرى الباحث أنّ احتفاظ اليهود بسِفر عربي لا علاقة له ببني إسرائيل أو موسى ضمن العهد القديم مردّه أنّ العهد القديم نفسه كان ديوانًا شاملًا لتاريخ وأدب الجزيرة العربية للفترة الممتدّة من نوح إلى غزوة نبوخذ نصر/ بختنصر الملك الكلداني.




يستفيض د. منصور في الحديث عن الحرم المكّي على أيّام سليمان، إذ كان داود جعلَ من عرش السلام (مستوطنة جبل أبي قيس) عاصمته الرسميّة، لكنّه أقام معظم الوقت في مقرّه المُحصّن في جبل أجياد الكبير/ خليفة المشرف على الكعبة، حيث مات ودُفن، وهناك وُلد ابنه وخليفته سليمان، حيث أقام وأكمل بناء بيته في جبل أبي قيس، وبيت الله (الحرام) وسور المدينة. وفي القرآن ذكرٌ لبيت سليمان في معرض زيارة ملكة سبأ له (سورة النمل، الآية 44)، فكانت له مملكة عظيمة امتدّت من تمرة في وادي الدواسر شرقًا حتّى البحر الأحمر غربًا، ومن مشارف وادي حلي في تهامة جنوبًا إلى وادي فرعة الجزل شمالًا، وفي سورة سبأ، الآية 12 (ولسليمانَ الريحَ غُدُوُّها شهرٌ ورواحُها وأرسلنا له عينَ القِطْرِ) إشارة إلى أنّ الله قيّد لسليمان أن تتعلّم بحّارته أسرار الرياح الموسميّة التي كانت تأخذ سفنَه إلى الهند وسواحل أفريقيا الشرقيّة، فيما كانت تتوقّف في موانىء عُمان؛ أمّا الكعبة حيث صعّد سليمان المباخر وأشار إليها الذكرُ الحكيم: "جعلَ الله الكعبةَ البيتَ الحرام" (سورة المائدة، الآية 97) وأهداها سليمان آنية ثمينة من ذهب، وكانت على مدى أزمان تُسرق وتُعاد وبقيت عادة إهداء الآنية للكعبة حتى العصور الإسلاميّة، من عبد الملك بن مروان إلى أبي العباس الذي أهداها صحفة خضراء، وإلى أبي جعفر الذي أهداها قارورة قبطيّة قديمة، فيما كانت آنية سليمان من الذهب وخشب المزاهر من خشب العود الخالص، ومن هنا بدأت تسمية هذه الأدوات الوتريّة بالعود، إلى "تحويل القِبلة إلى فلسطين"، والقِبلةُ لغة هي الجهة التي يستقبلها المسلم بوجهه في أثناء الصلاة، وهي رمز لوحدة المسلمين: "إنّ أوّل بيتٍ وُضِعَ للناسِ للذي ببكّةَ مُباركًا وهدىً للعالمين" (سورة آل عمران، الآية 96)، فبقيت الكعبة قبلة للناس حتى زمان طوفان نوح الذي شمل معظم أراضي جزيرة العرب عندما ضاعت معالم البيت تحت الكثبان الرملية، وكانت الناس تعرف بوجود البيت في الوادي الذي سُمِّي فيما بعد بوادي إبراهيم في مكُّة المكرّمة من دون الاهتداء إلى موقعه. ومهما يكن، وبغض النظر عمّا كان الإسم الأصلي للقدس الفلسطينيّة، فمن المؤكّد انّها صارت قِبلة اليهود، واعتبرت في العصر الهليني بأنّها أورشليم داود وسليمان.
على هذا النحو يمهِّد د. منصور لتفسيره التوراة بالتوراة، أو الإنجيل بالتوراة، فيرى أنّ معظم المصادر تُرجع عبارة "ذاك النبيّ" في سِفر يوحنا إلى ما ورد عن موسى في سِفر التثنية، حيث ورد ذكر "ذاك النبيّ"، إذ وردت عبارة "النبي الذي يُشبه موسى"، وهو الوصف الذي رأى فيه د. منصور أنّه ينطبق على محمّد (ص) لا سواه. ومن هنا يشير د. منصور إلى ما يؤكّده القرآن أنّ يهود الجزيرة العربيّة لم يكونوا يجهلون فكرة النبوة الخاتمة، بل إنّهم كانوا ينتظرونها ويتحدّثون بها: "أوَلَمْ يكُن لهم آيةً أن يعلمَه علماءُ بني إسرائيل" (سورة الشعراء، الآية 197) فشهادة علماء بني إسرائيل بمعرفة النبي وصفته كانت قائمة، بيد أنّها لم تتحوّل إلى إيمان عام بسبب عوامل نفسيّة واجتماعيّة أبرزها الحسد والخوف على الامتياز الديني والقيادي.
يصرّ د. منصور، إذًا، على أنّ إعادة تصويب القِبلة من بيت المقدس إلى قِبلة إبراهيم المكيّة لهي أهمّ إنجازات البعثة المحمديّة، وعليه فإنّه من أهمّ الفروق التي ما تزال تباعد بين شريعتي موسى ومحمد، فلئن كان التوحيد والصوم والزكاة أمورًا كان من الممكن أن تبقى خاصّة لمن أعلن إسلامه في بداية الدعوة، فإنّ القِبلةَ في الصلاة كانت كافية لكشف المنافقين، أي أنّه فيما كان العهد القديم وقفًا على بني إسرائيل والتهوّد غير ممكن في ملّتهم، فإنّ العهد الأخير وهو القرآن حلّ هذا الإشكال، إذ جاء مفتوحًا للعالمين بأمر الله: "قل يا أيّها الناسُ إنّي رسولُ اللهِ إليكم جميعًا" (سورة الأعراف، الآية 158).
لقد أبان د. منصور بوضوح أنّ إعادة تأصيل اللغة العبريّة كلغة عربيّة من الجزيرة تكشف تطابقًا مذهلًا بين الأسماء التوراتيّة والأسماء القُرشية، مما يُرجّح انّ قُريشًا ليست إلا سلالة باقية من بني إسرائيل العرب الذين انخرطوا في العدنانية، إلا أنّها لم تحافظ على الدين الإبراهيمي في مكّة حتّى بعثة النبيّ الخاتم، ما يقود د. منصور إلى ضرورة مراجعة المسلّمات التراثيّة بعقل نقدي علمي مؤصّل، بغرض تجديد الخطاب مع أهل الكتاب، وتقديم نبوّة محمد (ص) على أنّها الخاتمة التي بشّرت بها كتبهم، لا سيّما نسبته إلى إسحاق ويعقوب، إذ لا نبيّ في توراتهم بعد يعقوب إلّا من نسله، وهذا معناه أنّ دراسة النسب النبوي الشريف في ضوء الروايات التراثيّة والنصوص الشرعيّة، مقترنة بالمقاربة العلميّة الحديثة والتحليل اللغوي الجغرافيّ للتوراة، ما ينتج عنه إحداث نقلة نوعية في الفكر الإسلامي والدعوة بين أهل الكتاب.
يلحقُ د. منصور مؤلّفه الفذّ بخرائط وقراءة ثلاثيّة الأسطر من سِفر التكوين 16 (عبري)، وثانية من سِفر عزرا 5 (آرامي)، وملحق بالتقويم الإسلامي في حجّة الوداع، إلى مراجع عربيّة وأجنبيّة وفهرس بالآيات القرآنيّة الواردة في كتابه، وفهرس بالجمل المقتبسة من العهدين القديم والجديد، إضافة إلى دليل عام للأعلام والمواضع والقبائل والأُمم.
كتاب د. منصور "توراة مكّة والنبي المُنتظر" قراءة تفكّك النصوص التوراتيّة بمنهج لغوي يكشف كيف غيّر الخطّ واللغة مسار الفهم عبر القرون، ويعيد ربط الأسماء والأماكن بجذورها العربيّة الأصليّة، فيما يتتبّع بشارات النبيّ المُنتظر في تراث المِلَل الإبراهيميّة، ليصل إلى نتيجة جريئة هي أنّ النبوءات التي أوردها لا تتقاطع عبثًا، بل تلتقي في شخصيّة النبي محمد (ص)، وعليه فكتابه يفتح ملفّات مسكوتًا عنها، ويدعو قارئه إلى إعادة النظر في تاريخ ظَنَّهُ مُكتملًا.

هامش:
(*) لوحة الغلاف: الكعبة المشرّفة، أُمّ الأقداس، وقلعة جبل أجياد الكبير/ جبل خليفة، مقرّ النبي داود في ما مضى. صورة الغلاف التقطها د. عبد الغفار البغداي في مكة المكرمة في أثناء موسم حج 1886.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.