}

بين مدفعيْن وجائحة يهلّ رمضان بالآلام والآمال

محمد جميل خضر 17 أبريل 2021
اجتماع بين مدفعيْن وجائحة يهلّ رمضان بالآلام والآمال
مدفع الإفطار.. طقس شعبي منتشر في مصر وبلاد الشام

بين مدفعِ الإفطارِ ومدفعِ الحربِ المشتعلةِ في كثيرٍ من بلادِنا، يكادُ يذوي بريقُ شهرِ الصّيامِ.

وَكما منذُ عشريةٍ دامِية، يهلُّ رمضانُ هذا العَام على ملايينِ السوريين المتوزّعين بلادَ اللجوءِ والشّتات، فإذا بطقوسٍ تشكّل عمادَ الشهرِ الفضيلِ لا تعودُ موجودةً، أو معظمُها في أحسنِ تقدير: مُسحراتي رَمضان، مدفعُ الإفْطار، فوانيسُ يحملُها الصغارُ ويغنّون "حلّو يا حلّو.. حلّو الكيس وأعطونا.. أعطونا حلوانّا"، لمّة العائلاتِ وموائدُ الرّحمن، السهراتُ الرمضانيّة، مسلسلاتٌ تُنْتجُ خصيصًا لتُعرضَ خلالَ أيامِ الشّهر المُبارك. وأمّا العصائرُ التي ارتبطتْ وجدانيًّا وطقسيةً مجتمعيةً بشهرِ رَمضان، فقدْ يتدبّرُ اللاجئونَ بعضَها، ولكنّهم حتمًا لن يتدبّروا وجودَها جميعَها على مائدةٍ واحِدة: التمرُ هندي، الخرّوب، عرقُ السّوس، شرابُ قمرِ الدّين، جلّاب الحبايب، دونَ أن ننسى القطائفَ وبعضَ الحلوياتِ الرمضانيةِ أو التي تُعدُّ في رَمضان أكثرَ مِن باقي شهورِ السّنة وأيامِها. حتى حبّة التمرِ قد لا يجدُها كثيرٌ مِنهم متاحةً لحظةَ المدفعِ المفترضِ، أو آذانُ المغربِ البعيدِ في الدّيارِ البعيدةِ الساكنةِ غرفَ القلبِ وأشجانِ الرُّوح.
ليسَ مدفعُ الحربِ وحدَه من غيّر أجواءَ رمضانِ وأفقدَه بعضَ دفقِه وأجوائِه وخصوصيتِه؛ فالجائحةُ، مِن جهةٍ أُخرى، فعلتْ فعلَها، وأخذتْ منْ جمالياتِه ما أخذت.
في ظلِّ مختلفِ ما تقدّم، يصبحُ التطرّق إلى مستلزماتٍ أُخرى مرتبطةٍ بِرمضان، مثل صلاةِ التراويحِ، على سبيلِ المِثال، ترفًا بعيد المَنال، فتلكَ صلاةٌ تَعطّلت، بسببِ الجائحة، حتّى في بلاد السّكينةِ، وفي معظمِ بلادِ المُسلمين. منعُ صلاةِ التراويح بِسببِ مُقتضياتِ التباعدِ التي فرضَها الوَباء، حرّكت أشجانَ الشاعرِ النبطيّ السعوديّ خالد المريخي، فنظمَ متوجّدًا بِها هذه الأبْيات:

"الشوق واجد يا صلاة التراويح

         وصوت الإمام إليا دعى فاقدينه

بالشفع يغشانا عبير التفاريح

      وبالوتر نعرف ويش معنى السكينة

من طاع ربّه يبشر بهبّة الريح

             ومن طاع نفسه بشرة بالغبينة".

"مسحراتي في المغرب" ( جون لويس إندريس)


حالُ اللاجئينَ السوريينَ في هذا، هو نفسُه حالُ مئاتِ آلافِ اللاجئينَ العراقيينَ واليمنيينَ والسودانيينَ ومنْ بلادٍ عربيّةٍ أُخرى، ممّن فرضتْ عليهِم الأوضاعُ في بلادِهم الهروبَ مِنها غيرَ آسفينَ على شيءٍ، وَلا مؤمّلينَ فرجًا في القريبِ العاجلِ من عمرِ الحياةِ ومتواليةِ الأيّام.
وكما لا يخْفى على أحدٍ، فإنّ عاداتِ شهرِ الصّيام وطقوسِه، متشابهةٌ في عمومِ بلادِ المسلمينَ حتّى غيرِ العربيّةِ مِنها، وبالتّالي فإن المعاناةَ هيَ نفسُها لَدى مختلفِ من يعني لهُم الشهرُ شيئًا، ممّن تَشتّتوا وتقَطَّعت بهِم السُّبل.


ولعلّ الأمرَ المُلِحَّ في المتعيّن من زمانٍ عربيٍّ جَريح، هو إعادة قراءةِ المسافةِ التي قطعتْها العوائلُ العربيةُ الهارِبةُ من ويلاتِ الحُروب، بينَ مدفعِ الإفْطار (الذي اشْتهرَ بِهِ تاريخيًّا شهرُ الصّيام) وبينَ مدفعِ الحربِ التي شرَّدت الناسَ وهجّرتهم نحْوَ مختلفِ جهاتِ الأرْض. إنَها المسافةُ التأمليةُ المفترضةُ بين ما كانَ، وما آلتْ إليهِ أحوالُهم، وسطَ نبضِ أملٍ بعودةِ المدنِ إلى أصحابِها، وعودةِ النّاسِ إلى مدنِهم وضيَعهِم وفضاءِ وجودِهم الذي كانَ مُحاطًا بعاداتٍ وتقاليدَ تجعلُ للشهرِ الفضيلِ خصوصيةً تميزُه عن باقي شهورِ السّنة. عاداتٌ مرتبطةٌ بأكلاتٍ وطقوسٍ وعباداتٍ مُرافقةٍ لَه. حلوياتُهُ وأسواقُهُ وزياراتُه، وَما يرتبطُ بِه من تكافلٍ اجتماعيّ، وتعاضدٍ أسريّ. كيفَ يتعاملُ معهُ الصِّغار، وأيُّ تفاصيلَ أُخرى تتعلّق بكيفَ كانَ رمضانُ في الأوْطان، وكيفَ تجْري معهُ الأمورُ الآن.



مُسحراتيُّ الزّمانِ الجَميل..

"اصحى يا نايم اصحى وحّد الدايم.. وقول نويت بكره ان حييت.. الشهر صايم والفجر قايم.. اصحى يا نايم وحد الرزاق.. رمضان كريم".
(زائرُ الليلِ) المُسحراتي بِلهجةِ أهلِ مِصر، أو المْسحراتي (بسكونِ المِيم) عندَ السوريينَ واللبنانيينَ وربّما أبناءِ بلدانٍ عربيّة أُخرى، أو المْسحِّر بِلهجةِ الفلسطينيينَ والأردنيين، أو (أبو طبل) كَما يسمّيه العِراقيون، أو النفّار في المغربِ (نسبةً إلى آلةِ نفخٍ نحاسيّة)، أوْ (بو طبيلة) أو الطبّال في الجزائر (بو طبيلة هو اسمُه في غيرِ بلدٍ عربيّ)، أو (الزمزميّ) في بعضِ مدنِ العربيّة السعوديّة (خصوصًا مكّة)، أو (المفلّح) عند اليَمنيين، وربما كانَ لهُ أسماءً غيرَ المذكورةِ أعلاه، هو شخصيةٌ تسكنُ ذكرياتِ الطفولة، بيدِه العَصا، أو البازّة، أو غيرَ ذلك. في قلبِ هسيسِ لَيالي رمضانَ يطلعُ، يلحقهُ صغارُ الحارةِ، يردّدونَ نداءاتِه:

(يا نايم وحّد الدّايم يـا غافي وحّـد الله)

(يا نايم وحّد مولاك للي خلقك ما بنساك)

(قوموا إلى سحوركم رمضان إجا يزوركم)

ومن نداءاتِه في فلسطين:

(يا عباد الله وحّدوا الإله.. اذكروا الإله يا عباد الله، وحدّوا الله، سحورك يا صايم، قوم وحّد الدايم).
في مصرَ خلّده سيّد مكّاوي (1928-1997) داخلَ وجدانِ النّاس من خلالِ الأغاني التي غنّاها من ألحانِه وكلمات الشاعرِ المصريّ فؤاد حدّاد (1928-1985) مقتبسيْنِ أجواءَ هذه الأغْنيات من روحِ فكرةِ المُسحراتي وارتباطِ عملِه بفكرةِ إيقاظِ النّاس، حتى لو كانَ المقْصود هًنا إيقاظًا دلاليًّا لهُ عُلاقة بالاستيقاظِ من سباتِ الواقعِ المُعاش، أو اليقظةَ الكفيلةَ بردِّ المظالمِ وتغييرِ الأوضاعِ:

"يا شيخ سرور

الديك دا صايح

لازم نصحصح

اسمع نصايح

يللا نصح صح

في السحور

المشي طاب لي

والدق على طبلي

ناس كانوا قبلي

قالوا في الأمثال:

(الرجل تدب مطرح ما تحب)

وانا صنعتي مسحراتي في البلد جوّال

حبيت ودبّيت كما العاشق ليالي طوال

وكل شبر وحتّه من بلدي

حتّه من كبدي

حتّه من موال".

رقص التنورة في رمضان 


ومنذُ بلال بن رباح، ينادي في النّاس، وحتّى وقتٍ قريبٍ، ظلّت ظاهرةُ المُسحراتي وروحُ ما يقومُ بِه، وما يرتبطُ في موروثِنا من مَعناه، من لوازمِ رمضانَ الجوهريّة، لكنّها لازمةٌ أصبحتْ أيامَنا هذهِ في مهبِّ الرّيح، مع تطوّرِ وسائلِ الاتّصال، وشيوعِ استخدامِ الأجهزةِ الخليويّة وسيلةَ إيقاظٍ، وميلِ كثيرٍ من النّاس (خصوصًا الموظفينَ والمكبّلين بمتطلّبات أبوابِ الرّزق وغيرُهم) للاستغناءِ عن فكرةِ السحورِ من أساسِها.


تقولُ الباحثةُ المصريةُ شيماء الصعيديّ في دراسةٍ لَها نشرَها أطلسُ المأثوراتِ الشعبيّةِ المصريّةِ التابعِ لِوزارة الثّقافة:
"لقدْ باتَ قريبًا مِن الأُفولِ مشهدُ المُسحراتي الذي يوقظُ الناسَ لِتناولِ طعامِ السّحور في ليالي شهرِ الصّوم، بطبلتهِ الصغيرةِ التي يحملُها في رقبتِه، وتتدلّى إلى صدرهِ، أو يحملُها بيدِه ويضربُ عليْها بِعصًا خاصّة، وهُو ينادي صاحبَ البيتِ باسمِه يدعوهُ للاستيقاظِ من أجلِ السّحور".
بِملابِسه التراثيّة يذكّر المسحراتيّ النّاس بِه وبطبلِه أوّل أيّام عيدِ الفطْر. يرافقُه في كثيرٍ من هذه الجولاتِ التعييديّة أولادُه، وأحيانًا مُساعدوه، عِندما كانَ في عزِ زمانِه يجنّد مساعدينَ لَه.
ومع تعدّد الرواياتِ حول أوّل ظهورٍ للمُسحراتيّ، فإنَّ الروايةَ المرتبطةَ بالعباسيينَ، وتحديدًا في عهدِ الخليفة المنتصرِ بالله، تبْقى أقْوى تلكَ الرّوايات.
كما تظلُّ مِصر المختلفةُ (تمامًا) عن باقي الدّول العربية احتفاءً بالشهرِ وتحويلَ أيامِه إلى كرنفالٍ صاخبٍ من الفرحِ والأجواءِ الغامرةِ والطقوسِ العامِرة، تظلُّ أكثرَ من شاعَ فيها المُسحراتيّ، وآخرُ دولةٍ عربيّةٍ، ربّما، قد تستغني عنْه.


مدفعُ المُصادفة

تلتقي معظمُ الرواياتِ التاريخيةِ الخاصّة بِمدفعِ الإفْطارِ، بِلعبِ المُصادفة دورًا في بزوغِ زمنِه، وفي تحوّلِ طلقةِ مدفعيةٍ خاليةٍ من الأذى، إلى إذنٍ مدوٍّ للنّاس أن يكفّوا عن صيامِهم ويشْرعوا بِتناولِ إفطارِهم.
الطريفُ أن المُصادفةَ كانت بطل القصصِ المرتبطةِ بِهِ جميعِها، سواء تلك التي تُرجعُ تاريخَه إلى العهدِ المملوكيّ/ العثمانيّ في مصر (تحديدًا في عهد الوالي المملوكيّ/العثمانيّ خوشقدم سنة 859 هجرية الموافقة لِسنة 1455 ميلاديّة)، أو تلكَ التي ترجعهُ إلى زمنِ إبراهيم باشا ووالِده محمد علي، وهناكَ من يرجعهُ إلى زمنِ الحملةِ الفرنسيةِ على مِصر مجاملةً من الغُزاة. يقول الكاتبُ اللبنانيّ محمد أبو زهرة في مقالٍ نشرَه بتاريخِ 24 نيسان/إبريل 2020، في جريدةِ "النّهار": "فيما رجّحت آراءٌ أُخرى أن المدفعَ بِدعةٌ فرنسيةٌ منذُ أيامِ الحملةِ الفرنسيةِ على مصر، حيثُ أرادَ نابليون بونابرت قائدُ الحملةِ مجاملةَ المِصريين، وأمرَ بِبناء مدفعٍ فوقَ المقطّم وآخرَ في الإسكندرية، لينطلقَ وقتَ الإفطارِ والسّحور، ثم تعمّمت الفكرةُ لِتشمل معظمَ الدّول الإسلامية".
لا تختلفُ مآلاتِ مدفعِ الإفْطارِ عن أحوالِ المُسحراتيّ صديقِه البشريّ، فهو لم يعد يُسمعُ كما في أيامِ زمان، وتحوّل في كثيرٍ من بلادِنا إلى تحفةٍ معروضةٍ في المتاحفِ، أو موضوعةٍ تحت الحِراسةِ فوقَ مرتفعاتِ مجدِه التّليد.

مدفع رمضان  فوق روابي القاهرة



فوانيسُ النُّور

لأنّه يكشفُ عن صاحبِه وسطَ الظّلام، فإنّ أحدَ مَعاني مفردةِ فَانوس هوَ النمّام، هذا ما جاء بِه الفيروزُ أبادي في قاموسِه المُحيط. فانوسُ رمضان، وَكما هوَ حالُ باقي مستلزماتِ شهرِ العِبادة، له أصلٌ مصريٌّ، وهذه المرّة في مَداه الفاطميّ، إذ توردُ واحدةٌ من حكاياتِ أصلِ عُلاقتهِ بِرمضان، أن الخلفاءَ الفاطميين كانوا يحملونهُ في ليلةِ رؤيةِ هِلال رمضان لاستطلاعِهِ، وكانَ الأطفالُ يخرجونَ مع الخليفةِ يحملُ كلُّ واحدٍ مِنهم فانوسًا لِيضيئوا له الطريقَ وهُم يغنّون ما يُعبِّر عن فرحتِهم بقدومِ شهرِ الصّيام. في روايةٍ أُخرى أنّ أحدَ الخلفاءِ الفاطميينَ أرادَ أنْ يجعلَ كلَّ شوارعِ القاهرةِ مضيئةً طُوال ليالي رمضان، فأمرَ شيوخَ المساجدِ تعليقَ فوانيسٍ على كلِّ مسجدٍ ومِن ثمّ إضاءتُها بالشّموع.
كان يتسابقُ الأولادُ في رمضاناتِ زَمان على حملِ الفوانيسِ، يطرقونَ أبوابَ البُيوت. فوانيسُ بيتيةٌ صنعتْها لهُم شقيقاتُهم الأكبرُ منهم سنًّا، هناك حيثُ البَساطةُ كانت زادَ البيوتِ وزوّادَها، حيثُ الصّغار لا يعودونَ إلى بيوتِهم خائِبين.. حيثُ شوارعُ بلادِ الشّام حَرير، وحيطانُها ياسَمين.

الفوانيس والصغار.. قصة عشق



(قرنْقعوه) قَطَر

"قرنقعوه قرنقعوه، عطونا الله يعطيكم، بيت مكة يوديكم، يا مكة يا المعمورة، يا أم السلاسل والذهب يا نورة، عطونا من مال الله، يسلم لكم عبد الله، عطونا دحبة ميزان، سلّم لكم عزيزان، يا بنيّة يا حبّابة، أبوجِ مشرّع بابه، باب الكرم ما صكّه، ولا حطّ له بوّابة".
بهذه الأهزوجةِ الشعبيّة، تحتفلُ الأسرُ القطريّة، وأسرُ بعضِ الدولِ الخليجيّة، بِصيامِ أولادِها وبناتِها نصفَ أيامِ شهرِ رمضان.
في ليلة (القرنْقعوه) يرتدي الأطفال، بحسبِ الباحثِ القطريّ في الموروثِ الشعبيّ خليفة السّيد المالكيّ، ملابسَهم التقليديّة؛ الذكورُ يلبسونَ الثيابَ البيضاءَ الجديدَة، بعضُهم يلبسُ "السديريّ" المطرّز. يعتمرونَ فوقَ رؤوسِهم "القحفيّة". أمّا الفتياتُ فيرتدِينَ فوقَ ملابسهنّ العاديّة "الثوبَ الزريّ" المُشعَّ بالألوانِ والمطرزَ بخيوطٍ ذهبيّة، ويضعنَ "البُخنق" فوقَ رؤوسهنّ، ويتزينّ ببعضِ الحليّ الخليجيّة. يحملونَ أكياسًا مصنوعةً من القِماش، تسمّى (خَريطة)، وتشبِهُ المِخلاة أو الخُرج، زاهيةَ الألوانِ ومختلفةَ الأشكالِ والأحْجام. ثمّ يخرجونَ في جولةٍ رمضانيّةٍ، يطرقونَ الأبوابَ، يطلبونَ الحلوياتِ والمكسّرات، وهم يرددونَ الأهزوجةَ أعْلاه: "قرنقعوه قرنقعوه، عطونا الله يعطيكم.. إلخ".
حول تسميةِ ليلةِ (قرنقعوه) التي يُحتفل بِها في منتصفِ شهرِ رمضانِ من كلِّ عام، يوضح المالكيّ أنّها مشتقةٌ من قرقعةِ الحصى، فقديمًا كانت الأمّهات عِندما يذهبنَ في الربيعِ إلى البرّ، يجلبنَ معهنّ حصَيات مَلساوات، ويحتفظنَ بِها لِهذه الليلَة، فتُعطي الأمُّ كلَّ طِفل، سواءَ كانَ صبيًّا أو بنتًا، حصاتيْن بيضاويتيّ الشّكل، تسمّى الواحدِة مِنهما "صميّة"، وهي من الصوّان، فيقرعُ الطفلُ حصاتيْه ببعضهِما ليحدثَ تلكَ "القرْقعة". ويمكنُ أن تسمّى الليْلة "قرقيعان" من المنطلقِ نفسِه، فيستعملونَ ذلكَ الصوتَ إيقاعًا لأغنيتهِم الشّهيرة في هذه الليلة.
ليلةٌ يُكرم فيها، إلى ذلك، المُسحراتي، الذي يصطحبُ، وفقًا للمالكي، الأطفالَ ويطوفُ بِهم بعدَ صلاةِ المغربِ ومعهُ طبلُه أو طوسُه (صاجاتُه)، ويردّدون جميعُهم؛ المُسحراتي والأولاد: "في ذا الكون منزلنا... عسى الله ينصرنا... هلّلت مكة وقالت مرحبا بالزائرين... مرحبا بك يا محمد والصحابة أجمعين". وفي نهايةِ الجولة يجري تقسيمُ المكسّرات والحلوياتِ على الجميعِ بالتّساوي.
(القرنْقعوه) في قطَر والكوْيت والمنطقةِ الشرقيةِ في السّعودية، تسمّى في البحرين (القرقاعون)، وفي عُمان (القرنقشوه)، وفي الإمارات "حق الليلة".


رمضانُ المحروسة

رمضانُ مِصر لا يُشبِه أيَّ رمضانٍ آخَر. ففي أرضِ الكِنانةِ يأخذُ كلُّ شيءٍ عبقًا مختلفًا؛ هذا ما يجري عليه الحال ليلةَ المولِد النبويّ، وأيامَ شمّ النسيم، وليلةُ سِيدي الحُسين، ومولدُ السيّدة زينب، ومولدُ سِيدي بدوي. يزورُ المصريونَ في مناسباتِهم الكثيرةِ والمثيرةِ الأضرحةَ، يُنشدونَ، يردّدون مأثوراتِ الذّكر، يقيمون المواكِب، يجوبون البِلاد، يستمعون بشغفٍ لسيرِ الأوّلين، يستمتعون بسماعِ تجاويدِ كتابِ الله، ينغّمُ الآياتِ فِيها مقرئونَ بارِعونَ متيّمونَ؛ ليسَ ابتداءً بمحمّد رفعت، ولا انتهاءً بِعبد الباسط عبد الصّمد، وبينهُما: علي محمود، عبد الفتاح الشعشاعي، مصطفى إسماعيل، طه الفشني، محمد صديق المنشاوي، أبو العينين شعيشع، محمود الطبلاوي، حمزة الهجرسي وآخرون وآخرون.

مصر في رمضان 


أمُّ كلثوم تغنّي "يا ليلة العيد آنستينا"، النّقشبندي يلعلعُ بالذّكرِ والتّهليل. خيامُ رمضانيّةٌ تُشعلها رقصةُ التنّورة وتُحْييها فرِقُ الإنْشاد. سكّان الأحياءِ الشعبيّة يفرشونَ الشارعَ الرئيسيّ في حيّهم؛ طاولاتٌ على امتدادِ الشّارع، يعمرُها أهلُ الحارةِ كلٌّ بِما يقدرُ وما أعدّه لِفطورِ ذلك اليوم. فتيانٌ وشبابٌ يتسابقونَ بشربةِ ماءٍ، أو حبّة تمرٍ، أو كأسِ تمرِ هنديّ، أو عرقِ سوس، يكسرونَ صيامَ الصائمينَ العابرينَ من حاراتِهم وقد رُفِعَ الآذانُ وهُم في طريقهِم لِبيوتهم. إنها العادةُ التي انتقلتْ مِنهم إليْنا، فصرتَ حتى ما قبلَ الجائحةِ، ترى شبابًا ورجالًا وحتّى شيوخًا كِبارًا، يقفونَ عند شاراتِ المُرور، يمدّون أياديهِم بالماءِ والتمرِ نحوَ سياراتِ العابرينَ، يُلقونَ داخِلها بكؤوسِ الماءِ البلاستيكيةِ الصغيرةِ، مضافًا إليها في حالاتٍ كثيرَة، أكياسَ تمرٍ صغيرَة، تحتوي، غالبًا، على ثلاثِ حبّات. يريدونَ الأجْر الربّانيّ، ويعزّزون مفاهيمَ التآلفِ والتكافلِ والتراحمِ الإنسانيّ.
في رمضانِ مِصر، تزدانُ الشوارعُ بأنوارِ الفرح، صخبٌ تعجّ بِه الحياةُ هُناك. باعةٌ يُنادون. أثرياءُ يوزّعون. بهجةٌ تنسابُ مثلَ الُّلبلاب من النوافذِ والشُّرفات. وأمّا ليلةُ القدْرِ فحدّث وَلا حَرَج، فهيَ ليلةٌ خيرٌ مِن ألفِ شهْر. ليلةٌ تجعلُ العشرَ الأواخرَ جميعَها لياليَ قَدْر. تفتحُ، لولا الجائحةِ، بابَ الاعْتكاف، وتجعلُ القيامَ، حتى بواباتِ الفجرِ، فعلًا تتآزرُ الحشودُ فيهِ، وتدفعُ عن نفسِها، جماعيًّا، ممكناتِ الوَهن، وجفونَ النُّعاس.
هل قالَ لكُم أحدُهم مرّةً إنّه لا يستسيغُ القطائفَ في غيرِ شهرِ رمضان. إن كانَ فعلَ فصدّقوه، فهذا شهرٌ لهُ نَكْهتُهُ وَلا يُشبِه غيرَه. لا شياطينَ فيه، باستثناءِ شياطينِ الإنْس، فهُم لا يبرحونَنا لا في رمضان، وَلا في شعبان، وَلا في نيسان، ويجثمونَ على صدورِنا مِن أوّلِ الزّمان حتّى آخرِ الزّمان.


بَوحُ إياد

الصديقُ إيادُ تُنْبَكجي شابٌ سوريٌّ دمشقيٌّ (شاميٌّ على رأيِ أهلِنا السوريين، إذ يسمّون أهلَ دِمشق بالشوام)، يقيمُ منذُ عام 2012، وحدَه دونَ أسرتِه، في العاصمةِ الأردنيّةِ عمّان.
أثناءَ تحْضيري لِموضوع رمضان، أرسلتُ لِمجموعاتٍ فيها أصدقاءُ سوريونَ يقيمونَ في الشّتاتِ وبلادِ الّلجوء، أسألُ إنْ كانَ هُناك من يرغبُ منهُم المشاركةَ في موْضوعي. انتظرتُ يوميْن ثمّ أرسلتُ مادّتي، لأفاجأ بعدَ إرسالِها بسبعِ رسائلَ صوتيّةٍ تصِلني من إياد، يسكنُ صوتَه فيها الشّجن، ويشعُّ من حروفِها الحَنين.
مُتأثّرًا بِما جاءَ في رسائلِ الصديقِ الحاصلِ، في عام 2008، على بكالوريوس فلسفةٍ من جامعةِ دِمشق، لم أتخيّل الموضوعَ يُنْشَرُ وليسَ فيهِ كلَّ هذا البَوحُ الذي خصّني الصّديقُ بِه، وفضفضَ خِلالَه بِما يشلعُ روحَه. فهُو، على سبيلِ المِثال، لم يشارِك أهلَه في آخرِ عشرةِ رمضاناتٍ ماضيةٍ، أجواءَ رَمضان. وحينَ رحلَ والدُه في عامِ 2015، لمْ يستِطع حضورَ جنازِته والمشاركةَ في مراسيمِ دفنِه، فإياد الذي يعملُ (ناسيًا تخصصَه الأكاديميّ) في حقلِ الحلويّات والأكلاتِ الشاميّة، محسوبٌ على المُعارَضة السوريّة.


يقولُ إياد: "هلأ إحنا ما فينا نقول إن رمضان اختلف بين سورية وجيرانها مثل الأردن ولبنان. نحن لسنا مثل الذين لجأوا إلى أوروبا، ولا نشعرُ هُنا باختلافٍ كَبير. وإن كان من اختلافٍ فهو في الفكرةِ. أي بِمعنى أن من غادروا بلدهم وحدهم دون عوائلهم، كما حدثَ معي أنا على سبيلِ المِثال، فَعندما تقع عيوني على طبقِ حلويات، أو أخصّ نَفسي بِطبق، أو أبيع صنفًا معيّنًا، فإن أول ما يخطر على بالي أن شقيقتي فلانة تحب هذا الصنف. هذه الأكلة يحبها فلان، هذه تحبها فلانة. هذه كنت أعودُ بمِثلِها إلى بيتي، هناك حيث لمّة الأسرة ودفء اجتماعِنا معًا. أنا أتحدث، خصوصًا، عن تجربتي الشخصيّة، فبوصفي شخصًا وحيدًا هُنا بعيدًا عن أهْلي وأصدِقائي وعالَمي الذي كان، فأشتهي كثيرًا لو أن بِمقدوري أن آخذ هذه الأكلة لِشقيقتي التي تحبها، وهذا الطّبق للصديقِ الذي يؤْثره عن غيرِه، فهناك أكلات، وهناك أطباق كانت أيّام وجودِي بينَ أهْلي وناسي، مرتبطةً بِهذا الشّخص أوْ ذاك. طبعًا أنا أتحدثُ هُنا عن أطباقِ رمضان والأكلاتِ المرتبطةِ بأيامِه وأجوائِه".

أحد مخيمات اللجوء السوري في تركيا


مِن هُنا، يرى إيادُ أنّ الشعورَ بالغربةِ يصبحُ أكثرَ ضغطًا، ويخنقُ عبراتِ المرءِ عندَ هذه التفصيلةِ أكثرَ من غيرِها. فالأسواقُ نفسُها، وأجواءُ البيعِ والشّراءِ نفسُها. في السّنوات التي سبقتْ كورونا، كنتَ تفوت على محل نفيسة في عمّان كأنك داخل على نفيسة اللي بقلب الشام. حتى فكرة وجود شخص يسكب القهوة السادة للزبائن، هي منقولة نسخ وإلصاق من أجواء نفيسة السورية. حتى الزيّ الذي يرتديه موظفو فروع نفيسة في الأردن هو نفسُ الزيّ.
"حتى أهْلنا بالشّام"، يواصل إياد بوحه، "يخبروننا عند اتصالنا بهم أن كل شيءٍ مزيّف. تقليدٌ عن نسخةٍ أصليةٍ ضاعت في دهاليزِ الأَسى. أمّي تقول إن أكلة الحلو ليست بمذاقها، بل بأجوائِها ولمّة العيلة حولها، بنجيب الشغلة بنحّسها تقليد. هذه الكلمة استخدمتها والدتي حرفيًّا. من جهتها، تقول الأم السورية كل ولد عندي في بلد وكل واحد بديرة. تقليد ما بتحسّها نفس الطعمة رغم أنها من نفس المكونات ونفس المحل. الحياة برمّتها أصبحت تقليدًا، مزيّفة. حياة لا تشبه الحياة التي كانت. تأكل ولا تستطعم. تستيقظ على السحور فلا تشعره جو سحور بحق وحقيق. مائدة الإفطار ليست حقيقية. من جهة الحرب التي فقدت كل أسرة بسببها نصف أفرادها على الأقل. من جهة كورونا. ومن جهة ثالثة الضائقة المالية الاقتصادية، ولا تنسى أن الكهرباء بتقطع 13 ساعة في سورية ها الأيام. تخيّل انقطاع كهرباء 13 ساعة في شهر متل شهر رمضان! موائد ما عدت شفت عليها لا جاج ولا لحم، ونحن نتحدث هُنا عن أكثر من 80 بالمائة من العوائل التي كانت تستطيع، قبل كل هذه المآسي، أن تتدبّر نفسَها، وكانت لديها قدرات شرائية. فكرة أن الأجواء الرمضانية الحالية مزيّفة ولا تشبه أجواءَ أيامِ زَمان، هي شعورٌ لا يقتصرُ على أهلِنا في الداخلِ السوريّ، بل هوَ شعورُنا جميعُنا في الداخلِ والخارِج. حتى أشقاؤنا الأردنيون، إسآل أي حدا هون رح يقلّك إن أجواء رمضان تغيّرت، خرّبتها الجائحة وعصفت بها الضائقة وتراجع مقدّرات العيش. إن كان هذا حال أهل البلد، فما بالك بالمغترب الذي كان مجرّد رائحة طبخة تذكّره بستّه (جدّته) بعمته، بخالته، بحارةٍ بعينِها، بمطعمٍ دمشقيٍّ قديم، بِحكواتي رمضان".


بوحٌ مفعمٌ وصادِق، يواصلُه إيادُ قائلًا: (هلأ أستاذنا بتلاقي حاليًا أشخاصًا كثيرين من جيلي (إياد من مواليد عام 1984)،  يتابعون حاليًا برامج ومسلسلات وأعمالًا قديمة على قناة يوتيوب؛ تجد أحدهم يعيد مشاهدة "مرايا"، آخر يستعيد أجواء الأجزاءِ الأولى من "بقعة ضوء"، ثالث لا يملّ من معاودةِ حضورِ حلقاتِ "يوميات أبو الهَنا". صدقًا، ولا شعوريًّا، أنا ورفقاتي حطينا سحور أول أيام رمضان هُنا في بيتي، فترةَ السحور التي كانت تبثّها القناة السورية في عام 2008؛ علاء الأيوبي، فرقة الإنشاد، سليمان داوود، وبعدٍ منّه توفيق المنجّد وحمزة شكّور. استعدنا هذا الجوّ لا شعوريًّا. وأنا هُنا لا أتحدثُ عن نفسي فقط، فمعظمُ الشّباب المقيمينَ بالغربةِ بعيدًا عن ديارِهم، يمارسونَ الحنينَ عبرَ استعادةِ الذّكريات).
إياد العصاميّ الذي بدأَ عملَه منذُ سنتِهِ الدراسيّة الجامعيّة الأُولى، وعاشَ خلالَ سنواتِ عملِهِ في حقلِ الحلويّات غربةً رمضانيةً طوْعية، عندما كان يُضطر رمضان 2004 و2005، أن يُفطر طيلةَ أيامِ الشهرِ الفضيلِ خارجَ بيتِه بسببِ ضغطِ العَمل وعشقِ السوريينَ للحلويّات في رمضان بوصفِه طبقًا أساسيًا يستحيلُ أنْ يخلو بيتٌ من واحدٍ، على الأقَل، منه يوميًّا، يختمُ بِحشرجةٍ عجزتْ أسلاكُ الافتراض عن إخفائِها: "لا شيءَ في رمضانِ هذهِ الأيامِ يشبهُ رمضانَ زَمان".                    

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.